08‏/03‏/2013

المثقف والسلطة



"..ما اكتشفه المثقفون في [المرحلة] الأخيرة هو أن جماهير الناس لا يحتاجون إليهم لكي يعرفوا. إنهم يعرفون جيدا وبكيفية واضحة أكثر منهم بكثير. ويقولون ذلك بصراحة لا لَف فيها. بيد أن هناك نسقا سلطويا يَحُول ويَمنع ويُسفه هذا الخطاب وهذه المعرفة. وهذا النسق السلطوي لا يوجد في مؤسسات الرقابة العليا فحسب، بل يضرب بجذوره بعيدا، وبكيفية ناعمة، في شبكة المجتمع بأسرها. المثقفون أنفسهم يُمثلون جزءا من هذا النسق السلطوي. والفكرة التي تقضي بأنهم أصحابُ 'ضمير' ومُبدعو خطاب هي نفسها فكرة لا تنفصل عن هذا النسق. دور المثقف لا يتحدد بالتموقع 'قليلا في المقدمة أو على الهامش' للتمكن من قول الحقيقة التي لا تنكشف للكل، بل يتحدد بالصراع ضد صور السلطة التي يكون فيها هذا المثقف نفسه الموضوع والأداة في الآن ذاته: سواء أكان ذلك في 'المعرفة' أم في 'الحقيقة' أم في 'الضمير' أم في 'الخطاب' ".



Michel Foucault « Les Intellectuels et le pouvoir : entretien Michel Foucault & Gille Deleuze » in Gilles Deleuze (Collectif Essai). Michel Foucault, Catherine Clément, Pierre Klossowski, Jean-Noël Vuarnet. Paris : Editions inculte. 2005, p. 27- 28.

28‏/02‏/2013

ديريدا وسردية الخلاص والتحرر الكبرى




يقول ديريدا:


"أعتقد... أننا لا نستطيع أن نتصور وجود قرار أخلاقي-سياسي أو خطوة في هذا الاتجاه من دون أن يقتضي هذا الأمر وجودَ ما أسميه 'نَعَم' التي تفيد القبول بالتحرر، أو بخطاب التحرر؛ بل أستطيع القول وجود 'نعم' التي تُفيد القَبول بنوع من النزعة الخَلاصية. ومن المُجدي أن أشرح هنا قليلا ما أعنيه بالنزعة الخلاصية.


جاك ديريدا

لا يتصل الأمر هنا بالنزعة الخَلاصية التي يمكن للمرء منا أن يُترجمها بسهولة إلى حدود يهودية مسيحية أو إسلامية، بل يتصل الأمر على الأرجح بِبِنية خَلاصية تنتمي إلى صميم كل لغة. فليس هناك لغة تفتقر أو تخلو من البعد الإنجازي للوعد. في اللحظة التي أفتح فيها فمي لكي أتكلمَ أكون في قَلْب الوعد. حتى لو قلت 'إنني لا أومن بالحقيقة' أو شيئا من هذا القبيل، فإنني بمجرد ما أفتح فمي لأقول ذلك، تشرع القضية: 'صَدِّقوني' في الاشتغال. حتى عندما أكذب، وربما عندما أكذب على وجه التحديد، تكون 'صدقوني' حاضرةً حضورا طَي ما أقول وفي ثناياه. وهذه الـ 'أعدكم بأنني أقول الحقيقة' تُعد قَبْليةً خَلاصية، أي وعدا يكون، حتى لو لم أَفِ به، أو حتى لو أن المرء يعرف أنه وعد لا يمكن الوفاء به، موجودا ويكون من حيث إنه وعد أمرا خَلاصيا. من هذه الزاوية لا أرى كيف يستطيع المرء مِنَّا أن يضع سؤال الأخلاق إذا تنكر لدواعي التحرر والخلاص. التحرر هو مرة أخرى مسألة واسعة ومتشعبة اليوم، ويتعين علي أن أقول هنا إنني لا أطيق أولئك – تفكيكيين كانوا أم غير تفكيكيين- الذين يستهزؤون أو يتهكمون على الخطاب الكبير والشامل المتصل بالتحرر. هذا الموقف كان دائما يُوَترني ويُغضبني. لا أريد أن أتنكر أو أضرب صفحا عن هذا الخطاب".

Derrida, J. “Remarks on Deconstruction and Pragmatism” in Deconstruction and Pragmatism: Simon Critchley, Jacques Derrida, Ernesto Laclau and Richard Rorty. Edited by Chantal Mouffe. London: Routledge, 1996, p. 84-85.


22‏/02‏/2013

كواين والسلوكية


يقول كواين (1990: 37-38):

"يمكن للمرء في علم النفس أن يكون سلوكيا ويمكن أن لا يكون؛ لكنه لا يملك بديلا آخر عن أن يكون سلوكيا في اللسانيات. فكل واحد منا تعلم لغته عن طريق ملاحظة السلوك اللغوي للناس الآخرين من حوله، وخضع حين تعثر أو مال عن جهة الاستقامة لمراقبة هؤلاء الناس الذين صححوا سلوكه الكلامي ورسخوه لديه. فتعلُّمنا يتوقف توقفا تاما على السلوك الصريح في أوضاع مكشوفة بادية للعيان".


كواين


Quine, W.V.O. (1990). Pursuit of Truth, (Revised  Edition 1992). Cambridge, Mass: Harvard University Press, p. 37-38.

18‏/02‏/2013

القصدية من ابن سينا إلى برينطانو




"لا تعني القصدية (Intentionality) القصد أو النية؛ بل تشير إلى ظاهرة عامة ترادف 'المعنى' أو 'الدلالة' عموما. والنقاش المعاصر الدائر حول القصدية يعود في أصله إلى فقرة شهيرة وردت في ثنايا الفصل المعنون بـ"الفرق (أو التمييز) بين الظواهر الذهنية والظواهر الفيزيائية (ص: 59- 77)" من كتاب فرانز برينطانو (1838ـ 1917) علم النفس منظورا إليه من الزاوية التجريبية. يقول برينطانو ( 1874: 68) في هذه الفقرة : "إن ما يميز الظاهرة النفسية مما عداها يتلخص في ما سماه علماء العصر الوسيط بالوجود القصدي الباطني (intentional inexistence) [السابقة 'in' لا تعني النفي هنا بل التضمن]، أو الذهني؛ وهو ما يمكن أن نشرحه نحن هنا… بالعلاقة بمحتوى معين أو بالاتجاه نحو موضوع معين (من دون أن نفهم من الموضوع واقعا موجودا) أو نحو موضوعية ماثلة. فكل الظواهر الذهنية تتضمن طيها موضوعا معينا، على الرغم من أن ذلك لا يكون دائما بالطريقة نفسها. ففي العرض يكون الشيء معروضا، وفي الحكم يكون الشيء مثبتا أو منفيا، وفي الحب يكون الشيء محبوبا، وفي الكراهة مكروها، وفي الرغبة مرغوبا فيه [أو عنه]. ويعد هذا الوجود القصدي سمة مميزة مقصورة على الظواهر الذهنية. فليس هناك ظاهرة فيزيائية تكشف عن شيء شبيه بهذا". هذا المعنى الذي أسنده برينطانو إلى القصدية (برينطانو في الحقيقة لم يستعمل 'القصدية' في صيغة الاسم، بل استعملها في صيغة الوصف. لم تُستعمل الكلمة في صيغة الاسم إلا لاحقا مع هوسيرل (انظر في هذا الشأن كتاب باتنم 'التمثيل والواقع' (1988: الهامش 1 على الفصل الأول، ص 127 )) هو معنى مستوحى من مفكري القرون الوسطى. ويذهب أغلب الباحثين إلى أن لهذا الأمر صلة بترجمة كتب ابن سينا إلى اللاتينية، حيث استقر رأي المترجمين على ترجمة كلمة 'معنى' العربية باللفظ 'intentio' اللاتيني (انظر ابن سينا الشفاء. المنطق (المدخل). تحقيق الأب قنواتي، محمود الخضيري، فؤاد الأهواني. مراجعة د. براهيم مدكور، تصدير د. طه حسين باشا. نشر وزارة المعارف العمومية. القاهرة 1952: 144، وانظر ضمنه أيضا الهامش 1: 125). لهذا السبب ألح برينطانو على أن استعماله للقصدية شديدُ الصلة بالاستعمال الذي كان شائعا في القرون الوسطى، لكي ينبه القارئ إلى تجنب الخلط بين هذا الاستعمال الذي يستفاد منه الدلالة على المعنى بصفة عامة والاستعمال المتداول للقصد الذي يراد به النية. القصدية عند برينطانو ظاهرة عامة تميز الحالات الذهنية من الحالات المادية أو الفيزيائية. بهذا المعنى تكون حالات الاعتقاد والرغبة والتمني والخشية والقصد (النية) والإدراك.. كلها حالات قصدية في اصطلاحه. الباحثون المعاصرون يرادفونها أحيانا بالدوران (aboutness)، لأن هذه الحالات تدور على موضوعات أو قضايا موجودة أو مقدرة في العالم، وهذا الدوران هو ما يميز هذه الحالات من الحالات المادية التي لا تدور على شيء آخر".

*الهامش (4) من مقالي ('فتجنشتاين ومؤولوه' سيصدر قريبا في كتاب جماعي ببرلين). 

26‏/11‏/2012

عن ما بعد الماركسية

صورة غلاف كتاب لاكلو وموفي


"إن لاكلو وموفي في كتابهما 'السيطرة والاستراتيجية الاشتراكية' لم يعملا في نظر كثير من الماركسيين إلا على إعادة صوغ التعددية الليبرالية في كلمات منمقة واصطلاحات جذابة استقياها من قاموس ما بعد الحداثة المزخرف. إنهما مالا في أطروحاتهما ميلا إلى النزعتين النسبية والمثالية. فهما، حسب هؤلاء، إما يعاديان الماركسية عن سبق إصرار، وإما يخلطان خلطا فاضحا بين الأمور.. ! لقد أعرضا عن الواقع المادي الصُّلب وتخليا عنه واستسلما بكيفية مثالية وإشكالية لمُغريات اللغة وأفاعيل الخطاب. وعلى الرغم من أن الباحثين الليبراليين والناشطين غير الماركسيين أشادوا بالكتاب وبأهميته فيما يتصل برصد الحركات الاجتماعية الجديدة، وتحليل سياسات الهوية والتعدد الثقافي، فإن هناك إجماعا بينهم وبين الماركسيين على أن الطريق الذي يمضي من الماركسية إلى ما بعد الماركسية هو الطريق الذي يمضي من الاقتصاد إلى الخطاب، أو من الواقع (المُتصوَّر من خارج اللغة) إلى اللغة".

من مقالي 'ما بعد الماركسية' (شارفت على إنهائه) الذي سيصدر في كتاب جماعي بلبنان بإشراف الصديق الدكتور علي عبود المحمداوي.