15‏/05‏/2007

جاكندوف ضد تشومسكي

جاكندوف



جاكندوف ضد تشومسكي

Jackendoff, R (2003) “Précis of Foundations of Language:Brain, Meaning, Grammar, Evolution” BEHAVIORAL AND BRAIN SCIENCES . 26, 651–707.pp. 651-655.


هذه ترجمة انتقائية لقسم من مقال جاكندوف أعلاه، ينتقد فيه هذا الأخير مواقف تشومسكي بخصوص المكانة المبالغ فيها التي توليها لسانياته للتركيب. وهو مقال رئيس في مسار جاكندوف العلمي. فجاكندوف ظل لوقت طويل يدافع عن أطروحات تشومسكي. وفي هذا المقال يعلن رفضه الصريح لكثير من تلك الأطروحات، ويُحمل تشومسكي مسئولية التراجع الذي عرفته اللسانيات اليوم إذا ما قورنت بالعلوم المعرفية (أو العرفانية) الأخرى. (والمقال موجه في هذه المدونة أساسا إلى طلبتي).

*****

يتحدث جاكندوف مسترجعا ذكرياته في الستينات حين كان طالبا جامعيا عن المكانة التي كان يحتلها النحو التوليدي في النقاش عند ظهوره، فيقول:

في الستينات حينما صرت طالبا جامعيا أَدْرُس اللسانيات، كان النحو التوليدي يمثل حينئذ الموضوع الجديد الساخن. فالناس، من الفلاسفة إلى علماء النفس إلى الأنثروبلوجيين إلى علماء التربية إلى منظري الأدب، كانوا جلهم يقرأون عن النحو التحويلي ويتابعون ما يجري فيه من نقاش. لكن مع نهاية السبعينات بدأ الاهتمام بهذا النحو يخف ويضعف، على الرغم من أن اللغويين في عمومهم لم يدركوا ذلك. وفي التسعينات أصبحت اللسانيات عمليا على الهامش، بعيدة عن النشاط الذي يقع في العلم العرفاني. إن هذا الخفوت لا يعدو في بعض جوانبه أن يكون راجعا إلى تغير في موضة العصر، وإلى ظهور مناهج جديدة كالنزعة الاقترانية وطرائق تصوير الدماغ. غير أن هناك أسبابا أخرى أعمق من هذه وراء فقدان اللسانيات مكانتها. بعض هذه الأسباب تاريخي، وبعضها الآخر علمي. والأسئلة الرئيسة التي أود مناقشتها هنا هي الآتية:

* ما الذي كان صحيحا في النحو التوليدي إبان الستينات، بحيث كان يجعل من هذا النحو نحوا واعدا؟

* ما الذي كان خاطئا فيه، بحيث حال بينه وبين تحقيق وعوده؟

* كيف بإمكاننا أن نُثَبِّتَه ثانية، ونبرز قيمته من جديد بالنسبة إلى العلوم العرفانية الأخرى؟

إن الهدف هنا هو أن نحدث تكاملا بين اللسانيات والعلوم العرفانية الأخرى، لا أن نضرب صفحا عن النتائج التي توصلت إليها هذه العلوم ونتنكر لها. فلكي نفهم اللغة ونسبر أغوار الدماغ نحتاج إلى كل الأدوات الممكنة. لكن على كل علم أن يأتي بما يستطيع لكي تكتمل الصورة وتستوي.

إن الموقف الذي عرضته في كتابي أسس اللغة Foundations of Language (جاكندوف 2002) يقضي بأن برنامج النحو التوليدي كان في عمومه صحيحا، كما أن الطريقة التي رُبط بها هذا البرنامج بعلم النفس وبالبيولوجيا كانت صحيحة أيضا. غير أن هناك خطأ تقنيا رئيسا يقع في قلب التنفيذ الصوري للبرنامج. ويتمثل هذا الخطأ في الدور المبالغ فيه الذي أسند إلى التركيب. فهذا الإعلاء من شأن التركيب في النحو هو الذي جعل النظرية النحوية عاجزة عن الاقتران على نحو كاف بالنظرية اللغوية وبالحقول الجارة على حد سواء. في أسس اللغة اقترحت بديلا، أسميته الهندسة المتوازية، يعرض فرصا قوية جدا لتحقيق الاندماج في المجال. ولكي نفهم بجلاء الدافع الذي حركني لاقتراح الهندسة المتوازية، لا بد من العودة إلى بعض الأمور التاريخية.

المحاور الثلاثة التي ينهض عليها النحو التوليدي

لقد حدد الفصل الأول من كتاب تشومسكي مظاهر نظرية التركيب برنامج كل ما جرى في النحو التوليدي منذ ذلك الحين. فالمشروع يرتكز إلى ثلاثة أعمدة نظرية هي: النزعة الذهنية، والتأليفية، والاكتساب.

النزعة الذهنية

الرؤية التي كانت شائعة بين اللغويين قبل المظاهر كانت تقول إن اللغة شيء يوجد إما وجودا مجردا في النصوص، وإما يوجد بمعنى من المعاني "في إطار أو حضن الجماعة" (التصور الأخير يعود إلى سوسير). وقد دافع تشومسكي عن رؤية تقضي بأن الموضوع الملائم للدراسة هو النسق اللغوي القائم في ذهن/دماغ المتكلم الفرد. وحسب هذا الموقف لا تكون للجماعة لغة مشتركة إلا لأن المتكلمين الذين ينتمون إليها يملكون النسق اللغوي نفسه ممثلا في أذهانهم/أدمغتهم.

الاصطلاح الذي طغى استعماله للدلالة على هذا النسق اللغوي هو "المعرفة"، وهو اصطلاح غير موفق ربما. بيد أننا إذا رجعنا إلى الخطاب النظري الذي كان سائدا في ذلكم الوقت، وجدنا أن البديل الذي كان يُعرَضُ في مقابل تصور تشومسكي كان يرى في اللغة استعدادا أو مهارة، بالمعنى الذي كان رايل (1949) قد طوره؛ وهو بديل يحمل في ثناياه شحنات من النزعة السلوكية ومن الموقف الذي يربط التعلم بالمنبه والاستجابة، وهو ما كان تشومسكي ينأى بنفسه عنه، ويحتاط احتياطا من الوقوع فيه لأسباب كلها معقولة وراجحة. وينبغي التشديد هاهنا على أننا بغض النظر عن الاصطلاح الذي يمكن أن نستعمله لتعيين هذا النسق اللغوي الذي يوجد في ذهن/دماغ المتكلم، فإنه يظل نسقا ضاربا في اللاشعور ومتمنعا عن البلوغ من طريق الاستبطان، مثله في ذلك مثل العمليات التي تعالج في دماغنا العلامات البصرية. فاللغة إذن خاصية تميز الذهن/الدماغ، يصعب ربطها أو وضعها تحت لفظ "المعرفة" الذي يستفاد من معناه في الاستعمال الشائع الوجود في متناول الاستبطان. في كتابي أسس اللغة عقدت تسوية مع التراث واستعملت بطريقة منهجية اصطلاح "معرفة ـ و" (f-knowledge)، أي معرفة وظيفية، لأسمي به كل ما يوجد في رؤوس المتكلمين مما يمكنهم من الكلام بلغتهم أو لغاتهم وفهمها.

.....

التأليفية

لقد بدأ تشومسكي منذ كتابه بنيات تركيبية (1957)، وهو كتابه الأول من حيث النشر، يلاحظ أن اللغة تحتوي عددا لا يحصى من الجمل. فإلى جانب لائحة الكلمات النهائية إذن، يتعين على التخصيص المضبوط للغة أن يتضمن مجموعة من القواعد (أي نحوا) تصف أو "تولد" جمل اللغة. وقد بين تشومسكي في بنيات تركيبية أن قواعد اللغة الطبيعية لا يمكن تخصيصها استنادا إلى عمليات ماركوف المبنية على الحالة المحدودة؛ كما بين أيضا أن هذه القواعد لا تقبل التخصيص باعتماد النحو المركبي غير المقيد بالسياق. وارتأى حلا يقضي بأن تكون الصورة الملائمة لقواعد اللغة الطبيعة مستندة إلى نحو مركبي غير مقيد بالسياق، مرفوق بقواعد تحويلية. إن الاتجاهات التي أفرزها النحو التوليدي لاحقا (كالنحو المركبي الرأسي لبولار وساغ، أو النحو المعجمي الوظيفي لبريزنان) لم تحافظ كلها على آلية القواعد التحويلية؛ لكنها تضمنت كلها آلية معينة صُممت أساسا لدرء النواقص اللصيقة بالأنحاء المستقلة عن السياق التي شرحها تشومسكي بتفصيل في بنيات تركيبية سنة 1957.

عندما ننقل مفهوم التأليفية إلى الإطار الذهني (من النزعة الذهنية) الذي وضعه تشومسكي سنة 1965 في كتابه مظاهر نظرية التركيب، تكون النتيجة كالآتي: يتعين على متكلمي اللغة أن يمتلكوا في رؤوسهم قواعد لغوية (أنحاء) تكون جزءا من معرفتهم الوظيفية (f-knowledge). وهنا أيضا أثير نقاش حول المقصود بلفظ "قواعد". قواعد النحو كما تُتصور في النحو التوليدي لا تشبه أي نوع من أنواع القواعد أو القوانين المتعارف عليها في الحياة العادية: كقواعد الآداب، أو قواعد الشطرنج، أو قوانين المرور، أو قوانين الفيزياء. قواعد النحو كما يتصورها تشومسكي تعد مبادئ لا شعورية تلعب دورا في إنتاج الجمل وفهمها. ودرءا للخلط أيضا، استعملتُ في كتابي أسس اللغة لفظ "القواعد ـ و" ( (f-rules للإشارة إلى المبادئ التأليفية القائمة في الرأس، بغض النظر عن ماهيتها. إن اللسانيات التوليدية تترك الباب مفتوحا فيما يخص الكيفية التي تعمل بها القواعد الوظيفية؛ إنها لا تقطع برأي في كيفية هذا العمل. لكن اللغويين لا يلتزمون الحيطة والحذر في هذا الشأن. والنظرية التي عرضتُها في الأسس تسمح لنا بأن نقول إن هذه القواعد تلعب دورا مباشرا في تلك العمليات.

إن من أهم الأسباب التي جعلت الناس يستقبلون النحو التوليدي استقبالا حسنا يرجع إلى أن هذا النحو ذهب أبعد من مجرد الادعاء بأن اللغة تحتاج إلى قواعد. إنه تخطى ذلك باقتراحه تقنياتٍ صوريةً دقيقة تمكن من تخصيص تلك القواعد، استنادا إلى مقاربات جرى تطويرها من قبل في أوائل القرن تناولت أسس الرياضيات والحوسبة.

....

الاكتساب

عندما نجمع بين النزعة الذهنية والتأليفية ضمن تصور واحد ننقاد إلى وضع السؤال الآتي: كيف يتوصل الأطفال إلى حيازة هذه القواعد الوظيفية في رؤوسهم؟ وإذا سلمنا بأن هذه القواعد الوظيفية لا شعورية، فإن الآباء والأقارب لا يستطيعون صوغها في الكلام. وحتى إذا سلمنا بإمكان ذلك، فإن الأطفال لن يفهموا عنهم؛ لأنهم لم يتوصلوا بعد إلى معرفة اللغة. أرقى ما يمكن للمحيط أن يقوم به بالنسبة إلى متعلم اللغة هو أن يعرض عليه أمثلة من اللغة مدرجة في سياق. وهذا ـ لعمري ـ كاف بالنسبة إلى متعلم اللغة لينطلق على رسله وحده في بناء المبادئ، بكيفية لا شعورية بالطبع.

لقد وضع تشومسكي (1965) السؤال الآتي: ما الذي ينبغي أن يعرفه الطفل سلفا لكي يقوم بهذه المهمة (يكتسب اللغة)؟ وقد عبر عن هذا المشكل بحدود "فقر المنبه": فهناك تعميمات مختلفة شتى تكون كلها متلائمة مع المعطيات التي يواجهها الطفل؛ لكن هذا الأخير يتوصل بطريقة من الطرق إلى التعميمات "الصحيحة"؛ أي إلى التعميمات التي تجعله في تناغم تام مع تعميمات المجموعة اللغوية التي ينتمي إليها. أحب دائما أن أضع هذا المشكل على النحو الآتي: إن جماعة اللغويين كلَّها التي تعمل على اللغة منذ عقود باستعمال كل أنواع المعطيات النفسية واللغوية المقارنة التي لا تكون في متناول الأطفال، لم تستطع إلى حد الآن أن تتوصل إلى التخصيص المضبوط لنحو لغة واحدة. وفي مقابل هذا نجد كل الأطفال يصلون إلى تخصيص أنحاء لغتهم في سن العاشرة تقريبا. الأطفال ليسوا ملزمين بالاختيار بين الأنحاء مثلنا. إنهم ليسوا مجبرين على البت فيما إذا كان ينبغي للنحو الصحيح أن يكتسي طابع النحو التحويلي أو البرنامج الأدنى أو النظرية القصوى أو النحو العرفاني أو الشبكات الاقترانية أو بديلا آخر لَمَّا تتضح ملامحه. الأطفال يعرفون النحو (معرفة وظيفية) سلفا قبل أن يواجهوا المعطيات.

أحد أهداف النظرية اللغوية قائم إذن في حل هذه المفارقة، "مفارقة اكتساب اللغة"، بالكشف عن مظاهر المعرفة-و اللغوية غير المتعلمة، والتي تمثل الأساس الذي يستند إليه الطفل في تعلمه. الاصطلاح المعيار الذي استعمل لتعيين هذا المكون غير المُتعلَّم هو النحو الكلي، وهو اصطلاح يحمل طيه أيضا أمورا كثيرة مضللة. فينبغي أن لا نخلط النحو الكلي بالكليات اللغوية. النحو الكلي هو الذي يوجه اكتساب اللغة. وأحب من زاويتي أن أنظر إلى النحو الكلي بوصفه مجموعة من الأدوات لبناء اللغة، أي مجموعة من الأدوات ينتقي الطفل (أو دماغه على الأصح) منها بكيفية وظيفية الأدوات الملائمة أو المناسبة للقيام بما يتعين القيام به. فإذا حصل أن كانت اللغة الموجودة في محيط الطفل تملك نسقا إعرابيا (كالألمانية مثلا)، فإن النحو الكلي سيساعد الطفل على اكتساب الإعراب؛ وإذا كانت اللغة لغة تنغيم (كالصينية) فإن النحو الكلي سيساعد الطفل على اكتساب التنغيم؛ وإذا حصل أن كانت اللغة التي توجد في محيط الطفل هي الأنجليزية، التي لا تعول على الإعراب ولا على التنغيم، فإن الأجزاء المتصلة بالإعراب والتنغيم في النحو الكلي لن تعمل.

....................

من السابق للأوان إنكار فرضية النحو الكلي كما أقدم على ذلك بعض الباحثين (ديكون 1997؛ إيلمان وآخرون 1996)، الذين تذرعوا بأننا لا نعرف كيف يمكن للجينات أن ترمز اكتساب اللغة. وهذه ـ لعمري ـ ذريعة باطلة؛ لأننا لا نعرف أيضا كيف ترمز الجينات شدو العصافير أو السلوك الجنسي أو حتى العطس؛ لكن هذا ليس كافيا للطعن في وجود أساس جيني وراء هذه الظواهر السلوكية كلها.

إخلاف الوعد: البنية العميقة مفتاح الذهن

النقطة الرابعة الهامة التي وردت في كتاب المظاهر وأثرت تأثيرا كبيرا في وعي الجمهور تتصل بفكرة البنية العميقة. فقد ذهب تشومسكي سنة 1965 إلى الدفاع عن صيغة في النحو التوليدي تقول إن هناك إلى جانب الصورة السطحية التي تكون عليها الجمل، أي الصور التي نسمعها، مستوى نحويا آخر يسمى البنية العميقة، يعبر عن الاطرادات التركيبية التحتية التي تتمتع بها الجمل. فالجملة المبنية على غير الفاعل (1) ترتد إلى بنية عميقة مبنية على الفاعل (2):

1) قُتل زيد.

2) قَتل أحد زيدا.

والشيء نفسه بالنسبة إلى الجملة الاستفهامية (3)، التي تعود إلى البنية العميقة الشبيهة جدا بتلك التي تقترن بالجملة الخبرية (4):

2) أي وردة قطف خالد؟

3) قطف خالد هذه الوردة.

في السنوات القليلة التي سبقت نشر كتاب المظاهر، وُضع السؤال عن الكيفية التي تقترن بها البنية التركيبية بالمعنى. وأجابت المظاهر عن هذا السؤال، استنادا إلى فرضية كان قد اقترحها كاتز وبوسطال (1964)، تقضي بأن المستوى التركيبي المؤهل لتحديد المعنى هو البنية العميقة.

إن هذه الدعوى في صيغتها المعتدلة لا تقول أكثر من أن الاطرادات الدلالية التي تكشف عنها الجمل توجد مرمزة بكيفية مباشرة في البنية العميقة. وهذا أمر يمكن ملاحظته في الجمل السالفة. لكن الدعوى كانت تكتسي أحيانا طابعا أكثر إقداما وتطرفا، كأن يقال مثلا إن البنية العميقة هي المعنى، وهو بالمناسبة قول لم يكن تشومسكي يعترض عليه في البداية. وهذا القسم من اللسانيات التوليدية تحديدا، أي القسم المتصل بالمعنى، هو الذي لفت إليه انتباه الجمهور أكثر من غيره. فإذا كانت تقنيات النحو التحويلي تمكننا من الإمساك بالمعنى، فإننا نستطيع أن نطمئن إلى إمكان القبض على طبيعة الفكر البشري. وإذا كانت البنية العميقة بنية فطرية ـ بنية يخولها النحو الكلي ـ فإن النظرية اللغوية تسمح لنا على نحو غير مسبوق بالإمساك بجوهر الطبيعة البشرية. فلا عجب إذن أن ينكب الناس طرا على تعلم اللسانيات ويسارعوا إلى الإفادة منها.

إن الذي حصل بعد هذا هو تشكل فريق من الباحثين التوليديين، في مقدمهم جورج لاكوف، وجون روبيرت روس، وجيمس ماكولي، وبوول بوسطال، أخذ على عاتقه الدفاع باستماتة وعنفوان منقطعي النظير عن الفكرة التي تقضي بأن البنية العميقة هي التي ينبغي أن تُرَمِّز بكيفية مباشرة المعنى. وأسفر القول بهذه الفكرة عن ظهور نظرية الدلالة التوليدية (راجع: لاكوف 1971؛ ماكولي 1968؛ بوسطال 1970) التي ضاعفت من تجريد البنية العميقة وتعقيدها إلى حد جعل بعضهم يقترح ثمان بنيات عميقة للجملة الشهيرة (Floyd broke the glass)، كل بنية من هذه البنيات تطابق سمة من سمات الجملة الدلالية. وأغلب الناس الذين رحبوا بما ورد في كتاب المظاهر عن المعنى، أحبوا الدلالة التوليدية وشايعوا أصحابها وانتصروا لهم. ولهذا السبب انتشرت نظرية الدلالة التوليدية بين الناس كالنار في الهشيم. بيد أن تشومسكي وقف موقف المعارض، وشن رفقة من كانوا آنئذ تلامذته (ومن بينهم كاتب هذه السطور) حملة شعواء على نظرية الدلالة التوليدية. وعندما وضعت الحروب اللغوية أوزارها في سنة 1973، كان تشومسكي هو المنتصر. لكن انتصاره كان مصحوبا بتعديل في الموقف: إذ لم يعد يدافع عن أن البنية العميقة تمثل المستوى الوحيد الذي يحدد المعنى (راجع تشومسكي 1972). وبعد أن ربح تشومسكي المعركة، لم يواصل الاهتمام بالمعنى بل أقلع عن ذلك، وانصرف إلى البحث عن القيود التقنية الموضوعة على تحويلات النقل (راجع تشومسكي 1973؛ 1977).

لقد كان لهذا الانصراف عن الاهتمام بالمعنى أثر سلبي في الصورة التي كونها الناس عن النحو التوليدي. فتشومسكي وعد الناس بإمكان القبض على المعنى، ثم تراجع وأخلف وعده. لقد أدى هذا بكثير من الباحثين اللغويين وغير اللغويين إلى الانصراف عن النحو التوليدي بإحساس مشوب بالمرارة. ولم يتنكروا للبنية العميقة فحسب، بل للنزعتين الذهنية والفطرية أيضا، وأحيانا طال الإنكار حتى خاصية التأليفية ذاتها. وحينما عاد تشومسكي في نهاية السبعينات إلى الحديث مجددا عن المعنى، في نطاق الصورة المنطقية (راجع تشومسكي 1981)، كان الوقت قد فات. ومنذ هذه الفترة لم يعد الجهاز التقني المجرد للنحو التوليدي يثير فضول الناس ما عدا فئة قليلة جدا من العلماء العرفانيين، وفئات قليلة من جمهور المثقفين.

.....

أحس أن أغلب اللغويين عادوا إلى الاهتمامات التقليدية التي كانت طاغية في حقل اللسانيات: وصف اللغات بأقل ما يمكن من المتاع النظري والعرفاني....

الارتكاز على التركيب خطأ علمي

نكتفي من التاريخ بهذا القدر، ونعود إلى ما أعتقد أنه الخطأ الذي يقع في صلب النحو التوليدي. أقصد الخطأ الذي يقف وراء ابتعاد النظرية اللغوية عن العلوم العرفانية واغترابها. فقد برهن تشومسكي على أن اللغة تتطلب نسقا توليديا يسمح بإنتاج ما لا حصر له من الجمل المتنوعة. لكنه دافع دون دليل في كتاب المظاهر عن أن خاصية التوليدية هذه توجد في صلب المكون التركيبي للنحو ـ بناء المركبات من الكلمات ـ وأن الصوتيات (نظام أصوات الكلام) والدلاليات (نظام المعنى) هما مكونان تأويليان فقط؛ أي أن خصائصهما التأليفية لا تعد أصلية، بل مشتقة بكيفية صارمة من تأليفية التركيب.

لقد كانت هذه الدعوى سائغة في سنة 1965. فالهدف في تلكم الأيام كان قائما في الاستدلال على أن اللغة تنطوي على شيء مخصوص ميزته أنه توليدي. وقد مكن التركيب التوليدي من اكتشاف أدوات قوية جديدة قادت إلى تحقيق نتائج مذهلة. ففي ذلك الوقت كان يبدو كما لو أن الصوتيات تقبل المعالجة بوصفها مستوى فرعيا أو أدنى مشتقا من التركيب: التركيب يعرض الكلمات وفق ترتيبها الصحيح، وتتكلف الصوتيات بما يسمح بنطقها على نحو متناغم مع محيطها المحلي. أما الدلالة، فقد كانت المعرفة بها قريبة من الصفر. الأشياء البسيطة التي كانت في المتناول آنذاك هي الاقتراحات التي تضمنها كاتز وفودور (1963)، وبعض الأعمال الواعدة الأخرى التي كان يقوم بها أشخاص مثل بيرويتش (1967؛ 1969) و وينريتش (1966). وهكذا لم يكن الوضع الذي كانت عليه النظرية يعرض أسبابا تسمح بالطعن أو التشكيك في أن التعقيد التأليفي يصدر كله عن التركيب.

إن النقلات اللاحقة التي حدثت في اللسانيات التوليدية الرسمية أحدثت فروقا هامة في المنظور. لكن هناك شيئا واحدا لم يطله التغيير، وظل على حاله كما كان أول مرة، وهو الزعم بأن التركيب يمثل المصدر الوحيد الذي تفيض عنه التأليفية. نجد هذا الزعم في نموذج المظاهر وفي نموذج "المبادئ والوسائط" (أو ما يسمى أيضا بنظرية الربط العاملي)، ونجده أيضا في البرنامج الأدنى.

إن هذه النقلات النظرية أثرت في المكونات التركيبية وفي علاقتها بالصوت والمعنى. لكن ما ظل على حاله فيها كلها هو (أ) أن هناك مرحلة أولى في الاشتقاق يقع فيها التأليف بين الكلمات أو المورفيمات لبناء بنيات تركيبية؛ (ب) وأن هذه البنيات تخضع لعدد من العمليات التركيبية المتنوعة، (ج) وأن بعض هذه البنيات يجري إرساله إلى الواجهة الصوتية ليتحول إلى متواليات منطوقة، وبعضها الآخر يرسل إلى الواجهة الدلالية لكي يتحول إلى متواليات مفهومة. فالتركيب باختصار شديد ظل مصدر النظام اللغوي في تفاصيله كلها.

وأعتقد أن هذا الزعم القاضي بـ مركزية التركيب (syntactocentrism)، الذي لم يقم عليه دليل كما أشرت إلى ذلك أعلاه، هو الذي مثل الخطأ الأكبر في مجال اللسانيات. المقاربة الصحيحة تقضي بأن ننظر إلى البنية اللغوية من حيث إنها ناتجة عن عدد من القدرات التوليدية المتوازية والمتداخلة في الآن نفسه، قدرات صوتية وتركيبية ودلالية. وكما سيتضح لنا ذلك، فإن عناصر هذه "الهندسة المتوازية" كانت دائما موجودة على نحو ضمني في الممارسة اللسانية منذ سنوات. الجديد في هذا العمل هو الخروج بهذه الممارسات إلى العلن، والدفاع عن أنها تمثل المبدأ المؤسس للنظام اللغوي، واستثمار النتائج بعيدة المدى التي تترتب عليها.



تشومسكي

05‏/05‏/2007

العودة إلى الواقعية - هنري كيسنجر

العودة إلى الواقعية*

هنري كيسنجر



نشرتُ هذا المقال في جريدة الصحيفة المغربية. العدد 154، السبت/الأحد 5- 6 ماي 2007. ص 6- 7

المصدر:

*Kissinger, H. (2007) « Back to Realism » in New Perspective Quarterly. Winter, Vol. 24, issue 1, pp 43- 45.

النصيحة بشأن العراق

ينبغي لكل سياسة خارجية أن تنبني على ثلاثة مكونات. يتعين عليك في المقام الأول أن تبدأ بتحليل يتناول الوضع كما هو؛ أي عليك ألا تعمدَ إلى خلق وضع مثالي لا وجود له إلا في ذهنك. وينبغي في المقام الثاني أن يكون للسياسة الخارجية هدف استراتيجي عندك؛ أي عليك أن تُحكِم خططك، وتحدد ما يرمي إليه مخططك. وعليك في المقام الثالث والأخير أن تحدد الإجراءات التي تحتاج إليها حتى تنتقل مما أنت فيه، إلى ما عقدت العزم على الوصول إليه.

لا يمكنك أن تقف على فراغ وتعلن في الناس أن الوضع كان سيكون أفضل مما هو عليه لو لم نكن الآن في العراق. فأنت مقيد إلى حد معين بالمحيط الموضوعي من حولك. يمكن للناس، بالطبع، أن يختلفوا في تقويمهم للمحيط الموضوعي. إذ يمكن للصحفيين والأساتذة أن يركزوا على النتيجة الجيدة ويُطْنِبوا. أما صانعو السياسات فَهُم مسئولون أيضا عن النتيجة السيئة. لهذا السبب توجد بعض التجارب التي يجب على صانعي السياسات أن لا يجربوها البتة، ليس لأن الهدف منها غير مرغوب فيه، بل لأن انعكاسات الفشل التي قد تترتب على تجريبها يمكن أن تكون مأساوية إلى أبعد حد.

هذا في نظري هو الإطار الذي ينبغي أن ننظر فيه إلى السياسة (policy). إننا باختصار نحتاج إلى اعتماد مقاربة مزدوجة. فنحن في وضع صعب للغاية؛ لأننا نحارب تمردا يجري في قلب حرب أهلية. ما من شك في أن أخطاءً كثيرة قد ارتُكبت؛ لكن التركيز عليها الآن لن يفيدنا في شيء. لهذا ينبغي لنا أن نتجنب إمكان ظهورِ فريق في العراق يشبه طالبان، أو ظهورِ نظامٍ أصولي جهادي، حتى لو لم يكن شبيها بنظام طالبان، ولا بنظام إيران أيضا. ويتعين علينا أيضا أن نتجنب وضعا نكون فيه وحدنا الجهة التي تطفئ النار في البلد، ولا تنتبه إلى مصدر الحريق. فهذا ـ لعمري ـ عمل عسير وقاس للغاية.

يتعين علينا أن نضع مسألة العراق في سياق دولي. وكنتُ من جهتي قد دعوتُ، منذ سنتين خلتا، إلى تأسيس مجموعة اتصال دولية. ومازلت إلى يوم الناس هذا أعتقد أن هذه المجموعة تمثل عنصرا من عناصر المقاربة التي ستفرض على الناس أن يحددوا أهدافهم وينظروا فيما إذا كان بالإمكان أن يتوافقوا عليها ويتوحدوا لتحقيقها. وعلى هذه المجموعة، إذا شُكِّلت يوما، أن تتضمن سوريا وإيران. بل يجب علينا أن ندعو للانضمام إليها بلدانا كالهند وباكستان، وروسيا أيضا. وهذا في حد ذاته أمر سيخلق إطارا يسمح إلى حد معين بتدويل المسألة العراقية. لن يَحُلَّ التدويلُ المشكلَ، لكنه سيساعدنا حتما في حصره وتحديده.

عن الديمقراطية والاستقرار

لقد وصلنا إلى نقطة يتعين على الإدارة أن تتنازل فيها عن بعض طموحاتها بشأن العراق، وأن تواجه الاختيار بين الديمقراطية والاستقرار. من الملائم لأمريكا أن تكون بجانب الديمقراطية. إذ لا يمكن لأمريكا أن تذهب إلى منطقة معينة وتقول لأهلها إن كل ما نريده هو الاستقرار. لكن الحقبة الزمنية التي يستغرقها تحقيق الأهداف، والدرجة التي يمكن لأمريكا أن تتدخل مباشرة في كل مرحلةٍ مرحلةٍ منها، يجب أن تُعَدَّلا ويعاد ضبطهما حتى تتلاءما مع التجربة وتتوافقا مع الظروف.

فالعراق لا يمثل أمة بالمعنى التاريخي للكلمة. العراق شُكِّلَ من ثلاث مناطق كانت تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، ولم يسبق له أن حُكم قط ككيان موحد. لهذا السبب تمثل الأمة العراقية ظاهرة مختلفة عن الأمم التي عهدناها في تجربتنا. والنتيجة التي يجب أن نستخلصها من هذا هي أن المسلسل الانتخابي في بلد كالعراق ـ حيث التجربة الغالبة للناس فيه هي العنف الطائفي، وحيث كل الناس باستثناء السنة يرون في الدولة أداة للقمع ـ محكوم عليه بأن ينتج أحزابا طائفية تواصل إعادة إنتاج الصراعات التي تعودت عليها تاريخيا. فمن الخطأ الفادح إذن أن تَظنَّ أنك قد تحصل على الشرعية ابتداء من خلال المسلسل الانتخابي. ومهما تكن نوايانا حسنة، فإن التركيز على الانتخابات، كما يمكننا أن نسترجع ذلك الآن، لم يعمل إلا على تأجيج الصراع الطائفي وإذكائه. وليس من العدل في شيء مطالبة حكومة انبثقت من حمأة هذا المسلسل بالسلوك على نهج الحكومات الوطنية التي عهدناها. فتطور الديمقراطية، حتى في الغرب، غالبا ما عانى وتَعثَّر في المرحلة التي شهدت ولادة الأمة. غَضُّ الطرف عن هذه المسألة من شأنه أن يشوه أهدافنا النبيلة ويجعلها على النحو الذي نراه الآن.

العراق يختلف عن ألمانيا واليابان

احتلال ألمانيا واحتلال اليابان ليسا نموذجين كما ظَنَّ بعض الناس. ففي البلدين معا بقيت الإدارة هي هي، ولم يشمل التغيير إلا نسبة 10 بالمائة من قيادتها، بل لم يصل التغيير في اليابان حتى إلى هذه النسبة. ولم يكن هناك مشكل أمني، لا في ألمانيا ولا في اليابان. لهذا السبب لا يمكن الاستناد إلى ما جرى في ألمانيا واليابان وجَعْله نموذجا مثاليا للوضع في العراق.

وينبغي أن أوضح هاهنا أنني ساندتُ غزو العراق. وكنت في الأصل مؤازرا للإدارة. وهذه الانتقادات التي أسجلها ليست إلا انتقادات صديقٍ للإدارة يُحسن الظن بالرئيس. بعض الناس يحاولون اليوم أن يتهموني بأنني كنت صامتا منذ البدء. إنني كنت صديقا للإدارة كما أسلفت. أختلف معها في بعض القرارات التاكتيكية؛ لكنني أتفق تماما مع الأهداف التي سطرتها.

النتيجة الختامية

أظن أن النتيجة هي السعي إلى بلوغ دولة كونفيدرالية ذات سلطة محدودة جدا، وتتمتع باستقلال ذاتي جوهري. هذه فيما أعتقد هي النتيجة المحتملة. والسبب الذي يدفعني دفعا إلى تأييد عقد مؤتمر دولي هو أن مصلحة عدد من البلدان، لدواع قد تختلف، تقضي بتجنب الاضطراب الذي يمكن أن ينتشر بسهولة فائقة ويسري سريان النار في الهشيم. فإيران لا ترغب في وجود صيغة تشبه طالبان في العراق. أما تركيا فتخشى من جهتها قيام دولة كردية مستقلة. لا أحد يريد بروز دول مستقلة استقلالا تاما. والسؤال الذي يثار هنا هو كيف يمكننا أن نُدير ونُدبِّر هذا كله بإحكام؟ الأمر لا يتصل هاهنا بتمرين في علم السياسة. إنه بالأحرى أمر يتطلب معالجة تعكس بعضا من توازن القوى وبعضا آخر من توازن المصالح. النتيجة الراجحة في اعتقادي هي قيام كونفيدرالية ضعيفة، تضم كيانات ذات استقلال ذاتي واسع.

فالوضع الحالي في شوارع بغداد لا يمكن أن يستمر. فكرة جون ماكين القاضية بتوسيع نشر وحدات الجيش الأمريكي فكرة بغيضة، لكنها ليست خاطئة تماما. يتعين علينا أن نفعل أشياء كثيرة. يتعين علينا أن نتجنب الوضع الذي يُحدث الرعب في الدول المعتدلة، كما يتعين علينا أن نحدث توازنا. لا نستطيع أن نتجنب هذا الأمر. لا يُمكنكَ أن تقيم توازنا في قلب العراق ما لم يكن لديك توازن إقليمي.

هل يستحق بوش التأنيب؟

لقد سبق لي أن عرضت أفكاري بتفصيل على الرئيس. بالطبع، طالما أننا عقدنا العزم على الانتصار، وطالما أن الرئيس قال إننا انتصرنا، فليس هناك سبب يحول دون مواصلة تنفيذ الاستراتيجية. وأنا على يقين من أن الرئيس سيفعل ما يعود بالخير على الأمة. لَسْتَ في حاجة إلى أن تكون عالما متخصصا في القنابل لكي تتوصل إلى أن ما نراه بأعيننا الآن لا يعدو أن يكون مظهرا ناقصا للانتصار. والظن بأنك تستطيع أن تُدرب القوات العراقية بسرعة وعلى نحو كاف، ليس من الناحية التقنية فحسب، بل لتصبح هذه القوات جيشا وطنيا يتخطى كل المشاكل، ظنُُّ جيد. لكننا لن نستطيع تحقيقه في المدى الزمني الذي حددناه.

العودة إلى الواقعية

الأهداف التي عرضها الرئيس في خطابه الافتتاحي للولاية الثانية أهداف صحيحة. ويمكن لأمريكا أن تفخر بالأهداف الوطنية كما وردت على لسان الرئيس. لكن هل يمكن لتلك الأهداف أن تُنجَز في حدود ولاية رئاسية واحدة؟ جوابي عن السؤال هو النفي. يمكن للتوجه أن يُرسَم؛ لكن التنفيذ يتطلب فترة تاريخية أطول.

لم يسبق لي أن وافقت على هذا التمييز بين الواقعية والمثالية. فكل سياسة خارجية واقعية يجب أن تتضمن طَيَّها مكونا مثاليا. فأمريكا لا تستطيع أن تتبع سياسة خالصة مبنية حصرا على توازن القوة. فإذا عدتَ ودرستَ الوجوه التاريخية مثل بيسمارك، الذي يعد نموذجا كلاسيكيا للسياسي الذي استند إلى توازن القوة، ستلاحظ أنه أقام استراتيجيته تلك على مبدأ التفرد البروسي (Prussian uniqueness). وهكذا ستلاحظ أن هناك دائما عنصرا متصلا بالإيمان. والعنصر الذي يؤمن به الأمريكي هو أن مُثُلَنا الديمقراطية مُثُل ذات صلاحية كونية. هذا ركن من أركان الإيمان، وليس واقعا تاريخيا. فهو ليس ضروريا إذا عُدتَ إلى التاريخ البشري وأمعنت النظر مليا فيه. لكنه ركن إيماني لصيق بهويتنا لا ينفك عنها. لذلك تجده حاضرا في سياسة كل رؤسائنا العظام. بيد أنك إذا كنت تصدر عن هذا المكون الإيماني، فإنك بوصفك رجلَ دولة يتعين عليك أن تترجمه إلى الواقع على مراحل زمنية، وليس دفعة واحدة.

كنتُ قد كتبتُ مقالا مرة وقلتُ إن الفرق هنا هو الآتي: هل سَتَتَّبِعُ سياسةً خارجية بوصفك نبيا أم ستتبعها بوصفك رجل دولة؟ من زاوية النبي ستقول: المثال ذو صلاحية كونية، إذن ما علي إلا أن أنفذه فورا. أما من زاوية رجل الدولة، فإنك عندما تقول عن فكرة ما إنها ذات صلاحية، فإنك ستمنح الفكرة فرصتها لكي تنضج في الحدود التي تفرضها الظروف القائمة. المشكل الذي يقع لمن يسلك سلوك الأنبياء في هذه المسائل هو أن سلوكه يمكن أن يحدث تفكيكا وكوارث فظيعة. أما المشكل الذي قد يعترض رجل الدولة فهو أنه بسلوكه يمكن أن يحدث جمودا في الأوضاع. الموازنة بين الطريقتين، تعد في اعتقادي الحيلةَ البارعةَ التي تمكننا من النجاح في مسعانا.




04‏/05‏/2007

مراجعة كتاب الوطنية والسلفية الجديدة بالمغرب


صورة الغلاف


صدر للصديق الأستاذ عثمان أشقرا قبل أيام عن دار النشر اتصالات سبو كتاب جديد بعنوان الوطنية والسلفية الجديدة بالمغرب (2007)، أهداني نسخة منه. وقد واصل الأستاذ أشقرا في هذا الكتاب حفرياته في أصول نشأة مفهوم الوطنية في المغرب وما أحاط بهذه النشأة من ملابسات سياسة وثقافية ودينية واجتماعية؛ وهي حفريات كان قد بدأها أشقرا في كتبه الثلاثة السابقة:

في سوسيولوجيا الفكر المغربي الحديث (منشورات عيون، الدار البيضاء 1990 )؛

المتن الغائب: دراسة في الفكر المغربي الحديث (منشورات شراع 1998)؛

في الفكر الوطني المغربي (منشورات المعرفة للجميع 2000).

يقع كتاب الوطنية والسلفية الجديدة بالمغرب في 269 صفحة من الحجم الكبير. ويضم مدخلا عاما، وثلاثة أقسام، وبيبليوغرافيا. يناقش المدخل الأطر النظرية والمنهجية العامة التي عالج الباحث ضمنها مفهوم الوطنية. وتركز الأقسام الثلاثة بفصولها الثمانية على الإشكالات الآتية:

القسم الأول: معطيات السيطرة الاستعمارية بالمغرب من 1930 إلى 1956.

القسم الثاني: الحركة الوطنية المغربية (1930- 1956).

القسم الثالث: الفكر الوطني بالمغرب من 1930 إلى 1956 (المضمون والخطاب).

يقول الباحث:

"في مدخل هذه الدراسة حددنا الإطار النظري والمنهجي للبحث في موضوع الفكر الوطني بالمغرب من 1930 إلى 1956 بأنه حصرا، إطار البحث في إيديولوجيا التحرر الوطني وبناء الدولة الوطنية. وعليه تتقدم رسالتنا هذه باعتبارها تطرح نوعا من التحليل السوسيولوجي لمضمون وخطاب الفكر الوطني المغربي في الفترة التاريخية المعنية، وانطلاقا من متن محدد. والتحليل السوسيولوجي المعني هنا تمحور أساسا حول ما يلي: إبراز واقعة الارتباط بين ما حددناه كـ "وضعية استعمارية"، من جهة، ومضمون وخطاب الفكر الوطني المغربي في جانب هيمنة "السلفية" عليه، من جهة أخرى [...] "السلفية" هنا هي بالتدقيق "مخيال إيديولوجي" يحيل بالأساس على تلك الشبكات الكبرى والصغرى من عناصر التفكير والتصور والسلوك والأفعال وردود الأفعال غير الواعية أصلا، والتي يشكل مجموعها البنيات العميقة لما هو "مفكر به" وما هو "معقول". بتعبير آخر: إن "السلفية" التي نسجل هنا هيمنتها على الفكر الوطني المغربي هي أساسا ما يمكن التعبير عنه بالنتاج المخيالي لوضعية تاريخية ومجتمعية قائمة الذات (= الوضعية الاستعمارية )...." (ص: 240).
والكتاب على الرغم من تناوله الفترة الممتدة من 1930 إلى 1956، يلقي أضواء كاشفة على قضايا من صميم ما يعيشه المغرب المعاصر، خصوصا بعد ظهور ما أصبح يسمى بـ "السلفية الجهادية" الموصولة بالإرهاب. ستتاح لنا الفرصة مستقبلا للعودة إلى هذا الكتاب الهام للتوسع في عرض قضاياه ومناقشتها ببعض التفصيل.


05‏/03‏/2007

مراجعة كتاب مناقشات حول الشعور




سوزان بلاكمور باحثة مستقلة تعيش من عائدات كتاباتها، تلقي محاضرات وتخرج برامج إذاعية وتلفزيونية، تحاضر باعتبارها أستاذة زائرة في جامعة ويست إنجلند، ببريسطول. مجال بحثها هو علم النفس والفيسيولوجيا، تابعت دراستها العليا في جامعة أكسفورد، وحصلت على الدكتوراه في الباراسيكلوجيا من جامعة سيوري (1980). اهتماماتها متشعبة تتوزع بين علم الميمات (memetics) والنظرية التطورية والشعور ووسائط الإعلام. تكتب في عدة صحف ومجلات. وقد تعاقدت مؤخرا مع صحيفة الغارديان البريطانية للكتابة في مدونة تابعة للصحيفة. كتبت مقالات علمية كثيرة في المجلات والدوريات المتخصصة، وشاركت في كتب جماعية كثيرة. من كتبها ما وراء الجسد (1982)، نموت لنحيا (أو تجارب قاب قوسين أو أدنى من الموت، 1993)، سيرة ذاتية بعنوان بحثا عن النور (1996). وأشهر كتبها الآلة الميمية (1999)، الذي ترجم إلى أكثر من 13 لغة. ويعد كتابها الموطأ في دراسة الشعور الصادر عن مطابع أوكسفورد الجامعية سنة (2003)، من أحسن وأسلس ما كتب عن مسألة الشعور في السنين الأخيرة. وقد صدر لها في نوفمبر 2005 بالمملكة المتحدة، ويناير 2006 بالولايات المتحدة، كتاب هام عن الشعور أيضا، بعنوان مناقشات حول الشعور؛ وعنوان فرعي: ما الذي تقوله أفضل العقول عن الدماغ وعن حرية الإرادة وعما يعنيه أن يكون الكائن إنسانا. ويقع الكتاب في 274+ viii صفحة، ويتضمن صورا بيانية ورسوما (ذات طابع كرتوني) تشرح بعض القضايا والتجارب المعقدة بكيفية مبسطة ومسلية.

يتضمن هذا الكتاب مقدمة وثبتا بالمصطلحات يتوسطهما عشرون حوارا مطولا عن مسألة الشعور مع أبرز الفلاسفة وعلماء الأعصاب وعلماء النفس، وهم بالترتيب كما وردوا: برنار بارس، نيد بلوك، ديفيد شالمرز، باتريشيا وبوول شورشلاند، (وهما زوجان يشتغلان معا)، فرنسيس كريك (الحائز على جائزة نوبل والذي وافته المنية مؤخرا في يوليوز 2004)، دانيال دينيت، سوزان غرينفيلد، ريتشارد غريغوري، ستيوارت هاميروف، كريستوف كوش (عاش في المغرب فترة وحصل على الباكالوريا من ليسي ديكارت)، ستيفان لابيرج، طوماس ماتزينغر، كيفين أوريغن، روجيه بينروز، ولايانور راماشاندران، جون سورل، بيترا ستوريج، فرانسيسكو فاريلا (الذي وافته المنية قبل سنتين أيضا)، ماكس فيلمانز، دانيال فيغنر.

ميزة كتاب بلاكمور ترجع في المقام الأول إلى أن صاحبته مطلعة على تفاصيل نظريات من تحاورهم ودقائقها. بل إن لها مواقف خاصة بشأن الدراسات الجارية عن الشعور عبرت عنها في الكتب التي ألفتها، سواء أكان ذلك في الموطأ في دراسة الشعور أم في الآلة الميمية أم في مقالاتها العلمية الكثيرة الأخرى، وعبرت عنها بكيفية موجزة ونقدية، كما سنرى باختصار، في مقدمة هذا الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته. فالأسئلة التي طرحتها بلاكمور على المحاورين لا تدخل في باب الأسئلة التي يضعها في العادة خالي الذهن، بل أسئلة تصدر عن مطلعة مساهمة في البحث ومتمكنة منه أيضا.

تتحدث بلاكمور عن الظروف التي قادتها إلى محاورة كريك، وتُرجع الفضل في ذلك إلى كوش، الذي حاورته في توسكن. تقول بلاكمور: "حين أنهيت الحوار مع كوش، سألني لماذا لم أفكر في محاورة كريك أيضا، فأجبته بأنني وددت أن يتم لي ذلك؛ لكنني علمت أن الرجل بلغ من الكبر عتيا، 88 سنة، وهو مريض. وأخشى أن أزعجه..." (ص 2-3). لكن كوش أصر على أن يكلمه في الموضوع. تقول بلاكمور: "قال لي كوش سأكلم كريك في الموضوع، وأنا على يقين من أنه سيوافق. حقا إنه يكره الاستجوابات التي تتناول اكتشافه للـ الأدنة (DNA) قبل خمسين عاما خلت. لكنني أعلم أنه سيسعد كثيرا بالإجابة عن أسئلتك" (ص 3).

احتارت بلاكمور في ترتيب الحوارات. فكرت في أن تبدأ بالأصغر سنا (ديفيد شالمرز)، وتنتهي بالتدريج إلى الأكبر (فرنسيس كريك)، لكنها عدلت عن هذه الخطة، واستقر رأيها في الأخير على الترتيب الألفبائي بوصفه ترتيبا صوريا ومحايدا.

تعمدت بلاكمور أن تسأل محاوريها جميعا عن الأسباب التي قادتهم إلى الاهتمام في أعمالهم بدراسة الشعور. واكتشفت في أجوبتهم قصصا مشوقة. فشالمرز مثلا بدأ مشواره العلمي باحثا في مجال الرياضيات؛ بينروز بدأ أيضا في الرياضيات ولا يزال. كيفين أوريغن بدأ مشواره باحثا في مجال الفيزياء؛ كريك اشتغل ابتداء في الوظيفة العمومية موظفا عاديا...الخ

سألت بلاكمور محاوريها عن أعمالهم ونظرياتهم الخاصة. تقول "من الرائع جدا أن تتاح لك الفرصة وتقعد مع أصحاب النظريات أنفسهم وتسألهم عما يقصدونه على وجه التحديد" (ص 3). وتقول معبرة عن رأيها الناقد فيما سمعته من محاوريها: "بعض تلك النظريات مستغلق جدا، وعصي على الفهم؛ أما بعضها الآخر فكان دائما يبدو لي أخرق... في بعض الحالات كنت أشعر بأنني بدأت أفهم الأمور حقا، لكنني في الحالات الأخرى شعرت بأنني مازلت في حيرة من أمري كما كنت في السابق" (ص 3).

الإشكالات التي تناولتها بلاكمور في حواراتها هي نفسها الواردة في العنوان الفرعي للكتاب: الدماغ، حرية الإرادة، ما معنى أن يكون الكائن إنسانا. وهذه الإشكالات مجتمعة هي ما يتناوله باختصار مجال البحث المسمى دراسات الشعور (Consciousness Studies).

كل الحوارات التي يتضمنها كتاب بلاكمور تروم تحديد الموقف الذي يتخذه المحاورون من السؤال الآتي: هل الشعور أمر مفصول عن العمليات الدماغية التي يتوقف عليها أم شيء موصول بها؟ "فهذا السؤال، كما تقول بلاكمور، يعد بمعنى من المعاني السؤال الرئيس الذي تؤدي الأجوبة المتباينة عنه إلى التمييز بين النظريات الكبرى عن الشعور... فبقدر ما يحصل من تطور في العلم العصبي ومن معرفة عن الدماغ نتوصل بالتدريج إلى فهم وظائف كالإبصار والتعلم والذاكرة والتفكير والعواطف. لكن، عندما يكتمل فهمنا لكل هذه الوظائف، ألا يبقى هناك شيء – الشعور ـ خارج دائرة الفهم يحتاج إلى تفسير؟ روجيه بينروز يعتقد ذلك. وديفيد شالمرز يعتقد ذلك أيضا. إنه يرى أننا عندما نحل كل المشاكل السهلة، يبقى هناك المشكل العويص المتمثل في الشعور. وهذا ما ينفيه نفيا قاطعا كل من بوول شورشلاند وباتريشيا شورشلاند، ودانيال دينيت، وفرنسيس كريك" (ص 6). كل الذين حاورتهم بلاكمور يقبلون التوزيع والاندراج في أحد الفريقين: إما الفريق الذي يقول بوجود مشكل عويص لا يقبل الحل بمجرد فهم العمليات الدماغية، وإما الفريق الذي لا يرى أن هناك مشكلا عويصا بعد فهم العمليات الدماغية على الوجه الصحيح.

أهمية الكتاب ترجع إلى كونه يبسط كثيرا من القضايا التي تبدو معقدة حين نقرأها في مقالات هؤلاء الفلاسفة والعلماء أو في كتبهم. وقد لعب حس بلاكمور الصحفي دورا رئيسا في هذا التبسيط غير المخل. فعلى الرغم من كونها عارفة بتفاصيل نظريات من تحاورهم، نلفيها تصطنع في كثير من الأحيان موقف من لا يعرف. وقد ساهم هذا الموقف "التاكتيكي" في تيسير كثير من الحجج التي تكتسي طابع الاستغلاق حين عرضها في الكتب والمقالات المتخصصة.

سوزان بلاكمور




21‏/02‏/2007

الانعطاف اللغوي

مدخل من مداخل القاموس الفلسفي المعاصر. قيد الإعداد


اقترن الانعطاف اللغوي The linguistic Turn في المقام الأول بالشكوك التي راودت الفلاسفة بشأن الأسبقية التي كانت تُسند إلى الشعور، أي إلى الذات المنعزلة التي تستبطن دواخلها وتعرف ما تعرف عن طريق المناجاة؛ واقترن في المقام الثاني بالأهمية التي أصبح يحظى بها البعد التذاوتي القائم أساسا على التواصل والتخاطب والتفاهم. فالإقلاع عن اتباع أنموذج الشعور، والانعطاف نحو أنموذج اللغة، كان في واقع الأمر ضربا من التشكيك في قيمة الموضوعية التي كانت ديدن فلاسفة الشعور (ديكارت، لوك، هيوم، كانط...) والإقبال على قيمة أخرى عبر عنها رورتي بـ التضامن، والتي تعلي من شأن التواصل مع الآخرين قصد توسيع إحالة الضمير نحن إلى أقصى حد مستطاع. بلغة هابرماس كان الأمر يتعلق بـالإعراض عن أنموذج معرفة الموضوعات، واتباع أنموذج التفاهم بين ذوات قادرة على الكلام والفعل.

والانعطاف اللغوي عبارة وردت عنونا للكتاب الجماعي الذي أشرف عليه ريتشارد رورتي سنة 1967. وهو كتاب أثر تأثيرا كبيرا في النحو الذي أصبح الفلاسفة التحليليون ينظرون به إلى الكيفية التي يشتغلون بها. وقد شرح رورتي في مقدمة الكتاب الهدف من تأليفه قائلا: "إن الهدف الذي يصبو إليه هذا الكتاب يتصل بتقديم معطيات تمكن من التفكير في الثورة الفلسفية التي حدثت في السنوات القليلة الماضية، أي في الفلسفة اللغوية linguistic philosophy. وأعني بـ 'الفلسفة اللغوية' هنا تلك الرؤية التي تقضي بأن المشاكل الفلسفية هي المشاكل التي يمكن حلها (أو تنحيتها) إما بإصلاح اللغة، وإما بالمزيد من الفهم الذي يمكن أن نصل إليه حول اللغة التي نحن بصدد استعمالها".

وكان آير قد أشار إلى هذا الأمر قبل رورتي، والراجح أنه كان أول من لفت الانتباه إلى الانعطاف اللغوي. فقد قال مباشرة بعد عودته من فيينا متأثرا بما اطلع عليه هناك: "إن الفيلسوف من حيث إنه محلل ليس معنيا بالخصائص الفيزيائية التي تتميز بها الأشياء. هدف الفيلسوف هو أن ينظر في الكيفية التي نتحدث بها عن الأشياء. بعبارة أوضح، قضايا الفلسفة ليست قضايا واقعية factual، بل لغوية في طبيعتها. إنها لا تصف سلوك الأشياء الفيزيائية، ولا حتى سلوك الأشياء الذهنية؛ بل تتناول صوغ التعريفات أو التنائج الصورية التي تترتب على التعريفات" (1936).

وقد أرجع آير هذا التصور في التاريخ إلى بيركلي وهيوم (1936). والمقابلة التي أقامها آير بين تعاريف الكلمات وأوصاف الأشياء، تعادل تقريبا المقابلة التي رسخها هيوم بين علاقات الأفكار وعلاقات الأشياء أو الوقائع matters of fact. فحسب الفيلسوف التجريبي هيوم، لا يمكن لمناهج الفلسفة القبلية أن تمكننا من معرفة الحقائق التركيبية المتصلة بالوقائع ( أي "بسلوك الأشياء الفيزيائية أو حتى الأشياء الذهنية")؛ إنها لا تقودنا إلا إلى الحقائق التحليلية التي مدارها علاقات الأفكار (أي "التعاريف أو النتائج الصورية التي تترتب على التعاريف").

وقد قدم داميت، الذي أعقب آير على كرسي ويكيهام بجامعة أوكسفورد، الصيغة الكلاسيكية للانعطاف اللغوي ناسبا إياها إلى فريجه، مؤسس المنطق الرياضي الحديث. يقول في هذا الشأن (1978): "إن موضوع بحث الفلسفة لم يحدد بصفة نهائية إلا مع فريجه (G. Frege)؛ بحيث تبين (1) أن هدف الفلسفة قائم في تحليل بنية الفكر؛ (2) وأن دراسة الفكر ينبغي أن تتميز عن دراسة عمليات التفكير النفسية، (3) وأن المنهج الأكفى لتحليل الفكر يستند إلى تحليل اللغة[...] والقبول بهذه الركائز يعد موضع إجماع لدى المدرسة التحليلية".

الخاصية الجوهرية التي يتميز بها الفكر، في ضوء هذا التصور الذي يعرضه داميت، هي أنه يقبل التعبير عنه (حتى لو لم يقع التعبير عنه في الواقع) بواسطة اللغة العمومية. واللغة تصفي الفكر من الضجيج الذاتي المقرون بالمظاهر النفسية للتفكير.

في مكان آخر يشير داميت إلى أن هذا الاهتمام باللغة هو ما يميز "الفلسفة التحليلية" عن باقي المدارس الفلسفية الأخرى.. يقول: "لقد ولدت الفلسفة التحليلية عندما حدث "الانعطاف اللغوي". وهذا بالطبع لم يكن قرارا مقصودا اتفقت عليه جماعة من الفلاسفة في وقت من الأوقات. المثال الذي أعرفه في هذا الشأن هو كتاب فريجه أصول الأريثمطيقا سنة 1884" (راجع: داميت 1993). لكن كلامه هنا يختلف قليلا عن كلامه السابق؛ إذ نجده يقول لاحقا في الموضع نفسه: "إذا جعلنا من الانعطاف اللغوي نقطة انطلاق الفلسفة التحليلية، فإننا على الرغم من تقديرنا لأعمال فريجه ومور وراسل التي هيأت الأجواء، لن نستطيع أن نشك في أن الخطوة الرئيسة نحو هذا الانعطاف خطاها فيتجنشتاين في كتابه الرسالة المنطقية الفلسفية سنة 1922" (1993).

غالب الظن أن داميت يعتقد أن الانعطاف اللغوي مع فريجه كان مجرد حدس، أما مع فيتجنشتاين فقد اكتسى بعدا نسقيا واضح المعالم.

20‏/02‏/2007

الحياة الاصطناعية

مدخل من مداخل القاموس الفلسفي المعاصر. في طور الإعداد


يصدر المبحث المسمى بالحياة الاصطناعية Artificial Life، والذي يشار إليه اختصارا بـ ALife عن تصور يقضي بأن الحياة آلية وعملية في متناول المعرفة البشرية. وقد تأسس هذا المبحث في سبتمبر 1987، حينما بادر كريستوفر لانغتون Christopher Langton، الذي كان يعد بحثا لنيل شهادة الدكتوراه آنذاك، بتنظيم ندوة بلوس ألاموس في نيو ميكسيكو عن موضوع "تركيب الأنساق البيولوجية ومحاكاتها" Synthesis and Simulation of Biological Systems، التي نشرت أعمالها كاملة سنة 1989. وبحدود مختصرة يمكن تعريف الحياة الاصطناعية بأنها مجال يدرس البيولوجيا من زاوية تروم خلقها أو تصنيعها.

فمعظم الباحثين في هذا المجال يعتقدون أن مخلوقاتنا الاصطناعية (التركيبات الكيميائية، والروبوطات، وخصوصا الحواسيب...) تطورت وبلغت حدا من التعقيد يجعلنا نتطلع إلى صناعة الحياة وتخليقها. وقد عرف لانغتون الحياة الاصطناعية في كتابه الحياة الاصطناعية-المجلد الأول (1989) قائلا:"تُعنى الحياة الاصطناعية بدراسة الأنساق التي تبنيها يد الإنسان والتي تكشف عن تصرفات تتميز بها في مستقر العادة الأنساق الطبيعية الحية. فالحياة الاصطناعية مبحث يكمل ويتمم العلوم البيولوجية التقليدية التي تدرس الأجهزة العضوية الحية، ويسعى إلى تركيب السلوكات الشبيهة بسلوك الحي عن طريق استعمال الحواسيب وغيرها من الحوامل الاصطناعية الأخرى. والحياة الاصطناعية إذ توسع الأسس التجريبية التي تقوم عليها البيولوجيا التي تدرس الحياة القائمة على الكربون التي تطورت في الأرض، تساهم مساهمة فعالة في البيولوجيا النظرية بإدراج الحياة كما نعرفها في فضاء أكثر رحابة واتساعا، أي الحياة كما بإمكانها أن تكون".

أما هدف الحياة الاصطناعية فقد سطره لانغتون في مقاله "دراسة الحياة الاصطناعية باستعمال الأوتوماتا الخلوية" قائلا: "هدف الحياة الاصطناعية الأسمى هو تخليق 'الحياة' في حامل أو سند آخر غير السند الطبيعي، ويُستحب أن يكون سندا افتراضيا يسمح بفصل جوهر الحياة عن تفاصيل تحققه في أي سند كان. فنحن نصبوا إلى بناء نماذج تكون شبيهة إلى حد بعيد بالحي إلى الحد الذي تكف فيه عن أن تكون مجرد محاكاة للحياة لتصبح أمثلة أو شواهد عليها".

وقد تحدث الفيلسوف دانيال دينيت عن الطاقة التي يختزنها مبحث الحياة الاصطناعية هذا، وعن الآفاق المذهلة التي يفتحها أمام البحث الفلسفي قائلا (1998): "إن الحياة الاصطناعية باختصار تعنى بالإبداع الاصطناعي لتجارب فكرية مراقبة، تتمتع بدرجة عالية من التعقيد... ولا شك أن الفلاسفة، الذين أتيح لهم أن يشهدوا في زمانهم هذه الفرصة، سيهرعون إلى المجال ليستفيدوا منه في أي مستوى تجريدي يلبي أغراضهم ويحصن أجهزتهم المفهومية ويشحذها بما تقدمه الحواسيب من مزايا محاكاتية".

الكيفيات

هذا مدخل من مداخل القاموس الفلسفي المعاصر، الذي نعده



يعود استعمال حد الكيفيات Qualia أو الكيفيات الوجدانية، (مفرده Quale)، في اللغة الأنجليزية إلى كتابات ش.س. بورس، الذي استعمل اللفظ في سنة 1867 ليصف به عناصر التجربة المباشرة أو المعطاة. فالكيفيات عند بورس تشير إلى المكونات الأساس التي تنهض عليها التجربة الحسية. إنها أساس ما يسميه بالأولية Firstness أو المباشرة Immediacy. وتشير الكيفيات عموما إلى الأنحاء التي تكتسيها الأشياء عند إدراكها بالحواس (الإبصار والسمع والشم...)، كما تشير أيضا إلى النحو الذي نحس به الآلام؛ ونستطيع القول بصفة عامة إنها تشير إلى النحو الذي يكون عليه الشخص عندما يكون بإزاء حالات ذهنية ذات صلة بالتجارب الذاتية الظاهرية. فالكيفيات إذن خصائص تجريبية تكشف عنها الإحساسات والأحاسيس والإدراكات، ويرى بعض الفلاسفة أن للأفكار والاعتقادات والرغبات أيضا خصائص كيفية.

وقد استند ويليام جيمس إلى بورس في استعماله هذا اللفظ في مطلع سبعينات القرن التاسع عشر، وقصد به جيمس "معطيات" الإدراك التي "لا تقبل الرد" Irreductible data. كذلك البياض الذي يعد واحدا، سواء أكان الذي أرى الثلج عليه اليوم، أم كان ذاك الذي رأيت السحاب عليه أمس. فهذه المداخل تعد في نظر جيمس واحدة بغض النظر عن التجارب التي ترد فيها. إنها تنطوي على مجموعة من السمات أو الوحدات، تشبه ربما الذرات في الفيزياء، التي تمثل المعطيات الفلسفية القصوى.

الاستعمال الرائج في النقاش المعاصر يقترن أساسا بإبستمولوجيا الفيلسوف الذريعي الظاهراتي ك. آي. لويس. ففي سياق سعيه إلى تمييز "العنصر المعطى في التجربة" عن العنصر التأويلي الذي يصوغه فيه الاستدلال التصوري، كان لويس من بين الفلاسفة الأوائل الذين استعملوا لفظ "الكيفيات" على النحو الذي أصبح دارجا بين الفلاسفة اليوم. يقول لويس في هذا الخصوص: "تكون الكيفيات ذاتية؛ لا اسم لها في الكلام العادي، إنما تقع الإشارة إليها بعبارات مثل "تشبه كذا" أو "يلوح كأنها كذا". إنها لا تقبل الصوغ في العبارة ineffable؛ لأنها يمكن أن تكون على نحوين مختلفين في ذهنين من دون أن نستطيع كشف الأمر ، و من دون أن يكون عدم الكشف هذا مخلا بمعرفتنا بالأشياء أو بخصائصها. كل ما يمكن القيام به للإحالة على كيفية معينة ينحصر في تحديد مكانها في التجربة، أي الإحالة على شروط تواردها أو على علاقاتها الأخرى. فالعبارات كالتي أتينا على ذكر واحدة منها لا تمسك بالكيفية في ذاتها... والكيفية في حد ذاتها لا تعد أمرا جوهريا بالنسبة إلى التفاهم والتواصل، ما هو جوهري في هذا الشأن هو نسق علاقاتها الثابتة الذي يميز التجربة، أي ما يوجد متضمنا في التجربة عندما تكون هذه الأخيرة علامة على خاصية موضوعية".

إن هذا النص الذي كتبه لويس سنة 1929 أسند إلى الكيفيات الخصائص الجوهرية التي مازالت تسند إليها اليوم في النقاش الفلسفي؛ وأقصد بهذه الخصائص: المباشرة، والذاتية، والتمنع عن الصوغ في العبارة (راجع: دينيت 1988).

وعلى الرغم من أن الناس لا يطعنون في وجود تجارب ذاتية، نلاحظ أن لفظ 'الكيفية' – وهو اصطلاح تقني، كما ألمعنا، أكثر من لفظ 'التجربة الذاتية'- يُستعمل في الغالب الأعم عند أولئك الفلاسفة الذين يميلون إلى الطعن في التصور المتداول بين الناس عن التجربة الذاتية. والنقطة الخلافية في موضوع الكيفيات تتصل بما إذا كان الطابع، أو الصفة الظاهرية، التي تتميز بها التجربة قابلة للرصد والتحليل استنادا إلى حدود قصدية أو وظيفية أو معرفية خالصة. الذين يطعنون في وجود الكيفيات (مثل دينيت، وشورشلاند، ورورتي، وفايرابند، وسيليرس) يعتقدون أن ظاهرية التجربة تقبل التحليل بالتمام استنادا إلى حدود محتواها التمثيلي أو القصدي (النزعة التمثيلية)؛ أو أنها تقبل التحليل كاملة استنادا إلى حدود دورها السببي (النزعة الوظيفية)؛ أو أن وجود الشخص في حالة تجربة ذاتية معينة يقبل التحليل كليا بحدود وجوده في حالة مُراقَبةٍ من الناحية المعرفية بطريقة من الطرق، أو مصحوبة بفكرة تنبئ الشخص أنه على تلك الحالة أو فيها. فإذا أدرجنا في تعريف 'الكيفيات' الفكرة القاضية بأن ظاهرية التجربة تستغرق في هذه التحاليل القصدية والوظيفية والمعرفية، فإن وجود الكيفيات يصبح أمرا مشكوكا فيه.

دينيت (1988) على سبيل المثال يرى أن ما يميز الكيفيات هو أنها أصلية (بمعنى أنها ذرية، لا تقبل التحليل، وغير علاقية)، وخصوصية (بمعنى أنها لا تقبل الرصد بالروائز الموضوعية)، ووثوقية (بمعنى أن من يعتقد أنه إزاءها يكون في وضع كأنه فعلا إزاءها)، وغير فيزيائية. لهذه الأسباب يعتقد دينيت أن الكيفيات غير موجودة. وقد شرح موقفه هذا في مقاله (1988) ذي العنوان الشهير: تكوين الكيفيات. (تكوين هنا لفظ مشتق من اسم الفيلسوف كواين، وقد عرفه دينيت في قاموسه بأنه (أي الفعل كوَّن المشتق من اسم الفيلسوف كواين) "الطعن الصريح في وجود أو في أهمية شيء واقعي أو هام".

لكن الذي يؤمن بوجود الكيفيات، مثل سورل أو جاكسن أو ليفين أو شالمرز أو بلوك...الخ، سيفضل تعريفا للـ 'كيفيات' يُمكِّن العلم من الفحص عنها، ويترك الباب مفتوحا أمام إمكان أن تكون الكيفيات كيانات فيزيائية، بل أمام إمكان الكشف عن أن بعض مظاهر الاعتقادات الاستبطانية عن الكيفيات يمكن أن تكون خاطئة. فبلوك مثلا، لا يتصور أن تعمد المقاربة العلمية على نحو مسبق إلى إنكار إمكان الكشف بطريقة تجريبية عن أن الكيفيات خصائص قصدية أو وظيفية أو معرفية. لهذا السبب يميل بلوك في تحاليله إلى تعريف 'الكيفية' بأنها مظهر للتجربة الذاتية لا يمكن أن نبرهن بوسائل قبلية أو من على الأرائك على أنها قصدية أو وظيفية أو معرفية (ويقصد هنا دينيت ورورتي). وهذا التصور الذي يميل إليه بلوك وغيره من الفلاسفة الذين ذكرتهم أعلاه، بشأن الكيفية يعد تصورا إبستيميا وليس ميتافيزيقيا. فهو تصور لا ينطوي على شيء يتعارض مع الدعوى القائلة إن الكيفية حالة فيزيائية، تماما كالحرارة التي تعد طاقة حركية جزيئية، أو الضوء الذي يعد إشعاعا كهرومغناطيسيا. فالأطروحة الردية reductionism التجريبية بشأن الكيفيات أطروحة مشروعة في نظر هؤلاء الفلاسفة. ما ليس مشروعا في نظرهم هو التحليل الردي الذي يقوم به الفيلسوف من على أريكته لينتهي فيه إلى أنها ذات طبيعة قصدية أو وظيفية أو معرفية.


النـزعة الشمولية

هذا مدخل من مداخل القاموس الفلسفي المعاصر الذي نعده


إن أول من نحت لفظ الشمولholism هو الفيلسوف سموتس Smuts، في كتابه الشمول والتطور (منشورات ماكميلان (1926)). وقد عرف الشمول بأنه نزوع الكل وميله ميلا إلى أن يكون أكبر من مجموع أجزائه.

من بين الإشكالات الرئيسة التي يضعها الشمول الإشكال المتصل بما ينطوي عليه هذا الكل من زيادة تجعله أكبر من أجزائه. في الاصطلاح المعاصر، نستطيع القول إن للكل خصائص مترتبة، أي خصائص لا تقبل الرد إلى خصائص الأجزاء. فملح الطعام مثلا يقبل الأكل، ويتخذ شكلا كريسطاليا، وله طعم مالح. كل هذه الخصائص التي ذكرناها تختلف كليا عن خصائص مكونات الملح الكيميائية: الصوديوم (Na) الذي يعد معدنا مرنا شديد رد الفعل، والكلورين (C1) الذي يعد في الأصل غازا ساما. الشيء نفسه يمكن أن أن يقال عن المقطوعة الموسيقية. فالمقطوعة تتمتع بخصائص الإيقاع، والنغم، والهارمونيا. وهذه الخصائص لا توجد في النوتات المفردة التي تتألف منها المعزوفة. السيارة أيضا تتمتع بخاصية قبول القيادة. لكن مكوناتها كالمحرك أو العجلات أو الإطار أوالبطاريات تفتقد هذه الخاصية. ثم إن للسيارة ثقلا؛ وهو لا يعدو أن يكون مجموع ثقل أجزائها. وعندما نعمد إلى الفحص عن لائحة الخصائص التي تتميز بها السيارة التي نود شراءها، نلاحظ أن "سرعة" السيارة "القصوى" تمثل خاصية مترتبة، بينما ثقلها ليس كذلك.

ويقترن مذهب الشمول بأعمال عدد كبير من الفلاسفة. وقد أوجز فودور ولوبور(1992: X) Fodor & Lepore المقصود بهذا المذهب في الدلاليات (Semantics)حين قالا: إن الشمول الدلالي يشير إلى المذاهب العامة التي تقضي بأن "اللغات بوصفها كلا، أو النظريات بوصفها كلا، أو أنساق الاعتقادات بوصفها كلا، هي وحدها الأمور التي يصح أن نقول عنها إنها ذات معنى. أما معاني الوحدات الصغرى – كالكلمات أو الجمل أو الفروض أو الخطابات أو الحوارات أو النصوص أو الأفكار أو ما شاكل- فلا تعدو أن تكون معاني مشتقة من معنى الكل".

ونستطيع القول إن أعمال فيتجنشتاين هي التي لفتت الانتباه أول مرة إلى هذاالأمر وناقشته بكثير من التركيز والإبداع. فأعمال فيتجنشتاين تتميز بميل شديد وواضح إلى تصور اللغة تصورا شموليا. حتى في كتابه الرسالة المنطقية الفلسفية- الذي عُدَّ برنامجا للتصور الذري المنطقي، وهو تصور مناقض تماما للتصور الشمولي - نجد الإحالة صريحة على مبدأ السياق الفريجي (نسبة إلى فريجه G. Frege)، القائل إن الأسماء لا تكتسي معانيها إلا في سياق الجملة (انظر الرسالة3.3). أما عندما ننظر إلى فيتجنشتاين في كتاباته اللاحقة فإننا نلاحظ أنه عمم بالتدريج مبدأ السياق هذا حتى أصبح المحدد الرئيس للمعنى عنده. فقد استشهد فيجنشتاين بمبدأ فريجه في مطلع كتابه أبحاث فلسفية ليستدل به على أن الكلمات لا تكون ذات إحالة إذا استعملت منفردة، ولا تصبح محيلة إلا عندما ترد مستعملة في قلب لعبة لغوية. وإذا كانت الجملة هي النقلة الرئيسة في اللعبة اللغوية، مثلها في ذلك مثل نقل القطعة في لعبة الشطرنج، فإن اللعبة اللغوية بدورها تكون بمثابة الوحدة الرئيسة للفاعلية اللغوية بوجه عام. يقول فيتجنشتاين: "يعني فهم الجملة فهم اللغة. ويعني فهم اللغة التمكن من تقنية" (الأبحاث:199§).

فَهِم كواين وديفدسن، مِن بعده، جملة فيجنشتاين الأخيرة هذه من حيث إنها تعبير عن موقف شمولي جذري؛ فأورد كواين الجملة في كتابه الكلمة والشيء (1960: (§16، وشدد على التعلق الجذري القائم بين أي جملة مفردة واللغة كلها. ودافع ديفدسن، بعد كواين، عن الموقف الشمولي نفسه أيضا في مقاله الهام "الصدق والمعنى" حين قال بضرب من التعميم: "لا نستطيع أن نُسند إلى الجملة (أو الكلمة) معنى إلا إذا أسندنا معنى إلى الجمل (والكلمات) كلها. وحينما قال فريجه إن الكلمة لا تكتسي معنى إلا في سياق الجملة؛ كان عليه أن يمضي رأسا في الاتجاه نفسه ويقول إن الجملة (والكلمة بالتبعية) لا تكتسي معنى إلا في سياق اللغة" (ص:22).

تركز الانتقادات الموجهة إلى النظريات الشمولية على أنها نظريات تترك مسائل كالفهم والترجمة والتواصل وتغيير المرء لآرائه واعتقاداته دون حل يذكر. فلكي يشترك شخصان في حيازة مفهوم معين، يتعين عليهما، حسب التصور الشمولي، أن يشتركا في كل مفاهيمهما الأخرى؛ بل في كل أنماط الروابط التي تربط بين تلك المفاهيم لدى كل واحد منهما؛ أي أن على الشخصين باختصار أن يصيرا شخصا واحدا بالعدد لكي يشتركا في حيازة المفهوم نفسه. وهذا ـ لعمري ـ محال. فالصورة التي يفضي بها الشمول الدلالي، كما عبر عن ذلك داميت في كتابه الأسس المنطقية للميتافيزيقا (1991: 237) "تترك في نطاق الإلغاز الكيفية التي نسلك بها في التواصل مع الآخرين ونحقق النجاح في ذلك".

زد على هذا، إننا لا نستطيع في إطار التصور الشمولي أن نفسر ترجمة ما يرد على لسان شخص إلى لسان شخص آخر. فبما أنه ليس هناك شخصان يشتركان في كل الاعتقادات، يصبح القول إن ما يعنيه الشخص بحدوده يتوقف على كل اعتقاداته الأخرى قولا يمنع من أن يعني شخصان الشيء نفسه بأي حد من حدود لغتهما. فإذا كان ما يعنيه الشخص بـ "قِط" مثلا، يتوقف على كل اعتقاداته بشأن القطط، فإن شخصا يؤمن بأن "للقط أرواحا كثيرة"، سيعنى بلفظ "القط" شيئا مختلفا عما يعنيه من لا يؤمن أو لا يعتقد بأن للقط أرواحا كثيرة. ويترتب على هذا الموقف امتناع المقارنة أو المقايسة (incommensurability) بين الأشخاص ذوي الاعتقادات المتباينة. فقبل أن يشترك شخصان في كل الاعتقادات لا يمكنهما أن يشتركا في أي اعتقاد بعينه. بعبارة أكثر تفصيلا، إذا كان زيد يعتقد على سبيل المثال أن للقط أرواحا كثيرة، وكانت هند لا تعتقد ذلك، فإن ما قد يبدو للوهلة الأولى مشتركا بينهما – اعتقادهما معا، مثلا، بأن القطط أليفة- لا يكون كذلك في الواقع، لأن محتوى الاعتقاد متباين بمقتضى إسنادهما معنيين مختلفين إلى لفظ "القط". ويترتب على هذا الاختلاف امتناعُ قيام الترجمة بين لغة أحدهما ولغة الآخر، بل حتى إسناد الواحد منهما اعتقادات إلى الآخر سيكون إسنادا باطلا، لأن إطلاق العبارة المفيدة للاعتقاد ونسبتها إلى الآخر يكون إطلاقا ليس في محله، ونسبة ليست صحيحة، بسبب تباين المعنى المترتب على عدم الاشتراك في كل الاعتقادات. ولا يمكننا والحالة هذه أن نتحدث عن إمكان قيام تواصل ناجح بينهما. وإذا صح هذا، لن يكون بإمكان أحد من الناس أن يمسك بمحتوى كلمة أحد غيره أو فكرته.

لكن الأدهى من هذا كله هو أن المشكل يواجه الشخص نفسه في علاقته بماضيه. فبما أن مجموع اعتقاداتنا لا تكف عن التغير والتجدد، فإن صاحب الموقف الشمولي سيُضطر إلى القول إن معاني حدودنا كلَّها ومحتوياتِ اعتقاداتنا جميعَها لا تكف هي أيضا عن التغير والتجدد. فلا يمكن للترجمة أن تكون ممكنة حتى بين لغة الشخص في وقت معين، ولغة الشخص نفسه في وقت معين آخر. بل إن الشخص سيتخطى المقصود وهو يسند إلى نفسه اعتقادا معينا اليوم كان يعتقده أو يؤمن به في الماضي.