16‏/06‏/2013

فودور والتطوريون



فودور ينتقد التطوريين، وينتقد نفسه بمعنى المعاني أيضا:

"وباختصار، إذا كان رأسي مرتعا تعيش فيه مجموعة من الحواسيب، فسيكون من الأحسن أن يوجد معها أحد يكون مسؤولا عنها. ومن نعم الله علي أنه قيض لي أن أكون ذلك المسؤول"*.

 
جري فودور

تعليق:

التطوريون (بينكر، ودينيت) لم ينسبوا إلى الذهن لغة، بل على العكس أنكروا وجودها (انظر بينكر 1994، ودينيت 1986)، واكتفوا بالقول إن اللغة الطبيعية هي نفسها لغة الفكر أو الذهن، ولا داعي في نظرهم إلى تكثير الكيانات ومضاعفة المستويات. ورفضهم القول بوجود لغة للفكر مباينة للغة الطبيعية يتماشى مع تفكيكهم للأنا في قلب الذهن. بالنسبة إلى فودور الذي يلح على وجود لغة للفكر، مباينة للغة الطبيعية، يرى أن رموز هذه اللغة لا تدل إلا إذا قدرنا 'أنا' تكون هذه الرموز دالة بالنسبة إليه. لهذا السبب يجد نفسه مورطا في ما اسماه دينيت بمغالطة المسرح الديكارتي، أي أن الأمور يقع بناؤها في قلب الذهن في نطاق لغة الفكر، يفكرها هذا الأنا ثم يترجمها إلى اللغة الطبيعية العمومية التي نتكلم بها. نحن هنا أمام برنامجين في البحث أحدهما تطوري يعتمد الانتقاء الطبيعي ويعطي العملياتِ الآليةَ العمياء دورا تفسيريا (لذلك اعتمد دينيت على تفتيت الأقزام إلى الحد الذي تصير فيه مجرد آليات مثل on/off لا تتطلب أي ذكاء يذكر، درءا وهروبا من الوقوع في المغالطة القزمية homunculus fallacy)، والثاني ديكارتي ينظر إلى الذهن من جهة كونه مجهزا تجهيزا فطريا بكل ما يمكنه من اكتساب المعارف وبنائها. أحيانا يبدو النقاش بين المدافعين عن البرنامجين كأنه جدل؛ لكن الأمر ليس كذلك. التطوريون بدورهم يُلْفون أنفسهم مضطرين إلى تقدير 'أنا' أو 'ذات' أيضا. دينيت (1986، 1991) مثلا يتحدث عن ضرورة تقدير هذا الأنا، ويتعين علينا في رأيه أن ننظر إلى هذا الأنا كما ينظر الجغرافيون إلى خطوط الطول والعرض، أو الفيزيائيون إلى مركز الثقل بالنسبة إلى الأجسام الفيزيائية. لذلك نجده يتحدث عن هذا الأنا تحت اسم: مركز الثقل السردي (Center of narrative gravity). نحن في البرنامجين الديكارتي والدارويني (التطوري) أمام خيارين إما أن نقدر الأنا في قلب الذهن ونقف موقفا باطنيا (Internalist) كما يفعل فودور، وإما أن نحل المشكل الباطني بالآليات العمياء (بعد تفتيت الأقزام) ولا نلجأ إلى الأنا إلا لاحقا فنتحدث عنه باسم آخر هو 'مركز الثقل السردي'، كما يفعل دينيت على الخصوص، فيكون موقفنا موقفا خارجيا (Externalist)..
 
*- Fodor, Jerry, 1998, "Review of Steven Pinker's How the Mind Works, and Henry Plotkin's Evolution in Mind," London Review of Books, Jan 22, 1998, reprinted in Fodor, In Critical Condition, 1998, Bradford Book/MIT Press, p. 207.

08‏/06‏/2013

على هامش الفرجة والمجال العام




نص كتبته على هامش ندوة 'الفرجة والمجال العام'.

كان كل شيء في الندوة مرتبا بعناية في ذهن زميلي الدكتور خالد أمين حين شرع في تقديم إريكا فيشر-ليشته، الباحثة المقتدرة وأستاذة الدراسات المسرحية بجامعة برلين الحرة، التي ألقت العرض الافتتاحي الذي رسم للندوة إطارها العام. لم يبالغ خالد أمين حين أثنى على الأهمية التي تحظى بها أعمال إريكا وزملائها وزميلاتها في مجال الفرجة (performance). كان عرض إريكا تلخيصا مكثفا وتحيينا لكتابها البرنامجي الهام الفرجة قوةُ تغيير: أبحاث في جماليات جديدة (الصادر بلندن ونيويورك، ضمن منشورات روتليدج، 2008). فقد ألحت فيه على أن الفرجة تكثف حالات البينية (in-betweenness)، لكونها تنبثق عفوا من الوجود الجسماني/ النفسي المتزامن للذين يعرضون وللذين يشاهدون ويشاركون من دون تخطيط سابق أو توجيه مُعَد. العارضون والمشاهدون في الفرجة هم روادها وأبطالها ومخرجوها وتقنيوها. لكن بَيْنية الفرجة أو توسطها يجعلها طاقة مستقلة بذاتها عنهم كلهم، تحركهم بتلقائيتها وتوجههم من دون أن تضع على حريتهم قيودا تحول بينهم وبين الخلق والابتكار. قواعد إخراج الفرجة يعاد اكتشافها أو صوغها على الأصح من جديد في كل حركة ومع كل إنجاز.
ما ميز عرض إريكا هو أنها أعطت بَينية الفرجة بعدا كونيا. إنها أدرجت الفرجة في إطار بينية تتخطى بينية الثقافة الواحدة، والدين والواحد، والعرق الواحد...الخ. إنها أعادت تأويل المثاقفة وحوار الثقافات والحضارات استنادا إلى حدود فرجوية مبتكرة تتخطى الحدود التي تمليها العولمة المهووسة بالهيمنة على الشعوب والبحث عن الربح. إن من شأن الفرجة التي يمكن أن تتناسج وتتحابك بين الثقافات والأعراق والأديان في تصور إريكا أن تقودنا إلى بينية جديدة غير متوقعة وإلى مشترك أغنى وأمتع وأنفع من كل مشترك.



كان بال إريكا وهي تتحدث عن الفرجة بهذه اللغة منصرفا إلى المفهوم الآخر الذي تدور عليه الندوة: إنه الفضاء العمومي. هذا الأخير بدوره فضاء بَيني بامتياز. فيه تتشكل الإرادة العامة وتُبنى. الإرادة العامة لا توجد سلفا كما توهم روسو. إنها، كالفرجة تماما، شأن إنجازي (
performative)، يُبنى بناء بالاشتراك والتداعي والإسهام. نبني الإرادة العامة عندما يتراءى بَعضُنا لبعض، ويخاطب الواحد منا الآخر ويجادله في مواقفه ورؤاه. ليس هناك قيود مفروضة على ولوج الفضاء العمومي. إنه مفتوح في وجه الكل ويتسع لمساهمات الجميع. يمكن للفضاء العمومي أن يتسع فيتخطى حدود الدولة الوطنية ليصبح فضاء عموميا كونيا يستوعب الفرجات العابرة للحدود والمتخطية للتخوم.
إريكا تقدر الاختلافات والفروق القائمة بين الثقافات، لكنها تلح على أن أعمال الفرجة تستطيع بحكم طابعها البيني أن تستثمر على نحو إيجابي هذه الاختلافات والفروق للبرهنة على أن التعايش والتناسج ممكنان. وهنا لا تعود الفرجة أمرا جماليا فقط، بل تغدو شأنا سياسيا يكتسي أبعادا كوسموبوليتية أيضا. تلقائية الفرجة وعَرَضيتها (
contingency) تحولان دون إخضاعها للمسبقات الإيديولوجية ولنوازع الهيمنة.
لم يُخْفِ الدكتور خالد أمين ابتهاجه وهو يختتم الندوة بابتسامة حذرة لم تفارق محياه. لقد حققت الندوة مبتغاها. كانت هي ذاتها فرجة إنجازية بالأبحاث الرصينة التي ألقيت فيها، وبالنقاشات العميقة التي أثارتها، وبالتكريم المُستحَق الذي تخللها (تكريم الفنانة القديرة ثريا جبران). لقد نسجت الندوة علاقات، ورسمت معالم طريق، وبلورت مشاريع أبحاث سيواصل الدكتور خالد أمين الإشراف عليها وتوجيهها بمعية شركائه المغاربة والأجانب...

13‏/05‏/2013

موسوعة الأبحاث الفلسفية


ساهمت في هذه الموسوعة التي صدر الجزء الأول منها أخيرا (824 صفحة)، عن منشورات ضفاف ودار الأمان والاختلاف، بمقالين: الأول عن كارل شميت والليبرالية، والثاني عن سلافوي جيجيك..

المثالية الألمانية والفلسفة التحليلية








جمعت هذه الصورة بين كانط وهيجل وحشرت بينهما الفيلسوف المعاصر جون ماكدويل (John Henry McDowell). ومن بين المعاني التي توخاها صاحب الصورة من الجمع اللاتاريخي بين هؤلاء الإشارة إلى الأهمية التي أصبحت تكتسيها المثالية الألمانية بالنسبة إلى الفلسفة التحليلية (الأنجلو أمريكية) !!! قبل هذا الوقت كان الدارسون الشغوفون بالمثالية الألمانية يقصدون الألمان والفرنسيين؛ الصورة تريد أن تقول إن الفصل في هذا الموضوع أصبح موجودا لدى مدرسة بيتسبورغ في الولايات المتحدة (Pittsburgh neo-Hegelianism)، أي لدى جون ماكدويل وروبير براندوم (R. Brandom)...الخ. سلافوي جيجيك على سبيل المثال في قراءته لهيجل يعول كثيرا على أقطاب هذه المدرسة، لذلك يبدو في نظر الفرنسيين والألمان كأنه يهذي أو مسه جنون.. !