12‏/07‏/2006

فيتجنشتاين والمعمار


معظم الناس لا يعرفون أن الفيلسوف فيتجنشتاين كان مهندسا معماريا أيضا. البيت أعلاه يمثل البيت الوحيد الذي صممه فيتجنشتاين وبناه لأخته مارغريت (Margarethe Stonborough-Wittgenstein) في فيينا. وقد استمر العمل فيه من سنة 1926 إلى سنة 1928. أغلب الباحثين يرون أن البيت يعكس في شكله وهندسته الوضوح المنطقي الذي تميز به تفكير فيتجنشتاين الفلسفي، خصوصا في كتابه الأول الرسالة المنطقية الفلسفية.

ظل هذا البيت شأنا خاصا بعائلة فيتجنشتاين، إلى أن باعه طوماس، ابن أخته، سنة 1971. آنذاك بدأ الناس يتحدثون عن أهميته التاريخية والفنية. ثم اشترته الحكومة البلغارية في السبعينات ورممته، فأصبح منذ ذلكم التاريخ مقرا للمركز الثقافي البلغاري.

09‏/07‏/2006

عالم الفنان محمد شبعة



كتب هذا النص في صيف 1996، مقدمة للمعرض الذي نظمه الفنان محمد شبعة بقاعة دولاكروا بطنجة في تلك السنة. ثم اختاره شبعة سنة 2001 وجعله مقدمة لكتابه الوعي البصري بالمغرب. منشورات اتحاد كتاب المغرب 2001

ليس ثمة نسق من المقولات أو القواعد جاهزٌ يُمَكِّنكَ من ولوج عالم محمد شبعة التشكيلي. غير أنك إذا أسلمت عينيك إلى فضاءات اللوحات وغِبتَ عن نفسك ساعة، فإن اليقين سيدركك، بعد عودة الروح إليك، بأن أعماله مغامرة محسوبة وبحث يقظ عن هذا النسق من القواعد. أعماله إذن تكتسي صفة الحدث من هذا الموقع المختلف الذي يزيدها قربا من العقل كلما أوغلتْ بعيدا في الحس.
محمد شبعة فنان ثائر على آفة الحكي في التشكيل. فهو لا يقبل أن تصير اللوحة حكايةً تُروى في حضرة زوار المعارض؛ لأنه يعلم أن حكمة البصر تتعطل ويهيمن منطق اللفظ بمجرد ما تتحول اللوحة إلى نص معرض للحكي.
إن منطق اللفظ لا يمسك إلا بالمندرج تحت لائحة الأسماء التي سبق العلم بها. لذلك يبحث شبعة في التخوم المستعصية على الأسماء عما حان ميقات تسميته ولم يُسَمَّ بعد. إنه يُقوض مبدأ الحكي لينسج بالألوان أكوانا على غير مثالٍ سَبَق. فاللوحة عنده ليست رمزا للأشياء، بل رقصة تعلن انتصار البصيرة على العمى.
إن شبعة يدرك، ربما أكثر من غيره، ثقل الألفاظ في ثقافتنا وسحرها؛ لذلك اقترنت الريشة في تاريخه الفني بالقلم وعانقته. فشبعة فنان انقادت له الألوان والحروف على حد سواء، وعلم بها على امتداد ثلاثة عقود أو يزيد أجيالا من الفنانين، وقاد حركات وتظاهرات تشكيليةً لعبت دورا بارزا في التحسيس بأهمية الفنون البصرية عموما بالمغرب. ومازالت نصوصه وتصريحاته تنير المسالك لكل من خفيت عليه شؤون اللون وشجونه في المغرب.
غير أن شبعة لم يُسَخِّر يوما قلمه أو يثقفه ليشرح للناس ما يرسمه بالريشة، بل كان ولا يزال يلقن العيون كيف تتحرر من سلطة النص، ويحثها على إعمال البصر والتفنن في الإمعان. قال يوما بعد أن ضاق صدره بكثرة ما يروج من حشو لفظي عن التشكيل: "اجعلوا للتشكيل مكانا في حياتكم، واعملوا على تحريره من أسر النص الجاهز، وامنحوه ثانية استقلاله وتميزه".


محمد شبعة في مرسمه


06‏/07‏/2006

حوار مع المفكر الألماني هابرماس



ي . هابرماس


كانت مجلة (Autrement) الفرنسية (العدد 102) سنة 1988 قد أجرت حوارا عميقا، مضمونا وأفقا، مع الفيلسوف الألماني ي. هابرماس. وكنت قد ترجمته ونشرته بجريدة العلم المغربية يوم الإثنين 7 يونيو 1993، وعند مراجعتي له، قبل أيام، وجدته ما زال واردا. ويسعدني أن أعيد نشره على نطاق واسع في هذه المدونة. وقد صححت بعض أخطاء الرقن التي وردت فيه حين نشر أول مرة. وعنوان الحوار من اقتراحي.




الحداثة والتواصل والديمقراطية


حوار مع المفكر الألماني ي. هابرماس



سؤال: إن مشروعكم الرامي إلى استعادة روح الحداثة، وإعادة بناء نظرية موحدة عن العقل، قادكم إلى انتقاد أولئك الذين سموا بما بعد الحداثيين، أي أولئك الذين يظنون أنه من غير الممكن بتاتا أن يكون المرء حديثا اليوم (وأعني هنا ليوطار وديريدا وفوكو... أو ما يمكن أن يسمى عموما بالفلسفة الفرنسية). هل يمكنكم أن تحددوا بالضبط ما يفصلكم عن هؤلاء المفكرين؟



هابرماس: لا أحب أن أحشر أناسا مختلفين في علبة واحدة، كما بعد الحداثة، التي تبقى في نهاية المطاف علبة سوداء. ما قمت به في كتابي خطاب الحداثة الفلسفي ينحصر في رواية قصة تشرح الموقف الذي وقفه الفلاسفة (الفلاسفة الألمان خاصة) منذ نهاية القرن 18 مما أدركوه هم أنفسهم بوصفه حداثة. فهذه الحركة انطلقت بكيفية من الكيفيات مع كانط. وغدت أمرا ملحا بوجه خاص مع هيجل والهيجليين الشباب، بمن فيهم ماركس. وجاء نيتشه لينخرط بدوره في أحداث هذه القصة عن طريق نقده الجذري للعقلانية. ثم تبلور، منذ نيتشه، اتجاهان نقديان في القرن 20: أحدهما تمثل في نظرية السلطة، انتهت إلى فوكو عن طريق باطاي، والثاني تمثل في نقد الميتافيزيقا، قاده كل من هايدجر وديريدا.


وقد كان قصدي من رواية هذه القصة تذكير أولئك الذين التزموا في هذه الأيام بنقد شمولي للعقل بجذور هذا الخطاب حول الحداثة. وبالفعل، فمنذ أن ظهر التمييز بين العقل (vernunft) والفهم (verstand)، وجدنا نقدا يتجه إلى التصور الذاتي المحض للعقل، ونقدا يتجه إلى العقل الأداتي والعقل التوضيعي على حد سواء. وهذا يعني أنه كان هناك نضج مبكر في نقد الأوجه القمعية للعقل عندما يكون هذا الأخير مشدودا إلى بعد واحد، سواء أتعلق الأمر بالبعد التوضيعي أم بالبعد القاضي بالسيطرة الأداتية على الطبيعة أو على ذواتنا. فهذا النقد الذاتي للعقل أو هذا النقد المتجه إلى الذاتية، والذي فُهم منذ نيتشه بوصفه شيئا جديدا كل الجدة، كان حاضرا منذ البداية عند كانط. وحاول هيجل أن ينتقد ما أسماه بفكر الفهم (verstandesdenken)، وكان يقصد به نمطا من الاستدلال الخطابي لا يعي حدوده الخاصة. فهيجل كان يلوم فلسفة الفهم كما خصصها ديكارت وكانط (وهذا الأخير هو ممثل هذا التيار الحقيقي) وفيخته، على كونها فلسفة أو فكرا يضفي الإطلاق (العقل) على شيء ضارب في النسبية (الفهم). وقد ظلت النظرية النقدية مع هوركايمر وأدورنو وبينيامين أسيرة هذا المحور الهيجيلي، على الرغم من أن هؤلاء المفكرين انتقدوا غير ما مرة النزعة الإطلاقية عند هيجل. ففكرتهم عن العقل الأداتي ظلت تُفهم بوصفها اغتصابا للمكانة التي كان يحتلها عقل جامع بواسطة أحد عناصره المقدم بوصفه شيئا مطلقا. بل إن استعمالهم فكرةَ العقل الأداتي كان بدوره استعمالا تهكميا؛ لأنهم كانوا يعتقدون (خصوصا أدورنو) أن العقل الأداتي ليس عقلا بالمرة بل هو فهم يخادع نفسه عندما يتوهم أنه عقل.


زد على هذا أن أدورنو في كتابه الجدل السلبي، كان متأثرا بنيتشه أشد ما يكون التأثر. فقد كان في هذه المرحلة من فكره فاقدا كل ثقة في مفهوم إثباتي عن العقل. وكونه استطاع أن يذهب إلى أن العقل شيء قد ضاع، وأنه في مقابل ذلك كان أيضا يعي تمام الوعي عدم قدرته على مواصلة نقده للعقل الأداتي (واستلزاماته في سياق مجتمع سادته البيروقراطية وأطبقت عليه)، يقتضي أنه ظل يذكر على الأقل ما كان يرمي إليه هيجل بواسطة مفهوم "العقل". فقد كان يعرف تمام المعرفة أننا لا نستطيع امتلاك جدل إيجابي يخول لنا الحديث عن كل شيء. فما نقدر عليه هو أن نتحدث بكيفية غير مباشرة (كما اعتقد كيركجارد الذي يستوحيه أدورنو أحيانا)، أو على نحو سلبي (كما يتحدث اللاهوت السلبي عن الإله) لكي نتمسك بما كان يفهم، في وقت من الأوقات، من هذا المفهوم الملتبس للعقل.


إن فوكو وديريدا واصلا معا مشروع نيتشه على نحو أكثر جذرية مما فعل أدورنو. فقد بلغ بهما الأمر مبلغا أنكرا فيه، ولو أن ذلك كان بطريقة غير مباشرة، إمكان تحديد فضاء للعقل يمكن فيه انتقاد العقل الأداتي أو السلطة أو الذاتية. أدورنو كان يحافظ على هذا الإمكان في فكرته عن الجدل السلبي. ولهذا السبب ففوكو وديريدا مورطان، بمعنى من المعاني، فيما سأسميه بـ"التناقض الإنجازي"، لأنهما بنيا مشروعهما ( المتصل بتحليل بنى السلطة بالنسبة إلى فوكو، وذاك المتعلق بنقد الميتافيزيقا الذي واصله ديريدا بعد هايدجر) على أساس موقف نقدي مبهم؛ لكونه يرمي إلى الشمولية السلبية للحقبة الراهنة وللحداثة ولذاتية الأفراد ولنظام السلطة وإمبرياليته. لكن موقفا كهذا لا يمكنه أن يسوغ مقاييسه أو معاييره الخاصة. فالعقل بالنسبة إليهما محصور بصفة قطعية في بعد يتعارض تماما مع فكرهما. إنهما بكل بساطة يبدعان اصطلاحات جديدة لصيغتهما الخاصة في الاستدلال (وهذا يصدق أكثر على ديريدا أو على هايدجر كذلك). فهايدجر يستبدل بالاصطلاح (Denken) اصطلاح (Andenken)، لكن الأمر لا يعدو أن يكون لفظا جديدا. فهذا الإبداع للاصطلاحات الجديدة يؤدي، حسب رأيي، وظيفة تكمن في إخفاء الدوران الذي ينقلب به نقدهما الخاص ضدا حتى على مشروعية المسلمات التي يستند إليها.


وهكذا ترون أنني أروي فقط قصة تبين، في حال الإنصات إليها كلها، أن نقد ميتافيزيقا الذاتية مظهر قديم جدا، حرك أول نقاش حول الحداثة وظل، منذ نيتشه، مسكونا بهذا التناقض الإنجازي ومهددا به.



سؤال: مهما يكن اعتقاد أولئك الذين يكتبون عن الحداثة، نجدهم يذهبون إلى أننا الآن مفصولون جذريا عن الأقدمين. وهناك آخرون مثل ليو شتروس (Leo Strauss) حاولوا أن يفكروا في كيفية الاهتداء بالقدامى ضدا على الحداثة. ما رأيكم في إمكان الرجوع إلى أرسطو مثلا، أو إلى الميتافيزيقا القديمة، للبحث عن أدوات للتفكير؟ وإذا كانت الهوة الفاصلة بين الحداثة والقدماء سحيقة لا تقبل الردم، فكيف يمكن تجنب تهمة التاريخانية؟



جواب: إن أناسا مثل ليو شتروس بحثوا في أفق إحياء لحظة الفكر الميتافيزيقي. والعمل الذي قدمه ليو شتروس لا يعبر إلا عن مهارة مؤول كبير ساهم، بكيفية غير حجاجية، في بعث نصوص قديمة لأرسطو وأفلاطون. وأحسب أن المشاكل التي وضعها الأقدمون تعد بمعنى من المعاني مشاكل خالدة. غير أنه لا يبدو لي أن بإمكاننا، بعد هيجل، التفكير استنادا إلى مسلمات أفلاطون أو أرسطو أو أتباعهما.


فالميتافيزيقا تقوم على مفاهيم رئيسة كالكون (cosmos) والمادة (physis) والغاية (telos) والكمال (entelecheia)...الخ. وقد قُوضَت هذه المفاهيم منذ ديكارت وليبنيتس وهيوم؛ أي منذ أن أصبحنا ملزمين بالتمييز بين المفاهيم الوصفية والمعيارية والتقويمية. فالمفاهيم الأساس التي تنهض عليها الميتافيزيقا لا تسمح بإقامة هذه الفروق التي نحن ملزمون بإقامتها اليوم. لا يمكننا باختصار أن نعيد استثمار صيغة ميتافيزيقية في التفسير تحيل على غائية موضوعية أو على شمولية أو على مطلق...الخ. كما أنني من جانب آخر لا أومن بالاستمراريات التي يقترحها هايدجر في دروسه عن التراث الميتافيزيقي، كما لو أن المرحلة الفاصلة بين أفلاطون ونيتشه لم تشهد إلا الطريقة التشييئية نفسها التي تضع الموجود محل الوجود.


وأنا لا أعود البتة إلى تفكير أصلي، كما لا أدعو إلى استمرارية قسرية بين الفكر الميتافيزيقي الخالص والفكر الحديث. فهذا الأخير يمكن أن يوصف بأنه نمط من فلسفة الذاتية؛ ولا أظن أن هناك ضرورة تدعونا إلى الالتفات إلى التاريخانية. فنحن كلنا، والفلاسفة الفرنسيون كذلك (باشلار أو باطاي أو فوكو أو ديريدا) أو أدورنو أو أنا بدوري، نفكر كلنا استنادا إلى مسلمات بعد هيجيلية؛ أي استنادا إلى مسلمات بعد ميتافيزيقية. بيد أن هذا لا يعني أننا مسجونون في سياق تاريخي عارض أو طارئ أو محلي أو إقليمي. لماذا يجب أن نكون كذلك؟ لأنه لم يعد لدينا أي أساس ميتافيزيقي بعد أن تهاوت تلك المفاهيم الميتافيزيقية وانهارت. لم يعد لدينا أي منهج فلسفي مفضل، كما كان الحال عليه سابقا حين كان الجدل أو الحدس الفينومينولوجي منهجا متبعا. غير أننا اليوم محظوظون لامتلاكنا القدرة على الوقوف موقفا تبصريا ازاء كل أشكال الاستدلال الخطابي. فلا يمكننا باختصار أن نغض الطرف ونتخلى عن هذا الاستدلال الخطابي. ونحن، من حيث إننا فلاسفة، نعد كذلك أعضاء في المجموعة العلمية تماما كغيرنا من العلماء؛ ويتعين علينا أن نحافظ على وجودنا إزاء المباحث الأخرى حتى لا تبتلعنا، من دون أن يكون لدينا الحظ أو الحق في ادعاء أي امتياز في بلوغ الحقيقة وحدنا، بغض النظر عن الطريقة التي قد نفهم بها هذه الحقيقة. فالعلماء يحتاجون إلى نوع من الموضوعية، كما يحتاجون أيضا إلى نوع من تناسي المسلمات، وإلا فإنهم لن يحققوا أي تقدم يذكر. فلماذا لا يتعين علينا نحن الفلاسفة أن نواصل البحث الحديث في الصور والشروط الأكثر عمومية للكلام والفعل والتفكير؟ ألسنا من يملك ميزة الدفع بالتأمل أبعد مما يحتاجه العلماء عادة؟



سؤال: كيف تفهمون إذن علاقتنا بالفلسفة الكلاسيكية؟ فبإمكاننا أن لا نعيد استثمار مقولات أرسطو عندما يتعلق الأمر بتفسير ميتافيزيقي للعالم. لكن هل يصح هذا عندما يكون الأمر متصلا بالتفكير السياسي والأخلاقي ومشاكل الفعل..؟



جواب: إذا قرأتم حنا آرنت وليو شتروس وسلكتم الطريق التي تقود إلى الأخلاق النيقوماخية مثلا، أي إلى مفاهيم السياسة والممارسة (praxis) والتيخني (techne)...الخ فإنكم ستفعلون ذلك، إذا كنتم نزيهين، انطلاقا من مسلمات مختلفة عن المسلمات الخاصة بأرسطو. فهو كان يعرف ما هي بنية المدينة (polis) وما هي الأخلاق (ethos)، وكان لا يشك لحظة في قدرته على أن يفسر لأي كان وبالنسبة إلى أي زمان ما هي القوة الوحيدة للحياة الاجتماعية أو السياسية التي يمكن فيها لكل فرد يريد أن يصبح كائنا بشريا أن يحقق ذلك. أما أنتم فليس بإمكانكم أن تفعلوا ذلك. وإذا حصل أن توقفتم عن ادعاء المعرفة بالصورة الوحيدة للمدينة أو الأخلاق، تعين عليكم ابتكار تمثيل مختلف عن المفاهيم الأرسطية. ففي كتاب دروس في فلسفة كانط السياسية، تقترح علينا حنا آرنت الفرونيسيس (الروية) صيغة استدلالية في المسائل العملية. وتحدد هذه الصيغة بأنها الاعتناق الدوري لمنظور كل واحد من أولئك الذين يمكنهم أن يتأثروا بالاقترانات العملية لفعل من الأفعال. وهذا ـ لعمري ـ ليس إلا طريقة مختلفة لتفسير التأويل الحديث للمسألة الأخلاقية، ولا يتعلق الأمر بأرسطو أبدا. فاللجوء إلى أرسطو أو أفلاطون لا يعني البتة أننا نتملكهما تملكا كليا كما كانا، بل نتملكهما بالمعنى الجاداميري (نسبة إلى جادامير)، انطلاقا من وضعنا الهيرمينوطيقي ونحن نعلم علم اليقين أن مقدماتنا تختلف كثيرا عن مقدماتهما.



سؤال: لكن هل يصح في نظركم تملك أرسطو، حتى بالمعنى الذي حددتموه؟



جواب: لقد أحلت في كتابي الأول عن الفضاء العمومي على حنا آرنت التي كانت تعنيني كثيرا آنذاك. فاهتمامي الأول في مطلع الستينات كان منصبا على معرفة الكيفية التي يمكن أن نخلص بها المنظور الأرسطي حول الطبيعة العملية من سياق تشاخصي واجتماعي، ونجعله يقف في مستوى واحد مع الخطاب السياسي الحديث. وأعني هنا خطاب ماكيافللي وهوبز وروسو. فكيف يمكن عقد الصلح، ليس فقط بين الطريقة العلمية الحديثة، بل بين الواقع الاجتماعي المعاصر (الذي يندرج بالنسبة إلى الحداثة في السوق تماما كاندراجه في النسق القانوني التعاقدي الحديث) وبين الرؤى الكلاسيكية حول الطبيعة العملية التي تتميز بها شؤون البشر؟


فأنا لا أتغاضى عن التأويل، لكنني أظن أننا لن نسمح لأنفسنا بأن نكون سُذَّجا فنقفز على شرطنا الحديث لنجد أنفسنا في مستوى واحد مع القدماء. يجب إذن أن نتحلى بالنزاهة ونعلن أننا لا يمكننا التظاهر بتبني مسلمات لا نستطيع الاعتقاد فيها ولا العيش بها.


لقد كانت حنا آرنت واقعة بين أمرين: فمن جهة كانت تتوق إلى العودة إلى النظرية السياسية التقليدية، لكنها كانت، من جهة أخرى، واعية المشاكل الحديثة. وفي رأيي كانت حنا في كتابها عن الثورتين (الفرنسية والأمريكية) منقادة شيئا ما بتعاطفها الأحادي مع سياسة القدماء، ومعارضتها للمجتمع الحديث. وقد تبنت هنا في هذا الكتاب اختيارا لم يكن، حقيقة، في متناولها. فنحن لا نستطيع الخروج من المجتمع الحديث سواء أكنا نحبه أم لا. لا يمكننا غض الطرف عن رؤى الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، منذ آدم سميث، التي تدور حول الفكرة القاضية بأن المجتمعات الحديثة ترتبط في مجموعها (على نحو جزئي وأساسي، وإن لم يكن ذلك بكيفية حصرية) بعلاقات يمكن نعتها بأنها نسقية: علاقات السوق والإدارة والأوضاع التي ينظمها القانون. فلا يمكن، والحالة هذه، أن نعثر في البنية الحديثة على صورة مؤمثلة للمدينة (polis). ولكن، للأسف، هذا ما فعلته جزئيا حنا آرنت حينما قارنت الثورة الأمريكية بالثورة الفرنسية. فالثورة الأمريكية جرت قبل كل شيء في بلد المزارعين الصغار الرأسماليين والتجار الصغار. وبلد كهذا لا يمكن رده بسهولة إلى نموذج المدينة القديم. وأعتقد أن حنا لم تقدر هذه النقطة حق قدرها. فقد كان هيجل أشد وضوحا منها؛ ففكرته عن المجتمع المدني أكثر حداثة من الفهم الذي تقدمه هي.


فامتلاك نظرية جيدة يعني كذلك امتلاك نظرية "مطلعة" من جهة الوصف؛ إذ لا فائدة ترجى من صوغ نظرية معيارية ومواجهتها بواقع مختلف كليا. فعلينا أن نربط التوجهات المعيارية بما ينجم عن هذا الواقع نفسه دون أن نفترض نهائيا أن هناك مادة وحيدة للتاريخ. ويمكننا أن نحلل النزعات المتناقضة في الوضع الراهن وفي المجتمعات المعاصرة بحيث نشجع بكيفية عملية المجتمعات التي نعتقد أن بإمكانها ومن حقها أن تُشَجَّع دون تعسف. ويمكن في الواقع أن نسوغ ذلك بالوقوف في وجه الهيمنة المتوسعة للبيروقراطية، والتوحيد الكبير للحياة وتكثيفها، والأوامر النسقية للاقتصاد الرأسمالي. وإذا شئت استعمال اصطلاحاتي الخاصة قلت: يجب أن نشجع بقوة عوالم الحياة المهيكلة بكيفية تواصلية.



سؤال: لقد سعيتم في نظريتكم عن الفعل التواصلي بين الموقف المعياري والموقف الوصفي، إلى الاتكاء على البنية الأنثروبولوجية (حين أحلتم على بياجيه ودوركايم). فكيف يمكن للباحث أن يولد نظرية معيارية انطلاقا من وصف؟



جواب: ألسنا هنا أمام المغالطة التطبيعية؟ إن هذه الصعوبة تمثل بالضبط السبب الذي يدفعني إلى البحث عن متابعة التحليل المتعالي ولو على نحو يختلف قليلا عما هو متعارف عليه؛ أي أن الأمر لا يتعلق بتحليل شروط إمكان المعرفة بالمعنى الكانطي أو الهوسيرلي، بل بتحليل للشروط الضرورية للفهم. فإذا نظرنا عن كثب إلى الشروط التي تكون ضرورية لكي نتفاهم عن شيء في العالم، فإننا نكتشف شيئا مثيرا للغاية، أي نكتشف افتراضات تداولية ذات محتوى معياري لا يمكن تلافيها أو التغاضي عنها.


فبمجرد ما نقبل الانخراط في الكلام، وقبل الدخول في أي صورة من صور الحجاج، يتعين علينا أن نفترض بكيفية متبادلة أننا مسؤولون. وهذا يصدق أيضا على الخطاب اليومي. وحتى لا نستطرد في ذكر أمثلة، يمكن أن نكتفي بواحد فقط. فإذا أنت قلت شيئا غامضا أو قمت بفعل يميل شيئا ما إلى الغرابة، فإن من حقي أن أسألك: "ماذا فعلت؟"، أو "ماذا قلت؟"، وأنا أفترض أن بمقدورك منحي تفسيرا صادقا يبين ما إذا كنت على صواب أو على خطأ. فهذا الافتراض القاضي بأنك لست غشاشا ولا ممسوسا بالذُهان ولا سكرانا لا يمكنك أن لا تأخذه في الحسبان. فتكون هنا متأكدا من أنني لن أعاملك بوصفك موضوعا أو شيئا يمكن التلاعب به، أو أنني عالم نفس يريد أن يلاحظ، بل سأعاملك بوصفك مسؤولا. يمكنني بالتأكيد أن أغير رأيي وأقف موقفا آخر أكثر حذرا واستراتيجية على نحو خفي أو ظاهر. لكن الموقف الأول يكون أساسيا أكثر من غيره، ويتطابق مع استعمال خاص باللغة. لماذا يتعلق الأمر هنا باستعمال خاص باللغة؟ لأن وسيلة اللغة وغاية (telos) الفهم تترابطان من الداخل لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى كما نفصل عادة بين الوسائل والغايات. فلا يمكنكم أن تفسروا ما اللغة من دون اللجوء إلى فكرة الفهم. وقد أوضح فيتجنشتاين هذه الحجة. ويتعلق الأمر هنا بضرورة متعالية ضعيفة، أي أنكم لا تستطيعون رفض الصدور عن بعض الافتراضات.


فالفعل التواصلي يقوم على الربط بين خطط مختلف الفاعلين باستعمال القوة المحفزة عقلانيا التي تستلزمها أفعال اللغة الإنجازية. زد على ذلك أن الفعل التواصلي لا يقبل أن يعوض بممارسات من جنس آخر مهما يكن السياق. فإذا كنا نربي على سبيل المثال أبناءنا أو ندرس طلابنا، أو كنا نسعى إلى إنعاش الروابط الاجتماعية بكيفية مشتركة، فإننا لا نستطيع رفض الانخراط في هذه الممارسة التواصلية. وهذا يعني أن إجراء الإدماج الاجتماعي وتحقيق الاتصال الثقافي والتكييف الاجتماعي أمور لا تتم إلا استنادا إلى الفعل التواصلي.



سؤال: هل توافقون على أن الديمقراطيات المعاصرة في حاجة إلى حد أدنى من الاختلاف (وليس إلى الإجماع فقط)، وأن سمة الديمقراطية قائمة في إقرار الاختلاف أكثر مما هي قائمة في نجاح الإجماع؟



جواب: بالطبع، فإذا كان هناك من امتياز أنثروبولوجي فإنه قائم في القدرة على قول: لا. وقد بين كل من هيردير وهيجل وفرويد، وأكتفي هنا بنماذج من ألمانيا، أن الحصول على إجماع معين لا يتم إلا استنادا إلى هذه القدرة على قول: لا. فالإجماع ليس شيئا إثباتيا، بل إنه نفي مزدوج. فقط ينبغي لنا أن نفترض أن العوالم المعيشة التي نتحرك فيها تتراكب، جزئيا على الأقل، بكيفية يكون فيها بمستطاعنا الانطلاق من افتراضات ضمنية متقاسمة على نحو تذاوتي. فالفعل التواصلي لا يمكنه أن يتحرك حرا طليقا في الفراغ. إنه يحتاج إلى عالم معيش يكون خلفية له (وهذا ما بينتُه في المجلد الثاني من كتابي نظرية الفعل التواصلي). فإذا كان هذا الضمني غائبا بصفة كلية، فإننا لن نلاقي إلا أفعالا استراتيجية. لكننا في المجتمعات الحديثة، وهذا أمر محمود في نظري، لدينا حشد من العوالم المعيشة المختلفة، وكل كينونة فردية تعد فريدة في مشروعها. والفردانية والكونية وجهان لعملة واحدة. وهذا أمر يعرفه كل واحد منذ هيجل. فلا يمكن أن تكون لديكم فردانية دون كونية معيارية. الشرط الوحيد هو أن لا نخلط الكونية المعيارية بمسلسل التسوية على النحو الذي يفهمه فوكو. فيجب أن لا نضع الكونية الأخلاقية في السلة نفسها مع الإمبريالية؛ ذلكم لأن الإمبريالية أو المركزية الإثنية تؤشر على الرفض أو العجز عن اتخاذ منظور أخلاقي. فليس هناك أبدا إفراط في الكونية، ولكن ليس هناك ما يكفي منها.


30‏/06‏/2006

مفهوم الرأسمال الاجتماعي

الرأسمال الاجتماعي

يدور مفهوم الرأسمال الاجتماعي على ثلاثة مفاهيم رئيسة: الثقة، ومعايير التجاوب (norms of reciprocity)، والشبكات. من هذه الناحية يفهم الرأسمال الاجتماعي بوصفه ظاهرة بنيوية (الشبكات الاجتماعية)، كما يفهم أيضا بوصفه ظاهرة ثقافية ترتبط بالمواقف (التجاوب والثقة).

يلعب الرأسمال الاجتماعي دورا كبيرا في تشجيع المواطنين على أن يصبحوا مستهلكين بارعين للسياسة، ومؤثرين وازنين في مسيرها. فانخراطهم المكثف في الجمعيات والهيئات، والشبكات عموما، في أجواء من الثقة والتجاوب، يقود حتما إلى الرفع من مستوى الوعي السياسي لديهم، بفعل الفرص المواتية التي يتيحها لهم هذا الانخراط لكي يناقشوا القضايا السياسية والاجتماعية المختلفة التي تعنيهم في فضاءات الظهور المفتوحة على الملأ. إن الرأسمال الاجتماعي يشيع بين الأفراد الالتزام بالخير العمومي ويشجع على الإعلاء من شأنه، كما يساعد على تجديد التضامنات وعقلنتها وتحديثها، ويساهم بكيفية فعالة في شيوع قيم الوفاق وثقافة عقد التسويات. إنه يلعب دورا رئيسا في نقل أذواق الجماعة من استعذاب تحقيق المصالح الخاصة (مثل كيف أغدو غنيا؟)، إلى استعذاب تحقيق مصالح الجماعة (مثل كيف يمكن الرفع من مستوى الجوار؟). فبعث رغبات تتصل بالخير العمومي لدى المواطنين، أو تطوير "الأنا" في إطار " النحن" كما يقول بوتنم (1995: 67)، يبين الكيفية التي يشجع بها الرأسمال الاجتماعي المواطنين مثلا على رفع مطالب تخص الجماعة وليس الأفراد. وللأسباب نفسها أيضا يمكن للجماعة، إذا كان مخزون رأسمالها الاجتماعي وافرا، أن تتخلى عن مطالب المدى القصير، ذات البعد الاستهلاكي الزائل، وتشايع المشاريع وأنواع الاستثمار التي تعود في المدى البعيد بالخير العميم على كل أعضائها وترفع من مستوى عيشهم.

Putnam Robert D. (1995) “ Bowling Alone: America’s Declining Social Capital” Journal of Democracy 6 (January). p.67

28‏/06‏/2006

مفهوم السلطة بين المجتمعين السياسي والمدني

مفهوم السلطة بين المجتمعين السياسي والمدني

يروم هذا المقال، الذي يمثل في الأصل قسما من مقال طويل كتبته ونشرته منذ سنوات، رفع بعض الالتباسات التي تحيط ببعض المفاهيم المتداولة بين الناس الذين يهتمون بقضايا الشأن العام مثل: السلطة، والمجتمع المدني، والمجتمع السياسي، والفضاء العمومي، والإرادة العامة، ودور المثقفين...الخ. لا يدعي المقال بالطبع الحسم في الالتباس الذي يكتنف هذه المفاهيم. هذا أمر لا يمكن أن يدعيه الإنسان، أيا كان، إلا إذا كان مجنونا فقد عقله. المقصود برفع الالتباس هاهنا هو اقتراح إطار تحليلي يضفي بعض الانسجام على هذه المفاهيم مجتمعة، بحيث تصبح دالة وذات معنى في هذا الإطار وليس في غيره. وهذا يعني أن بإمكان المرء أن يقترح أطرا أخرى تضفي على هذه المفاهيم نفسها ضروبا مختلفة من الانسجام. الأجزاء الرئيسة التي تشد إليها الإطار الذي يصدر عنه المقال هي أجزاء مستوحاة من التصور الذي طوره الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هابرماس؛ وبالمقال أجزاء أخرى تعود إلى مفكرين آخرين أبرزهم عبد الله العروي وحنا آرنت، وريتشارد رورتي. غير أننا لم نعمد في المقال إلى استعمال الاصطلاحات نفسها التي نعثر عليها عند هؤلاء المفكرين إلا نادرا. فهذا أمر يتطلب منا تذييل اصطلاحاتهم كلها بشروح وحواشي توضحها. ومن شأن هذا أن يخرج بنا تماما عن الغاية التي رسمناها لهذه المدونة. لهذا السبب عمدنا إلى استعمال اصطلاحات في المتناول، سهلة المأخذ في الغالب.

1- السلطة السياسية والسلطة المدنية

نستطيع التمييز في السلطة بين مستويين اثنين: مستوى أول تجسده الدولة بمؤسساتها المختلفة، وهو مستوى يعبر عنه الحاكمون أو الحكومة بخطبها وأفعالها وقراراتها. ومستوى ثان يجسده المجتمع المدني من خلال جمعياته ومنظماته ونواديه، ويعبر عنه التواصل العمومي الذي تعكسه هذه الهيآت والجمعيات والمنظمات والنوادي في مبادراتها وأنشطتها المدنية المختلفة، وفي تدخلاتها التي تنشطها وسائط الإعلام المتباينة وتعممها.

يمكن أن نصطلح مؤقتا على هذين المستويين في السلطة بالسلطة السياسية والسلطة المدنية. ويلوح أن وضع الأحزاب ضمن هذا التصور للسلطة وضع ملتبس. لكننا نقول، اختصارا، إن الأحزاب بحكم الغايات التي ترمي إلى تحقيقها تندرج ضمن مستوى السلطة السياسية. إنها تندرج ضمن هذا المستوى بصيغتين: صيغة الفعل عندما تكون في الحكومة، وصيغة القوة عندما تكون في المعارضة. فهي لا تعارض في نهاية التحليل إلا من أجل الوصول إلى الحكومة وتسلُّم السلطة. وعلى الرغم من أن الأحزاب المعارضة تلتقي في أنشطتها مع أنشطة منظمات المجتمع المدني، فإنها لا تلتقي معها في الغايات. غايات الأولى تتجه إلى تحصيل السلطة السياسية كما ذكرنا سالفا؛ أما غايات الثانية فتنحصر في مراقبة الحكومة، أيا كانت الأحزاب المكونة لها، والتأثير فيها وتوجيهها جهة المصلحة العامة، والبقاء حيث هي في المعترك المدني. بعبارة أوضح يمكن أن نميز بين الأحزاب والمنظمات المدنية بقولنا إن الأحزاب جماعات ذات مصالح لها صلة وثقى بها من حيث إنها جماعات تروم الوصول إلى السلطة (وهذا لا ينقص من قيمتها، لأن الأحزاب لا تنظر إلى مصالحها إلا بوصفها تحقق المصلحة العامة أو تتناغم معها)، أما المنظمات المدنية فمنظمات تطوعية خالصة لها مصلحة واحدة هي المصلحة العامة (هذا أيضا لا يعلي من شأن منظمات المجتمع المدني، لأنها يمكن أن تخطئ الطريق إلى المصلحة العامة، إما عن قصد وإما عن سهو أو خطأ).

من هنا يكتسي مفهوم المجتمع المدني أهميته بوصفه مرصدا للمراقبة ومرآة يقرأ فيها المجتمع السياسي نفسه. ومن هنا نتبين، في مستوى أكثر تعميما، أن المجتمع السياسي، بما أفرزه من مؤسسات، لم يتشكل تاريخيا إلا لكي يحفظ الحيز الأكثر اتساعا لما ليس سياسيا، أي للمجتمع المدني. وحتى تتضح أهمية المجتمع المدني ويشتد بيانها، ينبغي لنا أن نعرج على مفهوم آخر شديد الصلة به، هو الفضاء العمومي. فالمجتمع المدني لا يكتسي معناه النقدي إلا إذا تهيكل ضمن الفضاء العمومي، وهذا ما سنحاول بيانه الآن بشيء من التفصيل خفيف.

2-الفضاء العمومي وسلطة الرأي

نقصد بالفضاء العمومي ذلكم الحيز الوسيط الذي ينشأ بين المجتمع المدني والدولة. إنه، بعبارة أوضح، المكان الذي يجتمع فيه جمهور المواطنين لصوغ رأي عمومي. ويكون هذا المكان مفتوحا من الناحية المبدئية في وجه كل المواطنين المعترف لهم بالحق في التجمع والتعبير الحر عن آرائهم. وصفة العمومية المنسوبة إلى هذا الفضاء ليست من جنس العمومية التي تُنسب إلى الدولة أو المجتمع السياسي. العمومية المنسوبة إلى هذا الفضاء تُعد بالأحرى وسيلة لنقد ممارسة الدولة للسلطة ومراقبتها.

حقا، إن الفضاء العمومي يُعد صورة جديدة من صور إضفاء المشروعية على السلطة السياسية ( أي على الفعل السياسي (العمومي) للدولة )، لكنه يعد من جهة أخرى وسيلة ناجعة، في نطاق الديمقراطية، لتحويل طبيعة هذه السلطة؛ أي تحويلها في أفق عقلنتها وتوجيهها والتأثير فيها لتتلاءم أكثر فأكثر مع طموحات المواطنين وتطلعاتهم ومطالبهم. والعُمْلة أو الوسيط الذي يحكم المعاملات في الفضاء العمومي هو الفعل التواصلي Communicative action) ). (يرى هابرماس إن هناك ثلاث عملات أو ثلاثة وسائط: الدولة أو المجتمع السياسي يستعمل وسيط السلطة، النسق الاقتصادي يستعمل وسيط المال، والمجتمع المدني المهيكل في الفضاء العمومي يستعمل وسيط الفعل التواصلي). لهذا لا يوجد قيد أو شرط يمكن أن يمنع المواطن من ولوج الفضاء العمومي والمساهمة فيه. إذ إن القدرة على التواصل بواسطة اللغة تكون كافية وحدها لولوج هذا الفضاء والضرب بسهم فيه. بيد أن الفعل (التواصلي) في نطاق الفضاء العمومي لا يكتسي مشروعيته من حدود المصالح الخاصة أو الفئوية للأفراد أو الجماعات، بل يكتسيها من حدود المصالح القابلة للتعميم والتي تتعالى عن المصالح الخاصة والجزئية للأفراد والجماعات المتنافسة. لذلك عدّه بعض المفكرين (أبرزهم هابرماس) المكان الذي تتكون فيه الإرادة العامة على نحو عقلاني. وعندما نستعمل مفهوم الفضاء العمومي بهذا المعنى في التحليل، لا يمكننا الركون مثلا إلى التعريف الذي طوره روسو Rousseau) ) عن الإرادة العامة، أي التصور الذي يسلم بأنها موجودة سلفا، قبل كل تكوين للإرادة عن طريق النقاش العمومي. بعبارة أوضح، إن مصدر المشروعية، كما استدل على ذلك هابرماس في عدد من كتبه، لا يوجد في إرادة الأفراد الموجودة والمحددة سلفا، بل في مسلسل تكوُّنها، أي في المشاورة ذاتها. فالقرار المشروع إذن، ليس القرار الذي يمثل إرادة الكل، بل القرار الذي يكون نتيجة لمشاورة الكل.

حسب هذا المنظور إذن، يصبح الفضاء العمومي شرطا رئيسا لتكوين رأي جمهور المواطنين وإرادتهم. وعندما نتحدث عن رأي المواطنين أو ما يسمى بالرأي العمومي، لا نقصد به مجموعة من الآراء الفردية التي تنشأ هكذا بكيفية معزولة وتصاغ في سياق خصوصي. بعبارة أوضح، ينبغي أن لا نخلط بين الرأي العمومي وبين النتائج التي يمكن أن نتوصل إليها بوسائل السبر والاستطلاع السطحية. الاستطلاع السياسي للرأي لا يكون عاكسا الرأي العمومي حقيقة إلا إذا تحقق في فضاء عمومي مُعَبَّأ، وكان مسبوقا سلفا بتكوين للرأي متصل بالأمور المعروضة. وهنا تحديدا يظهر دور وسائط الإعلام بمختلِف أشكالها، ودور المثقفين والشخصيات البارزة والخبراء الملتزمين (نقصد بالخبراء الملتزمين هنا مجموع الخبراء الذين تمردوا على فئة الخبراء التقنوقراط، واعتنقوا قيم التضامن وكرسوا قسطا من وقتهم للتدخل في قضايا الشأن العام، وتبسيط الأمور المعقدة في الاقتصاد والسياسة والاجتماع وغيرها من الميادين المتخصصة، والمستغلقة أحيانا، وشرحها قصد تنوير المواطنين والرفع من مستوى الرأي العمومي في المجتمع بصفة عامة). فهؤلاء جميعا يساهمون بأشكال متفاوتة وبطرائق متباينة وبأقساط مختلفة في تعبئة المواطنين وتنوير الرأي عندهم بخصوص المسائل المعروضة للنقاش.

ويكتسي الرأي العمومي أهميته من كونه طاقة للتأثير السياسي. إنه رأي يفرزه المجتمع المدني في الفضاء العمومي، ويصبح قابلا للاستثمار في التأثير في المجال السياسي وفي السلوك الانتخابي للمواطنين. وهنا تحديدا تكمن سلطة المجتمع المدني. وإذا كان هذا التأثير لا يتحول إلى سلطة سياسية ( أي لا يتحول من سلطة مدنية إلى سلطة سياسية ) إلا بمقدار ما يؤثر في قناعات الأعضاء ذوي النفوذ في النسق السياسي ( الحكومة )، فإن الأعضاء النافذين في النسق السياسي يعرفون بدورهم أن سلطتهم (السياسية) لا تكون مشروعة إلا إذا كانت تُمثِّل السلطة التي تتولد بكيفية تواصلية في الفضاء العمومي (السلطة المدنية). إنهم، بعبارة أوضح، يُلْفون أنفسهم مضطرين إلى الإنصات مليا إلى المطالب التي يرفعها المجتمع المدني في الفضاء العمومي والاستجابة لها. إذ لا يمكن للسلطة السياسية، التي تخول لها أدبيات دولة القانون الديمقراطي حق اتخاذ القرارات الملزمة للجماعة، أن تكون سلطة مشروعة إلا إذا كانت مسنودة ومؤيدة بسلطة المجتمع المدني المؤسسة على التواصل. بعبارة أخرى، إن المجتمع ينبغي أن يرى في القرارات الملزمة التي تصدر عن السلطة السياسية تجسيدا لحقوقه المنصوص عليها في الدستور وإحقاقا لها، وليس إخلالا بها أو هتكا لها.

وفي هذا الإطار يكون الفضاء العمومي ميدانا تعبره السلطتان معا وتتقاطعان فيه: سلطة سياسية نسقية نازلة من أعلى، وسلطة مدنية منبعثة بكيفية تلقائية من النسيج التواصلي الذي يحبكه المواطنون في الفضاء العمومي. وهذا العبور والتقاطع يُضْفِيان على الفضاء العمومي طابعي الحيوية والتجدد. لكنهما يسِمانه بطابعي التوتر والصراع أيضا. سنحاول أن نبرز في الفقرة الموالية بعض مظاهر هذا التوتر والصراع.

3-الفضاء العمومي ومسألة الهيمنة

إن سلطة الدولة، من حيث إنها تنظيم، تعد نسقا. وبما أنها نسق، فإنها تملك كل خصائص النسق. فهي كيان يتصف بالكلية، ويتمتع بالضبط الذاتي، ولا يمكن أن يتحول ويخرج عن طوره ويصبح شيئا آخر مخالفا لنفسه. (هيغل كان يقول إن الدولة دائما تختلف عن التصور الذي يكونه الفرد عنها، ويقصد بالفرد طبعا الفرد الذي يعيش في المجتمع المدني). منطق هذه السلطة الداخلي تلخصه النجاعة والفعالية. أما العقلانية التي يندرج ضمنها هذا المنطق فعقلانية أداتية خالصة. إنها باختصار سلطة تحدد نفسها عن طريق القانون بوصفها سلطة سياسية مؤسسية تنـزع إلى الأمر والفرض والقيد والهيمنة. وهذه السمات التي تتصف بها هذه السلطة لا تزول حتى في الأنظمة الديمقراطية العريقة، حيث تستند مشروعية السلطات كلها إلى السيادة الشعبية المعبر عنها بالاقتراع العام.

أما السلطة المدنية فلا تعد نسقا. إنها بالأحرى سلطة مائعة وسيالة، تنتج بكيفية تلقائية عن التواصل الحر الذي ينسجه المواطنون فيما بينهم بخصوص القضايا والمشاكل التي تتصل بالشأن العام. منطق هذه السلطة الداخلي لا يندرج تحت مقولتي النجاعة والفعالية، بل تحت مفهوم عام هو التفاهم المتبصر حول أحسن السبل المُفضية إلى العيش الكريم بالمعية في المجتمع. عقلانيتها ليست أداتية، بل تواصلية شديدة الصلة بالعقل العملي البعيد كل البعد عن العقل النظري-التقني الذي تستلهمه السلطة السياسية. المهد الذي تتشكل فيه هذه السلطة هو الفضاء العمومي، وهو فضاء غير مؤسسي على عكس الفضاء العمـومي النسقي ( كالبرلمان واللجان المتفرعة عنه…) الذي تعمل فيه السلطة السياسية. إنه فضاء غير مؤسسي لأن الفاعلين فيه لا يعملون تحت ضغط استعجال اتخاذ القرار كالفاعلين السياسيين في الفضاء المؤسسي للدولة. الوقت في الفضاء العمومي هو الوقت الذي تستغرقه المشاورات والمناقشات، لا يخضع للحساب أو للاختصار اللهم إلا إذا أراد هذا الفضاء أن يقوض ذاته وينقلب على نفسه.

إن الصعوبة هنا تكمن في تحمل هذا التوتر البنيوي الحتمي الذي ينشأ بين المظهر النسقي للسلطة، اللازم لاشتغالها الفعلي ( والذي يرمي بطبيعته ذاتها، السلطة المدنية إلى الأرباض، لأنه يرى فيها عاملا مشوشا على انضباطه الذاتي )، وبين مظهرها المدني الذي يمثل من جهته المصدر الوحيد للديمقراطية والمشروعية، والذي ينبغي له، وهذا داخل في طبيعته، أن يمارس حق التدخل في النسق السياسي. (الإرادة العامة، بالمناسبة، لا تهدأ أو تستريح بمجرد وضع المواطنين الأوراق في صناديق الاقتراع). وكلما مال التوتر بين المظهرين أو السلطتين في دولة ما إلى اللين استطعنا أن نتحدث عن استقرار سياسي، وكلما احتد التوتر بينهما واشتد، صح الحديث عن أزمة سياسية في الدولة. والحقيقة الأساس التي لا ينبغي إغفالها هنا هي أن السلطة السياسية النسقية المولِّدة للقرارات الملزِمة لا يمكن أن تأخذ بناصية الإرادة العامة التي تمثلها إلا إذا ظلت متابعة ومنصتة ومنفتحة على المطالب والقيم والمحاور المتداولة بكيفية تلقائية وحرة في الفضاء العمومي. آنذاك، وآنذاك فقط، تكون قراراتها مجسدة للحقوق وملبية للطموحات ومحققة للآمال والتطلعات.

... المثقفون

لا يمكننا ونحن نتحدث عن المجتمع المدني أن ننسى الدور الحاسم الذي تلعبه النخبة المثقفة في إشاعة القيم، وتنوير الرأي العمومي والرفع من مستواه. ونحن إذ نطرح دور النخبة المثقفة في هذا السياق، نعول على المثقف الذي لا يفصل الالتزام النظري بالحقيقة عن الالتزام الأخلاقي- السياسي بالعدالة. نعول على المثقف الذي ينتقد الرؤى النسقية التي يقترحها السياسيون للعالم. نعول على المثقف الذي يجري التعديلات اللازمة على الحلول الآلية والصماء التي يقترحها الخبراء الخُلص (غير الملتزمين) لمشاكل الناس. نعول على المثقف الذي مازال يؤمن أو يحلم بأن في الإمكان دائما أبدع مما كان. ونعول في الأخير على المثقف الذي يؤمن بأسبقية الديمقراطية على الفلسفة، وبأسبقية التضامن على الموضوعية.

27‏/06‏/2006

الثقافة والأمن في المتوسط

الثقافة والأمن في المتوسط

تذهب رافاييلا ديل سارتو(2005: 320)، في الأجندة الثقافية التي تقترحهاللفضاء المتوسطي، إلى أنه على الرغم من التنوع الثقافي الذي تتميز به المنطقة الأورومتوسطية، ينبغي أن لا ننساق ونسجن أنفسنا في التعاريف الضيقة والمحصورة الشائعة حول "ثقافات" هذه المنطقة. فالتنوع الحاصل بين شعوب هذا الفضاء لا يلغي اقتسام هذه الشعوب عددا من القيم المشتركة (قيم العيش المشترك كالديمقراطية وحقوق الإنسـان والتسامح...الخ). ليس هناك، في نظرها، غرب متجانس وموحد تستغرقه ثقافة واحدة خاصة ومنغلقة؛ كما أنه ليس هناك عالم عربي في الضفة المقابلة للغرب متجانس وموحد تهيمن عليه ثقافة واحدة موحدة. بل إن "الإسلام" نفسه دين يقع على تأويلات شتى وعلى مذاهب لا حصر لها، تمضي من طرف مسرف في الترخيص والانفتاح، إلى طرف موغل في التشدد والتزمت، مثله في ذلك مثل اليهودية والمسيحية. لهذا السبب يتعين الفصل في المنطقة الأورومتوسطية بين الخرائط التي تُعلّم الحدود السياسية، والخرائط التي ترسم الحدود الثقافية. بعبارة أوضح ينبغي إعادة رسم الخرائط الثقافية على نحو يراعي اشتراك المجموعات التي تعيش في هذه المنطقة في الدفاع عن القيم نفسها. إعادة رسم الخرائط الثقافية من هذا المنظور يعد، في نظر ديل سارتو، أمرا رئيسا في تقريب الرؤى بين الضفتين وفي إسناد الشراكــــة المعطوبة التي تنظر إلى المنطقة من منظور سياسي أمني خالص. فالأصوليون أو المحافظون الفرنسيون والمغاربة والإيطاليون والجزائريون والأتراك يتقاسمون فيما بينهم قيما كثيرة لا يتقاسمها كل منهم مـع مجموع أهل بلده. والشيء نفسه يقال عن المعتدلين في هذه البلدان أو الليبراليين. فالنظرة إلى المنطقة الأورومتوسطية من هذا المنظور المتحرر من شأنها أن تؤثر تأثيرا حاسما في السياسة الدولية لجهة التفاهم واستتباب السلم وقيام الرفاه في المنطقة. إنها ستخرجنا من ضيق التعاريف المتوارثة التي تعمد إلى استعمال كلمات مبهمة وملتبسة كـ "الغرب" أو "العرب" أو "الإسلام" وتضع تحتها الأخضر واليابس دون أدنى تمحيص أو تقييد. فالإصرار على تعريف الثقافات في المنطقة الأورومتوسطية من منظار التضارب بين الإسلام والغرب، أو بين الشمال والجنوب، سيفاقم مشكل الإقصاء المتبادل، وسيزيد من تكريس انغلاق ثقافات المنطقة على نفسها.

Del Sarto, R. A (2005) « Setting the (Cultural) Agenda: Concept, Communities and Representation in Euro-Mediterranian Relations», in Mediterranean Politics. Vol. 10, No. 3, November, pp. 313- 330

الكلام والمعنى


الكلام والمعنى

تقول حنا آرنت:

"كل ما يمكن للناس أن يفعلوه أو يعرفوه أو يجربوه لا يصبح ذا معنى إلا بالقدر الذي يستطيعون الكلام عنه. يمكن أن تكون هناك حقائق تتخطى الكلام، وقد تكون لهـذه الحقائق أهمية بالغة بالنسبة إلــى الإنسـان فــي صيغة المفرد، أي الإنسان من جهة كونه كائنا غير سياسي... لكن الناس بالجمع، أي الناس من زاوية كونهم يحيون في هذا العالم ويتحركون ويفعلون، لا يمكنهم أن يجربوا المعنى إلا لكونهم يستطيعون الحديث الدال إلى بعضهم ومناجاة أنفسهم".


Arendt, H. The Human Condition (Chicago, 1958), p. 4. Quoted from:
Robinson, B. (2003 ) “The Specialist on the Eichmann Precedent: Morality, Law, and Military Sovereignty”. in Critical Inquiry, 3 (Autumn), p.72

25‏/06‏/2006

الحداثة والأصالة

الحداثة والأصالة

ألقي هذا النص في فقرة "فسحة رأي" بالإذاعة الوطنية المغربية.

كانت المجتمعات السابقة على الحداثة تعيد إنتاج نظامها الاجتماعي استنادا إلى نمط أو روح جماعي في الحياة. فقد كان الفرد في هذه المجتمعات يُنشَّـأُ اجتماعيا، ليصبح ذا هوية شخصية متميزة تقترن بدور اجتماعي مخصوص، يكمل من جهته أدوارا اجتماعية أخرى، ليَنشَأَ عن ذلك كله نسق اجتماعي عام يتمتع بتجانس نسبي يسمح باستمرار الحياة واتصال وجودها. وكانت هذه الخلفية الاجتماعية توازي البنيات الميتافيزيقيةَ التي تحكم صيغ الفلسفة السياسية التقليدية. فهذا التنظيم الاجتماعي المنضود والتراتبي هو الذي مكن تلك الفلسفةَ من الحديث عن لائحة الفضائل والقيم والشيم الكلية والثابتة التي لا يأتي عليها التغيير. إنها حددت المبادئ التي تجعل العلاقات بين الأفراد علاقات أخلاقيةً في ذاتها من جهة، ووظيفية فيما يخص ضمانها للاستقرار الاجتماعي من جهة أخرى أيضا. لكن هذا التلاحم بين النظرية والممارسة تفكك وشرع في الانهيار عند ظهور الصور الحديثة للمجتمع وبروز البنيات الفكرية التي تطابق هذه الصور وتوازيها. فالإعلاء من شأن الحرية الفردية وإعمال العقل وانتشار التعليم والحث على قيم المواطنة والمشاركة في الحياة العامة... إلى غير ذلك من القيم الجديدة، كلها أمور أظهرت الحاجة إلى مناهج جديدة لتوليد النظام الاجتماعي وإعادة إنتاجه. وهذه المناهج لا يمكن العثور عليها أو اشتقاقها من تصانيف الفلسفة السياسية السابقة على الحداثة. ولعل هذا هو الذي يجعل بعض الناس يرون في مسلسل التحديث المتعثر الذي تعيشه بلداننا مسلسلا للانحطاط والتدهور؛ ويدافعون عن التمسك بأصالتنا وجذورنا. إنه لخوف مشروع، لكن البقاء عند مستوى الخوف والمناداة بالتمسك بالأصالة لا يحل أي مشكل. فمسلسل التحديث جار على قدم وساق لا يمكن لأحد أن يوقفه، الخوف كل الخوف هو أن لا يكون لنا عليه سلطان. ويجب أن لا ننسى أن المجتمعات الحديثة كلَّها عاشت في فترات تحديثها الأولى ما نعيشه نحن اليوم. لكن هذه المجتمعات أدركت، بعد طول معاناة وتأمل، أن أصالتَها وجذورَها لا توجد في الماضي الذي كف عن الوجود، بل في المستقبل المشرق الذي تستطيع أن تبنيَه، لقد أدركت أن جذورها أمامها لا خلفها. لن ننجح في الإقدام على الحداثة إلا إذا أجرينا هذا القلب في تصورنا لمفهومي الأصالة والجذور. وقد أصبح هذا القلب اليوم امتحانا للمواطنة أكثر منه إشكالا لعلم الاجتماع.


الإفراط في التاريخ

الإفراط في التاريخ

ألقي هذا النص ضمن فقرة "فسحة رأي" بالإذاعة الوطنية المغربية.

إننا نحيا وضعا فيه إفراط في التاريخ على العكس تماما مما ذهب إليه بعض الباحثين الأمريكان الذين قالوا بنهاية التاريخ. لا نقصد بالإفراط في التاريخ هنا ما يقع في العالم من أحداث تاريخية فقط، بل نقصد بذلك أنه في قلب هذه الأحداث التاريخية التي تحدث أصبحت القدرة الإنسانية على فعل التاريخ بدورها موضوعا تاريخيا. ومعنى هذا أن تاريخيتنا، أي قدرتنا على فعل التاريخ، أصبحت هي أيضا موضوع ممارسة. فنحن كما لا يخفى لا نصنع التاريخ ولا نملكه إلا لكوننا نملك لغة ونملك قدرة على الفعل. وهاتان الملكتان، أي ملكة الفعل وملكة اللغو، اللتان تمثلان شرطي التاريخ، أصبحتا المادة الخام التي ينهض عليها الاقتصاد المعولم. فالعامل في هذا الاقتصاد ينبغي أن يكون مرنا فيما يتصل بملكته على العمل، وينبغي أن يكون دربا على التواصل فيما يتصل بملكته على اللغو. فعوض الحديث عن نهاية التاريخ ينبغي أن نتحدث عن الإفراط في التاريخ. بالطبع، إننا لا نملك أخلاقا وسياسة ملائمتين لهذا الإفراط في التاريخ. وهذا هو ما يجعلنا في وضع نحس فيه كأننا وصلنا إلى نهاية التاريخ. هناك ارتياب شديد في الصور السياسية القائمة في العالم؛ كما أن هناك أزمةً خانقة يحياها مفهوم الدولة الوطنية. لم يلح في الأفق بديل بعد إلى حد الآن. فالإفراط في التاريخ الذي نحياه يتعارض مع عاداتنا وأخلاقنا ومقولاتنا المحافظةالتي درجنا على الاتكال عليها في الاجتماع وفي السياسة وفي التفكير.

28‏/10‏/2005

تقديــــــــم

تقديــــــــم

يسعى هذا الموقع إلى طرح قضايا فلسفية وفكرية عامة ومناقشتها من أجل تكوين رأي سديد عنها. لا يرمي الموقع إلى الوصول إلى أجوبة قطعية حول هذه القضايا، بل إنه لا يضع حتى الأجوبة هدفا للنقاش. فالأهم بالنسبة إليه هو وضع الأسئلة ومناقشتها بما أمكن من الدقة والوضوح، لمعرفة أبعادها ومراميها والوصول بشأنها إلى رأي متوازن قريب من السداد. فنحن لا نؤمن بإمكان التوصل إلى الحقائق المطلقة. ما نستطيع التوصل إليه هو الأراء. والآراء بطبعها تقبل المراجعة والتعديل، كما تقبل التخلي عنها واعتناق آراء أخرى غيرها. موقعنا إذن لا يتناول الحقائق، بل يناقش الآراء، آراء الفلاسفة والمفكرين والعلماء. لكن هذا ينبغي أن لا يدفعنا إلى الاستهانة بالآراء. فالآراء أنواع: منها ما يدخل في باب الكلام العام الذي لا ضابط له، ومنها ما يكون سديدا إلى هذا الحد أو ذاك. غايتنا في هذا الموقع هي أن نجعل الآراء المعروضة فيه سديدة ما أمكننا ذلك.