26‏/03‏/2012

المواطَنة ونظام الدول


"إذا كانت المواطنة أمرا يخص العلاقات التي تربط الأفراد بالدولة التي ينتمون إليها، أقصد العلاقات التي تنشأ في قلب الدولة المعنية، فإنها تعد أيضا إحدى العلامات التي تلجأ إليها الدول في سعيها إلى ضبط حركات البشر الذين يعبرون حدودها. من هذه الجهة تكون المواطنة مكونا رئيسا في نظام موسع لإدارة البشر؛ نظام يعمل في المقام الأول على تقسيم البشرية إلى أقسام فرعية، كل قسم منها يقع تحت دولة بعينها، ويعمل في المقام الثاني على أن تتكفل كل دولة بإدارة شؤونها الداخلية (بما في ذلك ضبط كيفيات الدخول إليها والخروج منها). إن النتيجة المزعجة التي تترتب على العنصر الأول المتصل بتقسيم البشرية إلى أقسام فرعية صغرى تحت إشراف الدول، هي أن كل دولة يُنتظر منها أن تتكفل بمواطنيها ولا تُعير كبير اهتمام لظروف أولئك الذين يبدو عليهم الانتماء إلى دول أخرى. لذلك، على الرغم من أن إعلان الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان يمكن أن يصف نفسه بأنه إعلان كوني من حيث مجال انطباقه، فإن المسؤولية عن إحقاق الحقوق التي تضمنها طيه أنيطت بالدولة التي ينتمي إليها الإنسان المعني؛ وهذا يرفع الكلفة عن الدول الأخرى ولا يترك لها إلا مسؤولية هامشية ومحدودة. أما العنصر الثاني المتصل بإدارة الدولة لشؤونها الداخلية، فيشير إلى أن الدول التي تفشل في الإيفاء بالتزاماتها مع المجموعة الدولية في هذا الشأن غالبا ما ينظر إليها على أنها تمثل خطرا على الدول الأخرى مما يسوغ تحولها إلى موضوع شرعي للتدخل الخارجي.."



Hindess, Barry (2002) “Neo-liberal Citizenship” in Citizenship Studies, Vol. 6, No. 2. pp 127-143, p 130.

25‏/03‏/2012

عن النسق ومحيطه

ن. لوهمان (1927-1998)


يستعير عالم الاجتماع الألماني لوهمان (Niklas Luhmann) مفهوم الإنشاء الذاتي (auto-poiesis) من أعمال فاريلا (1970) وماتورانا وفاريلا (1980). هذان الأخيران يذهبان إلى أن الأنساق تتفاعل مع بعضها البعض ولا تتفاعل مع محيطاتها كما ظن كثير من الباحثين. في الصيغة التي طورها لوهمان عن مفهوم الإنشاء الذاتي، نجد أن الأنساق لا تتفاعل مع بعضها البعض ولا مع العالم الخارجي في ذاته؛ بل تتفاعل معرفيا مع التأويلات التي تُكوِّنها عن العالم الخارجي. تأويلات الأنساق عن العالم الخارجي لا تُبنى إلا أثناء الزمن. لذلكم تَنبنى الأنساق وتُشيِّد نفسها انطلاقا من تاريخيتها، أي أن الاختيارات السابقة والنتائج التي تترتب على هذه الاختيارات لاحقا تتفاعل مع بعضها البعض لتُشيد هوية هذه الأنساق. والنتيجة التي ينتهي إليها لوهمان هي أن الأنساق ليست أكثر انغلاقا أو أقل انفتاحا على محيطاتها، كما ذهبت إلى ذلك نظرية الأنساق التقليدية، بل الأنساق في نظره منغلقة ومنفتحة في الآن نفسه. إنها تكون منغلقة بسبب عملها الخاص الذي يستدعي تفاعل أجزائها مع بعضها البعض، وتكون منفتحة بسبب تلاؤمها مع العالم الخارجي. ففي مسلسل التواصل على سبيل المثال، لا ننظر إلى الشخص المستقبِل أو المرسَل إليه على أنه يستقبل قطعا أو سلاسل من المعلومات؛ بل التواصل يحصل عندما يتفاعل هذا الشخص مع إطاره المعرفي الخاص وهو يُعير باله ويصغي لما نطق به الشخص الآخر المرسِل..

21‏/03‏/2012

العدالة والقانون والتفكيك


العدالة والقانون والتفكيك


جاك ديريدا

في مقال ديريدا "قوة القانون" نعثر على تمييز دقيق بين القانون والعدالة، وهو تمييز يتطابق مع الاختلاف القائم بين صورتين للمفهوم: صورة مشروطة وصورة غير مشروطة. فالقانون، الذي يكون بطبعه خاضعا للشروط التاريخية ويكون لهذا السبب ذاته مفتوحا على التعديل والمراجعة والتغيير، يكون متعارضا مع العدالة؛ لأن العدالة تمثل الأساس الذي باسمه يعدل القانون ويراجع، أي أن العدالة تبقى لهذا السبب شأنا غير مشروط وغير قابل للتفكيك من الناحية الجوهرية. العدالة إذا نحن تأملنا الأمر مليا تتجلى في التطبيقات الخاصة للقانون، وتتجلى بكيفية مفارقة أيضا في التعديلات والتغييرات التي تلحقه. لكن تجربة العدالة من حيث إنها كذلك، أي في جوهرها، لا تتجلى لا في التطبيقات الخاصة ولا في التعديلات. العدالة من حيث إنها كذلك، على افتراض وجودها، تظل موضوعا مستحيلا على التجلي والمثول في التجربة. لهذا السبب عندما يتجه التفكيك إلى العدالة لا يتجه إليها إلا من جهة كونها تجربة غير قابلة لكي تكون تجربة، أو لا يتجه إليها إلا من حيث إنها تجربة المستحيل. غير أن المستحيل في هذا السياق لا يكون سلبيا كما يمكن أن نتصور، بل يكون هو ذاته المنبعَ الذي يأتي منه كل ممكن...

Derrida, J "Force of Law: 'The Mystical Foundation of Authority' ", in Deconstruction and the Possibility of Justice, edited by Drucilla Cornell and Michael Rosenfeld, (New York: Routlege, 1992).

09‏/03‏/2012

سمير أمين: الولايات المتحدة والإسلاميون





يرى سمير أمين (2011: 18) أن الإخوان المسلميين ليسوا "معتدلين" إلا بمعنى مزدوج: لأنهم أولا يرفضون تقديم أي نوع من البرنامج الاقتصادي والاجتماعي، وهذا يعني أنهم يقبلون طوعا ودون أدنى مساءلة السياسات النيوليبرالية، ولأنهم ثانيا يقبلون عمليا المراقبة التي تفرضها الولايات المتحدة على المنطقة وعلى العالم. إنهم يمثلون من هذه الناحية حلفاء مفيدين للولايات المتحدة (وهل لهذه الأخيرة حليف آخر أقوى من السعودية راعيةِ الإسلاميين؟) يكشفون عن "مؤهلات وأوراق اعتماد ديمقراطية".

غير أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تصرح بأن هدفها الاستراتيجي هو إقامة أنظمة "إسلامية" في المنطقة. إنها على العكس من ذلك تماما مدفوعة كرها إلى الادعاء بأنها "متخوفة مما يجري". وهذا الادعاء هو الذي من شأنه أن يُبقي على شرعية "حربها المتواصلة على الإرهاب" التي لا تروم الولايات المتحدة من ورائها في واقع الأمر إلا فرضَ هيمنتها وإحكام سيطرتها على الكوكب كله حتى تضمن للثلاثي أمريكا-أوروبا-اليابان الولوج الحصري إلى موارده. الفائدة الأخرى التي تجنيها الولايات المتحدة من هذا الموقف المنافق هي أنها تستطيع أن تعبئ وتذكي المظاهر المعادية للإسلام في الرأي العام الغربي.


Amin Samir “An Arab Springtime?”. Monthly Review An Independent Socialist Magazine, Oct 2011, Vol. 63 Issue 5, pp.8-28, p.18

08‏/03‏/2012

هيستيريا جماعية





حين عرض الأخوان لوميير (أوغيست، ولوي) شريطهما السينمائي وصول القطار إلى المحطة (محطة سيوطا) سنة 1895، كانت ردات فعل الجمهور (ثلاثة وثلاثون فردا) الذي حضر العرض مؤشرا دالا على القوة التي يتميز بها المرئي. ذُهل المتفرجون واستبد بهم الخوف حين شاهدوا الصور تتحرك مسرعة.. ارتعدوا وأمسك بعضهم ببعض خوفا من أن يندفع القطار من قلب الشاشة نحوهم ويدوسهم... كان من المستحيل عليهم أن يقتنعوا بأن القطار غير موجود. لقد شكلت هذه اللحظة في التاريخ الثقافي نقطة التحول الرئيسة في القدرات الإدراكية لجماهير الثقافة الشعبية. كانت هذه اللحظة إيذانا بدخولنا عصرا نستطيع فيه أن نحدث هيستيريا جماعية مقصودة عن طريق تقنيات التواصل.