15‏/02‏/2019

باليبار: ديريدا كانطي الميل



"[بخصوص مفهوم الغاية (telos)] كنتُ دائما أقول لديريدا 'إنك في العمق كانطي النزعة'. وكان يرد قائلا: 'لا، لستُ كذلك أبدا'. على كل حال يلوح لي أن هناك شيئا ما مشتركا بينهما !".

إتيان باليبار

Entretien avec et entre Étienne Balibar et Ernesto Laclau in Rue Descartes, 2010/1 n° 67, p. 78-99. p. 85




تعقيب:

هذه ملاحظة عارضة، لكنها على درجة من الأهمية عالية بالنسبة إلى المهتمين بديريدا، وردت في ثنايا حديث باليبار مع إرنيسطو لاكلَو حول كانط. الإشكال الذي يشير إليه باليبار هو أن خطاب كانط المتصل بالسياسة ينطوي على ازدواج جعل الذين أتوا بعده يذهبون في الرأي مذهبين اثنين: مذهب تبنى أطروحات كانط المعروضة في نقد ملكة الحكم، ومذهب تبنى أطروحاته المعروضة في نقد العقل العملي. المذهب الأول نجده ممثلا في أعمال ليوطار ولوبران وأيضا في أعمال حنا آرندت، وهو اليوم بارز في أعمال رانسيير بكيفية أكثر وضوحا، وهذا الاتجاه عمق ما سماه كانط بالمشترك أو الحس المشترك، وهو لا يتعدى مستوى التخييل ليرقى إلى مستوى الفكرة. رانسيير، الذي يشير إليه باليبار في حواره مع لاكلو، يسمي هذا المستوى الذي على أساسه تقوم الجماعة بتقاسم المحسوس (partage du sensible). وعلى أساس هذا المفهوم الكانطي للحس أو للمحسوس، إذا حصرنا الأمر في الجانب السياسي، تُحدَّد الأصوات التي يجب أن تُسمع، وتلك التي يجب أن لا تسمع، الصور التي يجب أن تظهر وتلك التي يجب أن تختفي، المُؤهِّل الذي يقود إلى اعتلاء هذا المنصب وذاك الذي يؤدي إلى اعتلاء ذاك...وهكذا. عموما تصبح السياسة هنا سياستين: الأولى هي التي يسميها رانسيير بالتدبير (Police) وتعني الحفاظ على صيغة تقاسم المحسوس كما هي والدفاع عنها وتسويغها؛ والثانية وهي التي تسمى عنده سياسة بالاسم (Politique) وتشير إلى طرق التدخل في صيغة تقاسم المحسوس القائمة ومناهضتها والتوق إلى تغييرها. بما أن مفهوم الحس المشترك يظل في نطاق المستوى التخيلي البعيد عن كونه فكرة واضحة المعالم، فإننا لا نكون بإزاء غاية محددة يتجه إليها التغيير أو إعادة تقسيم المحسوس من جديد (لقد شرحت هذه الأمور بتفصيل أكثر في مقالي عن رانسيير وهابرماس ضمن كتاب الماركسية الغربية وما بعدها 2014، ص 275- 304).
الاتجاه الذي يتبنى أطروحات كانط في نقد العقل العملي، وهو الاتجاه السائد أو الغالب، الغاية عنده كما هي عند كانط في هذا الكتاب مرسومة سلفا، تسير في اتجاهها أو نحوها الإنسانية باستمرار، لكنها غاية لا تقبل التحقق في الواقع وتظل دائما في حكم الآتي الذي لا يأتي. ديريدا يندرج حسب باليبار ضمن هذا الاتجاه. والراجح أن باليبار في ذهنه نصوص كثيرة ينحو فيها ديريدا هذا النحو الغائي. ويمكن العودة هنا إلى مقال ديريدا (قوة القانون) الذي يبرز فيه بوضوح موقف ديريدا بهذا الخصوص. ففي هذا المقال نجد على سبيل المثال تمييزا دقيقا بين القانون والعدالة، وهو تمييز يتطابق في نظر ديريدا مع الاختلاف القائم بين صورتين للمفهوم: صورة مشروطة وصورة غير مشروطة. فالقانون، الذي يكون بطبيعته خاضعا للشروط التاريخية ويكون لهذا السبب ذاته مفتوحا على التعديل والمراجعة والتغيير، يكون متعارضا مع العدالة؛ لأن العدالة تمثل الأساس الذي باسمه يعدل القانون ويراجع، أي أن العدالة تبقى لهذا السبب شأنا غير مشروط وغير قابل للتفكيك من الناحية الجوهرية. العدالة إذا نحن تأملنا الأمر مليا تتجلى في التطبيقات الخاصة للقانون، وتتجلى بكيفية مفارقة أيضا في التعديلات والتغييرات التي تلحقه. لكن تجربة العدالة من حيث إنها كذلك، أي في جوهرها، لا تتجلى لا في التطبيقات الخاصة ولا في التعديلات. العدالة من حيث إنها كذلك، على افتراض وجودها، تظل موضوعا مستحيلا على التجلي والمثول في التجربة. لهذا السبب عندما يتجه التفكيك إلى العدالة لا يتجه إليها إلا من جهة كونها تجربة غير قابلة لكي تكون تجربة، أو لا يتجه إليها إلا من حيث إنها تجربة المستحيل. غير أن المستحيل في هذا السياق لا يكون سلبيا كما يمكن أن نتصور، بل يكون هو ذاته المنبعَ الذي يأتي منه كل ممكن...

10‏/02‏/2019

الأخبار الزائفة



هذه ترجمة سريعة للحلقة الثالثة من السلسلة القصيرة (كيف تشاهد الأخبار) التي يقدمها الفيلسوف سلافوي جيجيك (Slavoj Zizek) على قناة روسيا اليوم. تتناول الحلقة قضية الأخبار الزائفة أو الكاذبة..

قبل بضعة عقود، أيام الحرب الباردة، لم يكن لدينا شيء آخر غير الأخبار الزائفة. بيد أن هذه الأخبار كانت، إذا شئتم، مندمجة اندماجا كليا فيما يمكن أن نسميه بالسيطرة التي تمارسها الإيديولوجيا الحاكمة. كانت للاتحاد السوفياتي، أعني الكتلة الشرقية، صيغته في الأخبار الزائفة، وكانت للغرب الليبرالي صيغته أيضا. ربما كانت صيغة هذا الأخير أفضل من الأولى، لكنها تظل في صميمها مع ذلك صيغة في الأخبار الزائفة هي أيضا.
ما ميز تلك الحقبة هو أن الأخبار الزائفة كانت مراقَبَة. قضية الأخبار الزائفة كانت قضية إيديولوجية عظيمة الشأن بالنسبة إلى الدولة.. كانت باختصار قضية دولة. ما يثير استياء الناس اليوم هو الطابع المنفلت للأخبار الزائفة وغير القابل للمراقبة: يمكنك في هذا الصدد أن تطلق إشاعة من موقع في الإنترنت وترى ما سيقع بعد ذلك... هذه هي ملاحظتي الأولى: إن هؤلاء الذين يكافحون الأخبار الزائفة هم في واقع الأمر مستاؤون من تفشيها المتعدد الذي لا يمكن مراقبته. يمكن لأي كان أن يدعي بأن الإنسان لم يصعد إلى القمر، وأن الأمر مجرد كذبة أمريكية؛ ويمكن للآخر أن يجزم بأن غاغارين لم يصعد إلى الفضاء.. علينا ألا ننسى أن الحرية في إطلاق الأخبار الزائفة هذه كانت دائما تمارسها الإيديولوجيات المسيطرة في الفضاء العمومي بكيفية مكثفة حتى قبل الحرب الباردة.
الملاحظة الثانية هي أن ما يهاجمه منتقدو الأخبار الزائفة عموما هو ما يسمى بالنزعة ما بعد الحديثة، أي النزعة التي تنفي وجود حقيقة موضوعية، وتقضي بأن الحقيقة أمر نسبي، خاص ومتصل بوضع بعينه، وبعدم وجود حقيقة مجردة مستقلة، أي النزعة التي تؤكد بخصوص محرقة اليهود مثلا أن هذه المحرقة ليست إلا بناء لغويا خطابيا يتعين علينا ألا نحوله إلى صنم...الخ. بالطبع، نستطيع أن نقول عن بعض الأشياء إنها أشياء وقعت بالفعل دون أدنى مواربة، كأن نقول مثلا: الغولاغ وُجِد بالفعل، المحرقة حدثت بالفعل، وكذلك أحداث أخرى فظيعة حدثت بالفعل كالفظائع التي ارتكبها الغرب في المستعمرات في الهند والكونغو...الخ. لكن المشكل ليس قائما هنا، بل في المقلب الآخر. عندما نتكلم عن التاريخ [الماضي]، لا نُضَمِّنُه أبدا الوقائع التي حدثت كلَّها، ننطلق من تصور تاريخي نبنيه ثم بعد ذلك نتعامل بكيفية انتقائية مع المعطيات، أي مع الأحداث التاريخية التي وقعت بالفعل.
أعطيكم هنا النزعةَ المضادة للسامية مثالا على هذا. أستطيع أن أتخيل (وأظن أن هذا حدث بالفعل) أحدا يؤلف كتابا عن التأثير الذي مارسه اليهود في ألمانيا قبل أن يتسلم هتلر السلطة. وأستطيع أن أتصور أن كل المعطيات التي يوردها هذا الكاتب في الكتاب صحيحة. فمثلا نِصْف نقاد الفن كانوا يهودا، معظم المشتعلين في القطاع المصرفي وفي الصحافة كانوا يهودا... الخ. كل هذه المعلومات صحيحة، ولا وجود لأخبار زائفة في هذه المعطيات، لكن النية المضادة للسامية توجد سلفا فيما قيل. وهنا يوجد الحد الذي لا يستطيع مهاجمو الأخبار الزائفة أن يتخطوه. إنهم لا ينتبهون إلى أن المشكل الحقيقي لا يوجد في تزوير الحقائق. يمكن لكل الوقائع التي توردُها في تقريرك أو بلاغك أن تكون حقيقية وصحيحة، ويكون مع ذلك بلاغك كاذبا. السبب في ذلك يكون عائدا إلى الطريقة التي تنتقي بها من مجموع الأخبار الصحيحة بعض الأخبار دون أخرى. 



ما يجب أن نسلم به إذن هنا هو أن الوقائع تُحلل دائما وتُنتقى من منظور بعينه. وهكذا تكون أخطرُ الأخبار الزائفة هي تلك التي تقوم على أساس الوقائع الصحيحة. إنها الأخطر لأنها الأكثر نجاعة. وأريد أن أستشهد فيما يلي بإحدى جمل جاك لاكان، المحلل النفسي الفرنسي الذي كان معلمي. فقد ذكر في أحد مؤلفاته مفارقة لطيفة، ردَّدتُها مرارا في أحاديثي، تتصل بالزوج الذي يعاني غيرة مَرَضية في علاقته بزوجته، ويشك في أنها تخونه مع رجال آخرين. يقول لاكان: حتى لو ثبت أن شكوكَه صحيحةٌ وأن زوجتَه تخونه فعلا مع رجال آخرين، فإن غيرته تظل مع ذلك مَرَضية. الأمر الهام هنا لا يخص ما هو صحيح وما هو كاذب، بل لماذا احتاج هذا الزوج لكي يحافظ على هويته ويتماسك في شخصيته إلى هذه الغيرة. الغيرة هي التي تحدد هويتَه ومَنْ يكون. الحال هنا شبيه بما يحصل في النزعة المضادة للسامية. فالمشكل في هذه النزعة لا يقترن بما إذا كان اليهود فعلا كما وُصفوا، بل المشكل قائم في الداعي إلى رواية التاريخ بهذه الطريقة. نرى هنا بوضوح حدود هذه النزعة الوضعية التي يظن أصحابها أنهم يذكرون الوقائع كما هي بالضبط. لا، كل تأويلاتنا وأساليبنا في كتابة التاريخ..الخ لا يهم فيها مقدار استنادنا إلى الوقائع، المهم فيها هو أننا ننظم الوقائع وننسقها على منوال بعينه.
أعتقد أيضا، بكيفية ساذجة، أننا نستطيع تنظيم الوقائع بطريقة كاذبة كما نستطيع تنظيم الوقائع ذاتها بطريقة صادقة. وهذا ما نميل إلى نسيانه اليوم. لهذا السبب يُعد هذا النقاش حول الأخبار الزائفة نقاشا مُميِّزا للوضع الصعب والمربك الذي نحن فيه. لكنكم تعرفون ما أخشاه أكثر. ما أخشاه هو ما يُخْفيه هذا الخوف من الأخبار الزائفة. إن ما يُخْفيه ليس الرغبة في الحقيقة، بل كما كان عليه الحال فيما قبل، هذا الهوس بالأخبار الزائفة يُخفي رغبة في الكذب الذي يكون الكل عارفا بأنه كذب، ولا يكون ثمة شيء آخر غيره، أي يكون إجباريا لا خيار لنا غيره. إن الذين يهاجمون الأخبار الزائفة لا يبالون حسب رأيي بالحقيقة. ما يقلقهم هو غياب فضاء يتسع لقيام إيديولوجيا واضحة وإجبارية وتراتبية. وهذا –لعمري- هو الجانب الجيد في قضية الأخبار الزائفة. إنها تجعلنا واعين أن فكرتنا عن الحقيقة فكرة تحكمية في الغالب الأعم.
لاحظتُ كيف يَتَّهِم اليسارُ الليبرالي اليمينَ البديلَ (المتطرف) ويؤاخذه على نشر أخبار كراهية تتعلق بجرائم المهاجرين ومضادة للسود والمكسيكيين في الولايات المتحدة. لكن يجب أن نقول أيضا إن المحافظين من جانبهم يشيرون هم أيضا إلى الكيفية التي يعمد إليها الليبراليون، مضادو العنصرية ومؤيدو النزعة النسائية، ليتلاعبوا بالأخبار الزائفة عن وعي وتصميم. إذا حصل أن قتل متعجرف ذو بشرة بيضاء أحد الأشخاص من ذوي البشرَة السوداء، يكون الأمر (بالنسبة إلى اليسارالليبرالي) داخلا في باب العنصرية الفظة. وإذا قتل مسلم شخصا من البيض، يسعى اليساريون الليبراليون أن يجدوا له عذرا فيقولون: يجب أن نتفهم الأمر.. القاتل ضحية الاستغلال. رأيي هنا هو الاعتراض: لا، لا.. يجب علينا ألاّ نلعب هذه اللعبة. من الحاسم للغاية هنا ألا نقلد بعض المحافظين المسيحيين الأمريكيين فيما يعدونه "كذبا من أجل المسيح" (الكذب التقي)، أي الكذب من أجل قضية نبيلة سامية. ضمن هذا الكذب التقي يُسمح عندهم بالإتيان بالكذبة الصغيرة أو بالتغاضي عن التصريح بالحقيقة. المثال النموذجي للأخبار الزائفة عند المحافظين ادعاؤهم أن نسبة تعرض النساء المرضعات لسرطان الثدي أقل منها عند غيرهن من اللائي لا يرضعن. إنهم يخدعوننا هنا، لكن الطرف الليبرالي المقابل يخدعنا هو الآخر كذلك. لا فائدة إذن من اتهام اليمين بالكذب، اليسار الليبرالي يفعل ذلك أيضا.


29‏/12‏/2017

رانسيير وهابرماس ومسألة اللغة


رانسيير
يذهب رانسيير إلى إننا لا نستطيع أن نستخلص حلولا سياسة من معطيات أنثروبولوجية.. لا نستطيع أن نستخلص مثلا من المعطى القاضي بأن الناس يشتركون في حيازة اللغة نتيجةً تقضي ببناء سياسة ديمقراطية على المهارات التواصلية، كما يرى ذلك هابرماس..

تعقيب كان في الأصل جوابا عن استفسار


فكرة رانسيير (Jacques Rancière) هنا تقضي بأن مسألة الديمقراطية أعقد من مجرد اشتقاقها من القدرة اللغوية (تشومسكي) أو حتى من القدرة التواصلية (هايمز). هابرماس يعول على هذا المستوى اللغوي ويبني نظرية في الديمقراطية عليه ويسميها بـ 'الديمقراطية التشاورية'، وهذا ما ينتقده رانسيير. غير أننا يجب أن نشير إلى أن رانسيير يعول هو أيضا على اللغة ، لكنه يبني عليها أطروحة في المساواة ويقف عند هذا الحد ولا يتعداه؛ أي أنه يجعل من القدرة على الكلام بمعناها الأنثروبلوجي (وليس السوسيولوجي كما يلوح من تعليقك. رانسيير لا يُدخل مسألة التعدد اللغوي في تحليله، لأن الذين يتكلمون لغات مختلفة بسبب وجودهم في مجتمعات مختلفة أو انتمائهم إلى جماعات مختلفة في المجتمع نفسه، هم متكلمون من الناحية الأنثروبلوجية في النهاية !) أمرا نتساوى فيه جميعا بغض النظر عن اختلاف ألسنتنا. عند هذه النقطة ينتهي تأثير اللغة في أونطولوجيا رانسيير السياسية، أي عند إثبات المساواة مبدأ كونيا. مسألة الديمقراطية عنده تتدخل فيها أمور أخرى من بينها (حتى نبقى في مجال اللغة، لأن الحديث يطول في الأمور الأخرى) الاعتراض على النحو الذي ربطت به الأسماء بالمسميات في العرف اللغوي، وعلى من له الحق في أن يسمي...الخ. من المساواة في الكلام يشتق رانسيير الحق في الكلام بطريقة أخرى عما تكلم عنه الآخرون بطريقتهم. اللغة في نظره تتراكم فيها معان تدفع نحو الإجماع/ الإذعان. لهذا ليس غريبا أن يكون فكر هابرماس فكرا مهووسا بالتفاهم والإجماع. يجب أيضا أن تلاحظي أن هابرماس شديد الحذر من خلط اللغة الشعرية الاستعارية واستعمالها في مجال السياسة والأخلاق والقانون (انظري كتابه: خطاب الحداثة الفلسفي) لماذا؟ لأن اللغة الشعرية (الأدب عموما) تأتي إلى الأشياء التي سبق لها أن سُميت وإلى الأوضاع التي سبق لها أن وُصفت وحُددت فتعيد تسميتها ووصفها وتحديدها بطرق أخرى غير متوقعة. اللجوء إلى لغة شعرية في مجالات كالسياسة والقانون والأخلاق يحول بالنسبة إلى هابرماس دون الوصول إلى التفاهم والإجماع، لهذا انتقد المفكرين الفرنسيين (ديريدا فوكو ليوطار...الخ) الذين ينحون هذا النحو في التفلسف السياسي. رانسيير سليل هؤلاء وسليل ألتوسير أيضا. يرى مثلهم، بل أكثر منهم، أن الديمقراطية تنهض على النكير والمنازعة لا على السعي إلى الإجماع الذي تضمنه لغة سُكت ألفاظها وتحجرت وأصبحت لا تدل إلا على المعاني التي تقود إلى الإذعان. الأمور الأخرى التي يبني عليها رانسيير أونطولوجياه السياسية يمكن العودة فيها إلى كتابه (La mésentente) منشورات غاليلي، باريس 1995.   
هابرماس

10‏/11‏/2017

مصدر الشرعية عن هابرماس



يورغين هابرماس
"... السبب الفلسفي الآخر الذي يحثنا على اختيار المقاربة النظرية المبنية على الخطاب يتصل بحل المفارقة التي ولّدها نمطُ الشرعية الذي سماه ماكس فيبر بـ 'حكم القانون' [أي الشرعية القانونية]: فكيف أمكن للشرعية أن تنبثق من مجرد القانون؟ ما الذي يضفي الشرعية على نسق قانوني وضعي خالص إذا كان كلُّ ما يعد قانونا إنما يجري إنتاجُه استنادا إلى مساطر مُرمَّزة في إطار وضعي؟ الجواب الذي تعرضه النزعة القانونية الوضعية عن هذا الأمر هو الرجوع إلى قاعدة أساسية عرفية أو اعتباطية واتخاذُها أساسا يقوم عليه النسق القانوني؛ أما جواب القانون الطبيعي فيَستند، على عكس الجواب الوضعي، إلى امتيازِ إمكانِ التوصل إلى معرفة القوانين الصالحة من غير الصالحة إما لكونها ترسو على أساس كوسمولوجي وإما لأنها تستند إلى أساس ثيولوجي. التفسير الإرادوي [ أي النزعة الوضعية] لا يلتفت إلى المحتوى المعرفي الذي يقوم عليه الاعتقاد في الشرعية، أما التفسير الطبيعي لأساس القانون فيتأسس على الرؤى الميتافيزيقية إلى العالم التي لا يمكن أن تكون مُقْنعة لكل الناس في مجتمعات تمتاز بالتعددية. في مقابل المقاربتين [الوضعية والطبيعية] تعمد نظرية الخطاب إلى رد قوة الشرعية إلى العمليات الديمقراطية نفسها التي يجري في إطارها تشكيل الرأي وتكوين الإرادة.... فالمصدر المعياري الذي تنساب منه الشرعية في هذا التصور الذي تعرضه نظرية الخطاب هو التأليف بين إدماج كل أولئك المعنيين بالنسق القانوني والمتأثرين به والطابع التشاوري الذي يوجه بناء آرائهم وتكوين إرادتهم".





Jurgen Habermas. The Lure of Technocracy. Polity Press, 2015, p. 47-48

29‏/10‏/2017

أنا الآن مشغول بأن أجعل الأمر أكثر إرباكا




بيكاسو وفرانسواز جيلو

"سألتُه [بيكاسو] عما إذا كان يرى أن الأخضر يعثر على توازنه عند امتزاجه بالبنفسجي. فأجابني قائلا


' ليس المشكل قائما ههنا. لا أريد أن أعرف ذلك. فأنا لا أسعى إلى أن أجعل هذا المقترح الأولي الذي أنا بصدده أكثر انسجاما. أنا الآن مشغول بالضبط بأن أجعل الأمر أكثر إرباكا. بعد ذلك سأشرع في البناء- من دون أن أسعى وأنا أبني إلى خلق الانسجام. سأجعله أشد ارتباكا وأكثر دمارا. المسألة هنا، كما ترين، أشد التصاقا بالغريزة منها بشيء آخر [...] المشكل هو كيف لي أن أعيد ترتيب هذا المقترح؟ كيف لي، من دون أن أقوضه تماما، أن أجعله أكثر دمارا؟ كيف لي أن أجعله فريدا –لا أقصد هنا أن أجعله جديدا فقط، بل أن أجعله مختصرا أشد الاختصار وممزقا كلَّ مُمَزق. ترين إذن أن الصباغة بالنسبة إلي فعل درامي، فعلٌ يعثر فيه الواقع على نفسه وقد أصبح مفككا. هذا الفعل الدرامي يحظى عندي بالسبق على كل ما عداه من الاعتبارات الأخرى. الفعل التشكيلي الخالص لا يعدو أن يكون شيئا ثانويا بالنسبة إلي. ما يُهِمُّني في المقام الأول هو دراما الفعل التشكيلي نفسها، أي اللحظة التي يخرج فيها الكون عن ذاته أو طوره ويعثر رأسا على دماره' ".


Francoise Gilot & Carlton Lake. Life With Picasso. McGraw-Hill Book Company (1964), p. 59

عن مفهوم 'اليسار'



يري ميشيا، في نطاق نقده مفهوم 'اليسار'، أن الاستعمال المنهجي لاصطلاح 'اليسار' لا نعثر عليه عند ماركس في السياسة بل في الفلسفة (التمييز بين اليمين الهيجلي المدافع عن 'النسق' واليسار الهيجلي المدافع عن 'المنهج'). ويرى ميشيا في هذا السياق أن ماركس وإنجلس لم يُعرِّفا نفسيهما سياسيا بإنهما يساريان (يصدق هذا أيضا على الشخصيات البارزة المؤسسة للحركة الاشتراكية والفوضوية). ففي نظر ماركس وإنجلس- خصوصا حين كانا يعمدان إلى استعمال لغة يسار/ يمين التي تعود في أصولها إلى القاموس البرلماني كما أوضح ذلك دي توكفيل في مذكراته سنة 1850- كان اليمين يدل على مجموع تلك الأحزاب التي يفترض فيها تمثيل مصالح الأرستقراطية الزراعية (المتناقضة أحيانا) والدفاع عن التراتبية التي تفرضها المسيحية الكاثوليكية. أما اليسار من جانبه فكان شديد الانقسام، وكان يشكل نقطة تلاق سياسية لفصائل وشرائح مختلفة من الطبقة المتوسطة، والتي تمضي من البورجوازية الصناعية والليبرالية الكبيرة إلى البورجوازية الصغيرة الجمهورية والجذرية التي كانت لا تزال آنذاك متأثرة بالتراث اليعقوبي. أما الحركة العمالية الاشتراكية – بالنظر إلى كونها كانت ملزمة بمقاومة الهيمنة الفيودالية وسطوة الرأسمال- فظلت دائما محافظة على استقلالها السياسي والتنظيمي إزاء المعسكرين معا (وهو الموقف الصعب الذي استمر عليه النقابيون الثوريون حتى الحرب العالمية الأولى). 



Jean-Claude Michéa. Les mystères de la gauche : De l'idéal des Lumières au triomphe du capitalisme absolu . Climats 2013


غادامر والسياسة (مراجعة مختصرة)- مصطفى الحداد

مراجعة مختصرة لكتاب دارين والهوف:



Darren Walhof. The Democratic Theory of Hans-Georg Gadamer. Palgrave-Macmillan 2017. 156 pages


توجد أسباب كثيرة حالت ولا تزال دون تعويل الباحثين على الفيلسوف هانز جيورج غادامر في مجال النظرية السياسية. الراجح أن هابرماس وديريدا في نقاشيهما الشهيرين، كل على حدة، مع غادامر رسخا الاسترسال في غض الطرف عن أعمال هذا الأخير في مجال النظرية السياسية. فهيرمنوطيقا غادامر الفلسفية تبلورت في اشتباك نقدي مع أفكار فلاسفة التنوير. إنها هيرمنوطيقا محافظة، أو هكذا تبدو، في جوانب كثيرة منها بسبب تعويلها على التراث أو التقليد ونقدِها أفكارَ الأنوار.

فكر الأنوار، في نظر غادامر، ورط الناس في ثنائية العقل والتراث المغلوطة، وحثهم على ألا يطمئنوا إلا إلى الأمور والحقائق التي يمكن البرهنة عليها بمناهج موضوعية ومحايدة. وعلى العكس من هذا، دافع غادامر عن أن الإنسان لا يمكن أن يهرب أو يتخطى اندارجه في التاريخ. فالمسبقات التي ورثناها عن التراث تُكَيف سلفا رؤيتنا إلى العالم، وتعد في نهاية المطاف الشرط الذي لا يمكننا أن نتلافاه في كل فهمٍ نَبْنيه. هناك أفقان يتشابكان ويمتزجان عندما نسعى إلى الفهم: الأفق الذي يندرج فيه الشيء المراد فهمه (النص، الحدث التاريخي، العمل الفني، موضوع النقاش...الخ)، والأفق الذي تندرج فيه الذات الساعية إلى الفهم. من هذه الزاوية لا يكون الفهم نتيجة منهاج محايد أو موضوعي، بل يكتسي الفهم هنا طابع الحدث الذي يَحصُل تَلقائيا في وعينا، الحدث الذي يحصل كالشرارة جراء اشتباك الآفاق وامتزاجها.

على الرغم من إلحاح غادامر، في نظريته عن امتزاج الآفاق، على الطابع اللغوي الذي يميز الوجود الإنساني، وهو ما يوافقه عليه هابرماس، يرى هذا الأخير أن غادامر لم يُعنَ أو بالأحرى لم يلتفت إلى أن اللغة ذاتها يمكن أن تكون إيديولوجية، مما يستدعي مراجعتها باستمرار وإخضاعها على الدوام للفحص النقدي، وهو ما تفتقر إليه أعمال غادامر. ديريدا من جانبه رأى أن تصوير الفهم عند غادامر بوصفه تداخلا أو مزجا بين الآفاق أخفى عنه إرادة القوة التي يمكن أن تحركَ الذات وتدفعَها إلى أخذ الآخر كما لو كان مجرد أداة في يد هذه الذات الساعية إلى الفهم، وهو ما يعني أن غادامر ينزع عن الآخر غيريته المميزة. هيرمينوطيقا غادامر بالنسبة إلى هابرماس وديريدا، تظل باختصار، عاجزة عن أن تكون موطأَ قدمٍ صالحاً لنقد الممارسات اللغوية والإيديولوجية والسياسية القائمة. من هذا الباب انصرف الباحثون المشتغلون بالنظرية السياسية وبقضايا الديمقراطية عن أعمال غادامر وتركوها وراء ظهورهم.

يرى والهوف، في كتابه الذي نحن بصدده، أن هناك باحثين اثنين تناولا غادامر من منظور سياسي: فْريد ديلماير، وجورجيا وارنْكي. الأول استثمر في كتابيه (وراء [أو بعيدا عن] الاستشراق (1996)) و (التعددية الشاملة (2010)) مفهوم غادامر عن امتزاج الآفاق ليعالج استنادا إليه العلاقات أو المحاورات العابرة للثقافات، كما استثمر في كتاب آخر (الرؤى البديلة (1998)) مفهوم التكوين أو التربية (Bildung) الغادامري ليشرح الصلة القائمة بين الثقافة والتنمية الاقتصادية. (لا يذكر والهوف كتاب ديلماير (الديمقراطية الآتية. المنشور ضمن مطابع أوكسفورد الجامعية 2017) لكونه حديث الصدور حيث يواصل فيه ديلماير استثماره لغادامر ويوسع من نقاشه للرؤى البديلة ليتناول جانبا من الفكر العربي. انظر الفصل الرابع من هذا الكتاب الذي خصصه لمحمد عابد الجابري ص 82- 102). أما وارنكي فاستلهمت أفكار غادامر لإلقاء الضوء على عدد من القضايا تخص السياسات الداخلية. ففي كتابها (الاختلافات المشروعة (1999))، استثمرت أفكار غادامر عن الفهم لتستدل على أن الخلافات التي تنشأ عن نقاش عدد من القضايا الاجتماعية الشائكة (الإجهاض، البورنوغرافيا، التمييز الإيجابي، تأجير الأرحام) هي في الأساس خلافات تأويلية وليست مبدئية. في كتابها الثاني (ما بعد الهوية (2008)) استندت إلى مجموعة من الدراسات التي تناولت فيها حالات مخصوصة لتدافع عن مقاربة تأويلية بالمعنى الغادامري لمسألة الهوية.

والهوف في كتابه هذا يواصل ويوسع هذا النهج الذي شرعه ديلماير ووارنكي في استثمار أفكار غادامر في التنظير السياسي. إنه يوسعه لكونه يرى أن أفكار غادامر، إذا أُحسِن استثمارها، تَعرض مقاربة فريدة لمسألة الديمقراطية. ويدافع عن رأيه هذا باصطناع مواجهة حوارية شيقة بين الأعمال السياسية التي تناولت الديمقراطية وأعمال غادامر. ويتميز الكتاب بكونه يوظف أعمال غادامر كلها تقريبا: أعماله الأولى عن أفلاطون وأرسطو، كتابه الرئيس (حقيقة ومنهج) الذي طور فيه هيرمينوطيقاه الفلسفية، نقاشه الخلافي مع كل من هابرماس وديريدا، وكذا أعماله الأخيرة وخطاباته عن العلم، والتكنولوجيا، والعقل، والتضامن، والصداقة. إن والهوف يصطنع في كتابه الهام هذا نوعا من تشابك الآفاق وامتزاجها بين فكر غادامر والاتجاهات المعاصرة في التنظير للديمقراطية.

07‏/01‏/2016

نيتشه والإسلام



ف. نيتشه
كان نيتشه شغوفا جدا بالنظر إلى أوروبا وإلى حضارتها من مواقع أخرى غير أوروبية تسمح له بقياس مقدار اختلاف أوروبا عن غيرها، وتخطي ما كان يسميه بقصر النظر الناجم عن الخرَف (greisenhaften Kurzsichtigkeit) الذي أتى على معظم الأوربيين وكاد أن يذهب بأبصارهم. في هذا السياق كان نيتشه شديد الإقبال على قراءة ما كانت تُصدره الجماعة الاستشراقية من كتب ومصنفات عن الحضارات الأخرى وخصوصا الحضارة الإسلامية. الملاحظات المتفرقة التي سجلها عن الإسلام مفيدة جدا على الرغم من أنها يمكن أن تبدو اليوم غريبةً ولافتة. بل إنه كان يتطلع بشوق إلى زيارة البلاد الإسلامية والإقامة فيها فترة من الزمن تكون كافية لفهم الحضارة الإسلامية فهما يجعل تقويمه أو نقده المقارن للحضارة الأوربية نقدا مُؤسَّسا وذا معنى. فكَّر مرة في الإقامة بالمغرب (راجع إلموند 2007: 58)، وفكر مرة أخرى في الذهاب إلى تونس أيضا. يُستشف عزمه هذا على الذهاب إلى تونس من رسالة كتبها إلى صديقه (Köselitz) سنة 1881، يطلب فيها منه أن يتصل برفيقه القديم (Gersdorff) ويسأله عما إذا كان يريد أن يرافقه للعيش في تونس لمدة عام أو عامين (راجع: إلموند 2007: 8). الهدف الذي كان نيتشه يصبو إليه من الإقامة في تونس عبر عنه قائلا: "أريد أن أعيش بين المسلمين فترة من الزمن طويلة، هناك على وجه الخصوص حيث تكون عقيدتهم أكثر ورعا ونقاء. بهذه الطريقة أتوقع أن أخفف من تقويمي ومن نظرتي إلى كل ما هو أوروبي" (راجع نيتشه، ضمن جاكسون 2007: 16). الغاية من الزيارة لا تندرج، كما رأى بعض الباحثين المتسرعين، في الافتتان الساذج بالإسلام بل في توظيف فهمه والمعرفة به من أجل غاية أوروبية خالصة هي: تسديد النقد للحضارة الأوروبية. ما قاله نيتشه عن الإسلام قاله أيضا عن اليابان وحضارتها. لقد كان يبحث عن 'خارج' يُقيم فيه مؤقتا لكي يبني فهما متوازنا لحضارته...


Almond, Ian. The New Orientalists: Postmodern Representations of Islam from Foucault to Baudrillard. I. B. Tauris. (2007).

Jackson, Roy. Nietzsche and Islam. London: Routledge. (2007).