28‏/04‏/2014

راسل عن فتجنشتاين



... كان غريبا، أفكاره كانت تبدو لي شاذة.. لا أستطيع أن أقطع هل كان عبقريا أم مجرد شخص غريب الأطوار.. لقد جاء إلي في كامبريدج عند التحاقه بها وقال لي: 'من فضلك هل بإمكانك أن تقول لي.. هل أنا أبله معتوه أم لا؟ لأنني إذا كنت معتوها سأعمل على أن أصبح ملاح جو (Aeronaut) وإذا لم أكن كذلك فسأعمل لأصير فيلسوفا'... أجريت له اختبارا في موضوع فلسفي... وبعد قراءتي جملة واحدة من جوابه قلت له مباشرة: ينبغي ألا تصبح ملاح جو. فكان ما قلت.


27‏/04‏/2014

عن قالبية الذهن



يقول توبي وكوسميديس (1995: XIII-XIV):


"... تشبه هندستنا العرفانية كونفيدرالية تضم مئات أو آلافا من الحواسيب المُميَّزة من الناحية الوظيفية (غالبا ما تسمى قوالب) صُممت بعناية لكي تحل مشاكل التكيف التي واجهها أجدادنا في حياة الجني والصيد. كل آلة من هذه الآلات تملك جدول أعمال خاصا بها وتفرض نظامها الغريب على شذرات العالم المختلفة. فهناك أنساق متخصصة لاستقراء النحو، ولتعرف الوجوه، ولإجراء الحساب، ولفهم الأشياء، ولاستطلاع الأحوال العاطفية من تفحص الوجوه. وهناك آليات لمعرفة الحي من الجامد، وأخرى للرصد، وأخرى للمراوغة والخداع... وعدد كبير من الآلات الأنيقة الأخرى".

Tooby, J., and Cosmides, L., 1995, Forward to Simon Baren-Cohen, Mind Blindness: an essay on autism and theory of mind (Cambridge, MA: MIT Press), pp. xi-xviii.

26‏/04‏/2014

هيجل وهولدرلين



لا يمكن للمرء أن يغض الطرف عن خلاف هولدرلين الشهير مع هيجل. فحين قرر هولدرلين التوقف عن السير على نهج فيشته وشيلينغ وهيجل في فهم العالم، عقد العزم وجمع الخواطر على أن يتابع نهج الشعر. هيجل كان قد حسم أمره في مسألة الشعر والفن عموما لمّا حكم على الفن بفروعه المختلفة وعده جزءا من الماضي، وآمن بأن الحقيقة لا يمكن أن تنكشف ويُمسَك بها ويُعبَّر عنها إلا من طريق الصيغ التصورية التي تسمح بها الفلسفة. هيجل كان يرى أن معاصريه الرومانسيين (بمن فيهم هولدرلين، ونوفاليس أيضا) واقعون في شَرَك الحنين إلى صيغ في مقاربة الحقيقة جاوزتها الفلسفة ونسختها نسخا. ميزة هولدرلين قائمة في أنه دافع عن موقفه باستعمال الصيغتين الفلسفية والشعرية (لتمكنه منهما معا) وحاول أن يبين أن الواقع ينكشف للشعر ولا يتناغم مع الصيغ التصورية التي يدافع عنها هيجل. (طبعا سيستثمر هايدغر مجهود هولدرلين لاحقا وسيبني عليه..) من الجهة السياسية سيعلق ميرلو- بونتي في سياق آخر لاحقا على هذه العلاقة المتوترة التي جمعت هيجل بهولدرلين قائلا: "إن تسوية هيجل كان لها مستقبل في الفكر السياسي أكثر من جذرية هولدرلين".


Maurice Merleau-Ponty. Humanisme et terreur : Essais sur le problème communiste. Paris. Gallimard 1947, p. 79.

هيجل

مفهوم السياسة عند رانسيير



"إن معظم الأمور التي اعتدنا على إدراجها في مجال السياسة، يضعها رانسيير (J. Rancière) في مجال آخر يختلف عن السياسة يسميه بــ 'التدبير'. لهذا السبب يميز رانسيير بين التدبير والسياسة. مجال التدبير يتضمن، في نظره، المؤسسات والعمليات التي تحكم تنظيم الجماعات وتمثيلَها، كما يتضمن صيغ ممارسة السلطة المختلفة، بما في ذلك الأنحاء التي تُوزَّع بها الأدوار الاجتماعية، والأنحاء التي يقع بمقتضاها تسويغ هذا التوزيع وإضفاء الشرعية عليه. اللفظ الفرنسي الذي يستعمله رانسيير للدلالة على 'التدبير' هو (Police). لم نترجم هذا اللفظ بـ 'شرطة' بل اقترحنا لفظ 'التدبير'؛ لأن الشرطة بمعناها المعروف ليست إلا مظهرا أو تجليا عارضا، كما يقول رانسيير، لما يقصده بالمفهوم [...] مجال التدبير يُعوِّل فيه رانسيير على أعمال فوكو. وهذا الأخير لا يقصد به الجهاز القمعي المعروف الذي تتوسل به الدول لفرض هيمنتها وتنفيذ سياساتها، بل يقصد به الجهاز الذي كشف عنه في أبحاثه حول كتابات القرنين السابع عشر والثامن عشر والذي يرادف تقريبا النظام الاجتماعي برمته. أما الأفراد الذين يلبسون البذلة ويحملون السلاح ويضعون على رؤوسهم القبعة ويجوبون الشوارع جيئة وذهابا فليسوا في الحقيقة إلا جزءا من جهاز أوسع هو النظام الاجتماعي بأكمله. أما السياسة (la Politique) فلا تبرز حسب رانسيير إلا لكي تنازع التدبير وتُبرز الحيف الذي ينهض عليه وتفتح بابا للتحقيق في دعوى المساواة التي يرفعها. بعبارة أخرى، إذا كان النظام التدبيري لا يكف عن الإدعاء بأن إجراءاته عادلة تصدر عن المساواة بين الأفراد، فإن السياسة تتدخل لكي تقول: إذا كان الناس متساوين فإن بإمكان الفرد الذي يحتل موقعا أن يحتل مبدئيا موقعا آخر مختلفا، ولتبين استنادا إلى هذا أن التراتبية التي يقيمها النظام التدبيري تحكميةٌ لا تستند إلى أي مبدأ. السياسة بعبارة أوضح تأتي لتُحرج النظام التدبيري بكشفها عن تناقضاته التي لا يستطيع احتواءها: ادعاؤه المساواة بين أفراد الجماعة واستناده في الآن ذاته إلى تراتبية تنظيمة تناقض المساواة المدعاة في الصميم. يوجد بعض التوازي بين هذه الثنائية وثنائية هابرماس: سلطة إدارية/ سلطة تواصلية. لكن على الرغم من هذا التوازي سنلاحظ أن رانسيير يرتب على ثنائيته (تدبير/سياسة) موقفا بالغ الجذرية".

*- الهامش (7) في مقالي عن هابرماس ورانسيير، قيد الطبع في صيغتين مختلفتين ضمن كتابين (الماركسية الغربية وما بعدها) إشراف د. علي عبود المحمداوي، و (الفرجة والمجال العمومي) إشراف د. خالد أمين.

 جاك رانسيير