28‏/12‏/2006

حوار حول كتاب اللغة والفكر وفلسفة الذهن


حوار مع الأستاذ مصطفى الحداد حول كتابه

اللغة والفكر وفلسفة الذهن. منشورات جمعية الأعمال الاجتماعية والثقافية لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان. المغرب. 1995.

ملحق جريدة الجسر الثقافي، الصفحة 2، العدد السادس والثلاثون سبتمبر 1996.

بمناسبة صدور هذا الكتاب التقينا بالأستاذ مصطفى الحداد، فكان لنا معه الحوار التالي:

سؤال: الأستاذ مصطفى الحداد، نود في البداية أن نسألك سؤالا، ما هو إشكالك المركزي في الكتاب؟

جواب: هناك في الكتاب إشكالان مركزيان: الأول معرفي صرف، والثاني منهجي، أو سجالي على الأصح. ففيما يخص الإشكال المعرفي وضعته في مقدمة الكتاب على النحو الآتي: "ما طبيعة الفكر؟". لكن على الرغم من وضوح هذه الصيغة من الجهة اللغوية، بدا لي أن العمل أو البحث انطلاقا منها يقود الباحث، أيا كان، إلى الوقوع في مزالق شتى؛ لأن السعي إلى معالجة إشكال موضوع ضمن هذه الحدود العامة يستلزم استقراء واستقصاء كل ما قيل عن الفكر على الأقل منذ أفلاطون. لم يكن غرضي في الكتاب إجراء بحث وَفق هذا النهج الشمولي. ولا أعتقد أن أحدا يستطيع اليوم سلوك هذا النهج في بحث أي موضوع. لذلك عملت على تقييد هذا الإشكال من الجهة التاريخية، فأعدت صوغة على النحو الآتي: "ما طبيعة الفكر اليوم؟" وإذا كانت هذه الصيغة بدورها تثير مشاكل لا تقل عسرا (كالمشاكل المتصلة بالاختلاف القائم بين تقاليد البحث التي تعالج سؤال الفكر اليوم) فإنها تمتاز عن الصيغة العامة الأولى لكونها تُنسِّب سؤال الفكر وتحشره في التاريخ، أي تجعل الباحث لا ينظر إلى "الفكر" بوصفه شيئا قائما أو مستقرا في خارج مطلق، بل بوصفه يحيل على مجموع الأقوال التي قيلت عنه. لهذا السبب حصرت إشكال الكتاب ضمن نمط خاص من القول على الفكر هو النمط الذي الذي انتجته النزعة الذهنية التي يصدر عنها (ما سماه بوتنم) معهد الماساشوسيتس بقيادة أحد أبرز مفكري هذا القرن نعوم تشومسكي.

أما الإشكال الثاني الذي وسمته بالمنهجي أو السجالي فيتصل أساسا بطريقة عرض هذا النمط الخاص من القول. فهدفي لم يكن مجرد إطلاع القارئ على ما يقوله أقطاب النزعة الذهنية لمعهد الماساشوسيتس. فالاقتصارُ على تحقيق هدف كهذا لم يكن له أدنى اعتبار لدي. وهذا أمر راجع إلى أن القارئ، كما تصورته في الكتاب وافترضته، ليس شخصا خالي الذهن، وإنما شخص مطلع من خلال الأدبيات اللسانية والنفسية والفلسفية على معظم أطروحات المعهد. فالهدف الذي كنت أسعى في تحقيقه- ولا أعتقد أنني نجحت في تحقيقه- هو وضع القارئ في السياق الفلسفي العام الذي تبلورت فيه أطروحات المعهد والكشف عن التصنيفات الأساسية التي تحيل عليها هذه الأطروحات. ولم أكن ألتفت في الكتاب إلى الأفكار، بل إلى الكيفية التي تُبنى بها الأفكار والكيفية التي يُستدَلُّ بها على الأفكار. بل إنني خصصت فصلا كاملا لرصد الكيفية التي تُدحَض بها الأفكار. وجعلتُ هذا الفصل – وهو الفصل الأخير- دائرا كله على نسف أطروحات المعهد وحججه، استنادا إلى أطروحات وحجج أخرى لا تقل وجاهة وورودا (أطروحات فيتجنشتاين وسورل وبوتنم).

ويمكن القول بصفة عامة، لم يكن هدفي في الكتاب 'التبشير' بموقف أحد أو الجزم بأفضلية تصور، بل كان هدفي التسرب إلى الفضاء الاستدلالي الذي نسجه العقل الغربي للإمساك، من خلال لحظة مواجهة، ببعض ملامح هذه الفضاء والعودة بنص مكتوب بلغة العرب الجميلة.

سؤال: نعتقد أن هناك فرقا كبيرا بين فهم المدرسة الأمريكية لأفلاطون وديكارت وبين فهم المدرسة الأوربية، على الرغم من الفرق الحاصل في هذا الباب بين المفكرين الألمان المعاصرين والفرنسيين. إذا كنتم تشاطروننا هذا الرأي، فما هي أسباب وأسس هذا الفرق؟

جواب: هذا أمر صحيح، وإن كنتُ حذرا مما قد يُفهم من "مدرسة". وأفضل الحديث عن تقاليد البحث بدل الحديث عن مدارس. أعود لأقول إن أسباب الاختلاف كثيرة ومتباينة؛ لكنني أريد هنا أن ألفت الانتباه إلى ملاحظة أساسية تخص علاقة أفلاطون بمن جاؤوا بعده إلى يوم الناس هذا. وهذا التعميم صحيح إلى حد بعيد. فجل الإشكالات التي يدور حولها النقاش في الفكر الآن، سواء أتعلق الأمر بالعلم أم بالأخلاق (بما في ذلك التربية والسياسة والقانون) أم بالفن، وردت على نحو من الأنحاء في النص الأفلاطوني. وعلى الرغم من أن الحلول التي اقترحت لهذه الإشكالات تباينت حسب المراحل التاريخية وحسب تقاليد البحث المختلفة، فإننا مع ذلك نعثر على "شيء" أفلاطوني قائم في كل هذه الحلول. ونقصد بهذا الشيء استعمالَ المفهوم. فاللجوء إلى المفهوم هو الذي يجعل الفكر بعد أفلاطون شأنا أفلاطونيا صرفا.

لقد أثرتُ هذه الملاحظة لأشير إلى نوع من الارتباط القائم بين السابق واللاحق في الفكر. وهذا الضرب من الارتباط شمولي، يتطلب الكثير من المرونة أو الرأفة في التأويل لكي يحصل استيعابه. وهذا الارتباط لا يمكن أن يُنكره إلا شخص جاحد أو قليل الاطلاع.

هناك ضرب آخر من الارتباط وهو الذي يتم بطريق القراءة النصية التي غالبا ما تكون قطاعية، كأن يضع السائل أسئلة مثل: ما المعرفة عند أفلاطون؟ أو ما الرأي عند أفلاطون؟ أو ما التربية عند أفلاطون؟ ...الخ. فلكي يعرف السائل الأجوبة، يتعين عليه أن يفحص عن نصوص أفلاطون المتصلة بهذه الأسئلة جملة جملة. وفي هذا الفحص تحصل المشاكل، لأن ذهن طالب الجواب ليس صفحة بيضاء، وإنما نسيج من التصورات والمسبقات منها ما يكون ملائما لفهم النص، ومنها ما يكون ملائما لتحريفه. وهناك مراتب في الفهم، كما أن هناك مراتبَ في التحريف. وعندما نتحدث عن الفهم والتحريف بحدود المراتب، فإننا نرمي بذلك إلى إدخال بُعد النسبية في عملية الفهم، سواء أكان هذا الفهم جيدا أم فهما محرفا. وهذا يعني أننا عندما نقرأ نص أفلاطون أو نص ديكارت أو أي نص آخر ينتمي إلى التراث فإن الأفق الذي نفكر منه لا يكون عاكسا مضمون الماضي فحسب بل يكون عاكسا أيضا حساسية العصر الذي نعيش فيه ومشروع الحياة الذي نلتزم به.

وفي هذا السياق العام يمكن القول إن تشومسكي يقرأ أفلاطون وديكارت وغيرهما من المفكرين الذين ينتمون إلى الماضي انطلاقا من تصورات ومسبقات متصلة اتصالا وثيقا بالبرنامج اللساني الذي سطره في منتصف الخمسينات ومازال يطوره إلى الآن. فالاختلافات التي تنشأ بين تقاليد البحث في فهم نصوص الماضي عموما راجعة في جزء كبير منها إلى الاختلافات القائمة بين برامج البحث التي تصدر عنها هذه التقاليد. فكلما اختلفت التقاليد التي تلتزم بها تقاليد البحث المتباينة اختلفت التصورات والمسبقات، واختلفت تبعا لها تآويل نصوص الماضي.

سؤال: رجوعا إلى ما انتهيت إليه في كتابك. هل ما ورد في خاتمة الكتاب على شكل صرخة مدوية يمثل احتجاجا على النحو الذي يسير عليه الفكر الأمريكي خصوصا؟

جواب: طبعا لا؛ لأن النحو الذي يسير عليه النمط من الفكر الذي درسته ليس خاصا بأمريكا وحدها. فالنزعة 'العلموية' المتطرفة توجد ممثلة بنسب متفاوتة في كل ربوع الكوكب الذي نعيش فيه وفي كل الميادين. وقد حاولت في خاتمة الكتاب أن أنبه القارئ إلى انعكاسات المواقف التي ناقشتها في متن الكتاب على تصورنا للإنسان ولمحمولاته. وحاولت في هذه الخاتمة أيضا أن أبين الحاجة إلى صوغ فرضية جديدة حول دور المثقف في عالم تغير وجهه بفعل الثورة المهولة في المعلوميات ووسائل الاتصال والانتاج والمراقبة والتطبيع والاختراق.

سؤال: نود أن نطرح عليك سؤالا لا علاقة له بكتابك بصفة مباشرة، كيف تفسر انتحار الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز (G. Deleuze) مؤخرا؟

جواب: إن الانتحار من حيث إنه فعل "إرادي"، يضع به المرء حدا لحياته، ليس له دلالة أخرى غير ما يشير إليه تعريفه. لكننا حين نُدخل في الحسبان الشخص المنتحر، ويكون هذا الشخص هو الفيلسوف ذائع الصيت: جيل دولوز، فإن الاكتفاء بالتعريف العادي للانتحار يغدو أمرا مُخلاًّ.

إن دولوز أنتج نصوصا موغلة في التعقيد، ونحت مفاهيم بمعية رفيقه غاتاري بالغة الدقة والعمق. إنه فيلسوف تصدى لصناعة المفاهيم ونحتها بعد أن أمضى السنين والسنين باحثا يقظا في تاريخ الفلسفة. ويشهد له على ذلك ما قدمه من دراسات، لفت إليه الانتباه منذ الخمسينات، عن سبينوزا وهيوم وكانط ونيتشه وبيرغسون وبروست وآخرين. وحينما اقترن برفيقه غاتاري، وهو محلل نفساني ذو دربة واطلاع واسعين، وكان ذلك في سنة 1969، راحا معا يحللان حقبة الحداثة بوصفها حقبة تاريخية لا تضاهى في إنتاج أفاعيل الهيمنة وأسبابها عبر خطابات ومؤسسات تطبيعية تخترق كافة مظاهر الوجود الاجتماعي.

يمكن القول: إن انتحار دولوز هو كتابه الأخير إلى القارئ. إنه كتاب غير ورقي، سيبقى لوقت، قد يطول، أصلا يراقب تأويل كتابات دولوز الورقية. وما دمنا قد تحدثنا عن أفلاطون قبل قليل، فإننا نقول: لقد بنى أفلاطون نسقه على النسخ الجيدة التي تقود، دون خلط أو تصدع، إلى مملكة الأفكار؛ وألقى بالنسخ الرديئة في مملكة السراب. فانتحار دولوز، من المنظور الأفلاطوني، سيكون نسخة "رديئة" للموت. إنه فعل مذهل يُحدِث خلطا أنطلوجيا في صيرورة الانتقال من الحياة إلى الموت، ويسبب تصدعا عميقا في عالم الصور المثالية الأفلاطوني. وباختصار يمكن القول: إن أفلاطون أقام نسقه على العفة والتشابه والدوام والانسجام والهوية. أما دولوز (وطائفة من زملائه مثل فوكو وليوطار...الخ) فقد فكك النسق وناضل من أجل فكر مبني على الرغبة والاختلاف واللحظية والتناقض واللاهوية. فانتحاره إذن هو نوع من الاحتفال بالموت في قلب الحياة، واستراتيجية أخيرة لإعلان العصيان الفلسفي أمام الأنساق.

Les Espagnols méconnaissent le Maroc

Les Espagnols méconnaissent le Maroc

Le 16-6-2005

Aujourd’hui le Maroc

Propos recueillis par Abdelmohsin El Hassouni

Le professeur de linguistique Mustapha Haddad, de l'Université de Tétouan et membre de la rédaction de la revue marocaine "Cuadernos Del Norte" (Cahiers du Nord), estime que les intellectuels espagnols ne font aucun effort pour saisir la réalité marocaine.


ALM : Que pensez-vous de la lettre que 500 intellectuels espagnols ont adressée aux groupes parlementaires de leur pays et au ministre des Affaires étrangères Miguel Angel Moratinos?
Mustapha Haddad : Sincèrement, je suis choqué par la position de ces intellectuels, ces universitaires et ces écrivains espagnols. A mon avis, l'intellectuel espagnol, au lieu de s'attaquer à un pays voisin, devrait plutôt œuvrer à la recherche des moyens nécessaires à l'ouverture d'un dialogue constructif avec l'autre partie, en l'occurrence le Maroc. En somme, on ne peut que regretter et condamner cette position des intellectuels espagnols à l'égard du Maroc et de son intégrité territoriale.

Pourquoi, selon vous, ces intellectuels adoptent souvent une attitude hostile à notre égard ?
A chaque fois que j'ai l'occasion de parler à des universitaires espagnols, je suis frappé par la distance intellectuelle qui nous sépare. J'ai toujours l'impression que ces voisins refusent de nous écouter.
Au Maroc, nous connaissons parfois les moindres détails de la vie politique espagnole, mais leurs intellectuels, eux, refusent de faire des efforts pour comprendre ce qui se passe au Maroc.
Chose qui me choque à plusieurs reprises, car les intellectuels français ou américains semblent souvent mieux informés sur notre pays que leurs collègues espagnols. C'est pour cette raison que je mets sérieusement en doute la valeur scientifique de la lettre de ces 500 intellectuels.

Comment expliquez-vous ce désintérêt des intellectuels espagnols pour le Maroc ?
Les raisons sont essentiellement historiques. Les intellectuels espagnols refusent de nous comprendre. Ils refusent surtout d'admettre que pendant huit siècles, nous avons vécu côte à côte sur le territoire aujourd'hui européen. Résultat : Ils nous évitent et renient ainsi notre histoire commune. Je me demande même comment ils peuvent connaître la réalité du polisario et le soutenir, alors qu'ils ignorent totalement ce qui se passe au Maroc.
Il faut également soulever la responsabilité des intellectuels marocains eux-mêmes. Leur présence en Espagne est extrêmement faible pour ne pas dire nulle.

Est-ce que vous pensez que tous les intellectuels espagnols sont dans cette situation ?
Bien évidemment, il ne faut jamais généraliser. Mais ce qui est sûr c'est que les intellectuels espagnols qui connaissent la réalité marocaine se comptent sur les doigts d’une main. D'ailleurs, ces intellectuels sont eux-aussi surpris et choqués par l'attitude de leurs collègues. Parmi ces intellectuels minoritaires et qui connaissent absolument bien la réalité marocaine, je citerais à titre d’exemple l'écrivain Juan Goytisolo et l’historien Pedro Martinez Montalvez.

A votre avis, comment les intellectuels marocains doivent réagir?
La réaction des intellectuels marocains ne doit absolument pas être caractérisée par l'hostilité ou la rigidité à l'égard de leurs homologues espagnols. Au contraire. Car l'animosité dans ce cas n'est absolument pas dans l'intérêt des causes que défend le Maroc. Il faut noter que le gouvernement espagnol adopte aujourd'hui une neutralité positive à l'égard de l'affaire du Sahara. Pour ce qui est de l'attitude à adopter à l'égard des intellectuels espagnols, le Maroc doit nécessairement mettre au point une stratégie d'ensemble.

Quels seraient les termes de cette stratégie ?
Le Maroc doit assurer une meilleure présence intellectuelle en Espagne. Il faut notamment multiplier les rencontres non officielles entre intellectuels marocains et espagnols. J'insiste sur l'aspect non officiel de ces rencontres pour la simple raison que les manifestations officielles ne donnent pas souvent des résultats probants.

Pensez-vous que la langue soit un obstacle pour la rencontre des intellectuels des deux pays ?
Effectivement, quand les Marocains abordent les intellectuels espagnols en parlant en français, ces derniers se sentent véritablement gênés. Comme nous ne pouvons pas obliger personne à apprendre la langue de l'autre, il serait judicieux de communiquer dans une langue universelle, en l'occurrence l'anglais.

Justement, quelle est la part de responsabilité des intellectuels francophones marocains ?
Il est vrai que nos intellectuels sont essentiellement branchés sur la vie française. Ils doivent comprendre que le monde est plus vaste que la France. Nous devons suivre de près les débats intellectuels qui se produisent en Espagne. Aujourd'hui, le Maroc ne dispose pas d'un centre d'études stratégiques capable de traiter et d'analyser les notions fondatrices du discours politique espagnol. Nous devons donc nous armer scientifiquement pour pouvoir anticiper toute action de la classe politique et intellectuelle en Espagne. Aussi, ce qui est vrai pour l'Espagne l'est également pour l'Algérie et les autres pays de la région.

سورل والغرفة الصينية


يقول سورل في المرجع الذكور في الهامش أدناه:

"إن إحدى الطرق في اختبار نظرية الذهن، أيا كانت هذه النظرية، هي أن نتساءل عما قد يكون عليه الحال إذا ثبت أن ذهني يعمل حقا استنادا إلى المبادئ التي تقول هذه النظرية إن أذهان الآخرين تعمل استنادا إليها... هب أنني أُدخلت إلى غرفة تصلني وأنا محبوس فيها كمية ضخمة من الأوراق مكتوبة باللغة الصينية. وتصوروا أنني (وهذا ـ لعمري ـ أمر حقيقي) لا أفقه شيئا في الصينية، سواء أكان هذا الشيء مكتوبا أم شفهيا؛ وأنني لست قادرا حتى على تَعرُّف الكتابة الصينية بوصفها كتابة صينية، أي كتابة تختلف عن الكتابة اليابانية أو عن خربشات غفل لا معنى لها. فالكتابة الصينية ليست بالنسبة إلي سوى مجموعة من الخربشات غير مفهومة. تصوروا الآن، بعد الكمية الأولى من الكتابة الصينية التي وصلتني من خارج الغرفة، أنني زُوّدت بكمية أخرى، مصحوبة بمجموعة من القواعد تربط وتصل الكمية الأولى بالكمية الثانية. وهذه القواعد مكتوبة باللغة العربية [سورل يتحدث عن الأنجليزية بالطبع]، وأنا أفهم العربية فهما لا يقل عن فهم أي فرد آخر لغته الأم هي العربية مثلي. تسمح لي هذه القواعد بربط مجموعة من الرموز الصورية بمجموعة أخرى من الرموز الصورية، وكل ما تعنيه كلمة "صوري" هنا هو أنني أستطيع أن أميز الرموز استنادا إلى صورها فقط لا غير. تصوروا الآن أنني مُنحتُ مجموعة ثالثة من الرموز الصينية مصحوبة بتعليمات جديدة باللغة العربية تمكنني من الوصل بين عناصر هذه المجموعة الثالثة وعناصر من المجموعتين السالفتين، وأن هذه القواعد تأمرني بأن أعيد بعض الرموز الصينية ذات الصور الخاصة استجابة لبعض الصور الواردة في المجموعة الثالثة. ومن دون أن أعرف، يسمي الناسُ الذين يزودونني بهذه الرموز من خارج الغرفة المجموعة الأولى "خطاطة" (script)، والمجموعة الثانية "سردا" (story)، والمجموعة الثالثة "أسئلة". زد على هذا إنهم يسمون الرموز التي أعيدها إليهم استجابة مني للمجموعة الثالثة "أجوبةً عن الأسئلة"، ويسمون مجموعة القواعد المكتوبة بالعربية "برنامجا". تخيلوا الآن، في إطار إضفاء بعض التعقيد على هذه القصة، أن هؤلاء الناس يمنحونني أيضا سرودا باللغة العربية أفهمها، ويضعون علي بعد ذلك أسئلة بالعربية حول هذه السرود، وأقوم بجوابهم عنها بالعربية. تصوروا أيضا أنني بعد وقت معين أصبحت دَربا في اتباع التعليمات التي تأتيني بشأن التحكم في الرموز الصينية، وأن المبرمجين صاروا مع الوقت مهرة في كتابة البرامج، إلى حد أصبح فيه الناظر من الخارج ـ أي من خارج الغرفة التي أنا محبوس فيها ـ غير قادر البتة على التمييز بين الأجوبة التي أقدمها عن الأسئلة، والأجوبة التي يمكن أن يقدمها شخص لغته الأم هي الصينية. لا أحد يستطيع، وهو يرى أجوبتي، أن يقول عني إنني لا أتكلم اللغة الصينية. تصوروا أن أجوبتي بالعربية عن الأسئلة التي تصلني بالعربية لا يمكن تمييزها عن تلك التي ينتجها متكلمون لغتهم الأم هي العربية، والسبب في ذلك هو أن لغتي الأم هي العربية أيضا. فمن الزاوية الخارجية ـ أي من زاوية من يقرأ إجاباتي ـ لا تقل الأجوبة التي أقدمها عن الأسئلة العربية جودة عن تلك التي أقدمها عن الأسئلة الصينية. لكن ما أقوم به في الحالة الصينية، على عكس الحالة العربية، هو أنني أنتج أجوبة عن طريق التحكم في رموز صورية غير مُؤَوَّلة. فتصرفي وأنا أتعامل مع الصينية يشبه تصرف الحاسوب؛ أي أنني أُجري عمليات صورية على رموز مخصصة على نحو صوري. فيما يتصل بالصينية لستُ سوى حالةٍ تنفذ برنامج حاسوب".

*Searle, J. R (1980) « Minds, Brains, and Programs » in The Behavioral & Brain Sciences. 3, pp. 417-457. pp.417-418.



تعد هذه الحجة من أقوى الحجج التي صيغت لصد ما يعرف في الأدبيات بـ أطروحة الذكاء الاصطناعي في صيغتها القوية. وتوجد اعتراضات كثيرة على الحجة؛ نذكر من بينها الاعتراض النسقي:

إن حجة الغرفة الصينية تبرهن فعلا على أن سورل لا يفهم اللغة الصينية؛ لكنها لا تنفي أن يكون النسق في مجموعه ـ أي سورل وكتاب القواعد ورزمات الأوراق والغرفة ـ نسقا يفهم اللغة الصينية. بعبارة أوضح إذا كان لنا أن نسأل النسق في مجموعه عما إذا كان يفهم اللغة الصينية، فإنه سيجيبنا، لو كان يستطيع الكلام، بأنه يفهمها. فسورل الذي يقول في حجته إنه لا يفهم اللغة الصينية لا يعدو أن يكون مكونا فرعيا من مكونات النسق. بعبارة أجلى وأوضح: إذا كان الجزء من الكل لا يستطيع أن يفهم الصينية ـ وسورل هنا جزء من نسق فهم الصينية العام ـ فإن هذا لا يعني أن الكل لا يفهم الصينية.

27‏/12‏/2006

مفهوم القالبيـة



في هذا النص يشرح تشومسكي تصوره للقالبية، ويبين كيف يختلف هذا التصور عن تصور فودور.

يقول تشومسكي:

"توجد تصورات كثيرة مختلفة عن القالبية. فتصور فودور عن القالبية... يقترن بأنساق الدخل. من هذا المنظور تكون القالبية مقصورة على الإدراك البصري، وعلى تأويل العلامات اللغوية وعلى أنساق دخل أخرى قليلة. بيد أن فودور، من الناحية المبدئية، يذهب إلى أن لهذه الأنساق خصائص معينة تتميز بها كخاصية الانغلاق المعلومي. ويرى أن هناك أنساقا أخرى يصفها بالمركزية لا تتمتع في نظره بهذه الخصائص. إلا أن هناك معنى آخر للقالبية يختلف كليا عن المعنى الذي دافع عنه فودور، وهو المعنى الذي كنت أقصده دائما في استعمالي، له اتصال باكتساب القالبية. فمناقشة القالبية التي توجد في كتاب مثل تأملات في اللغة (تشومسكي 1975)، أو في كتبي الأخرى الأولى، كانت تجري في إطار آخر مختلف. السؤال الموضوع في هذه المناقشة التي خضتها في هذه الكتب كان دائرا عما هو نمط الأنساق المعرفية الذي يوجد لدى الجهاز العضوي ويمكنه، بمقتضى تصميمه، من حل المشاكل الخاصة التي يواجهها هذا الجهاز في حياته ووجوده ومحيطه. بهذا المعنى سيكون للحشرة نسق باطني مخصوص يمكنها من الحركة والسياحة في العالم. وسيكون للعصفور المغرد أو الشادي نسق معين ومخصوص يمكنه من تَعَرُّف شدو العصافير. وسيكون للكائنات البشرية نسق مميز يمكنهم من تعرُّف اللغة. ويوجد من هذه الأنساق المعرفية الكثير. المفهوم الرائج عن القالبية في العلوم البيولوجية، والذي جاء إلى هذه العلوم من طريق علم سلوك الحيوان التقليدي، يقضي بوجود غرائز تدفع إلى التعلم بطرق مخصوصة، في مجالات بعينها. والصياغة الأكثر ضبطا فيا عتقادي التي اقترحت لهذا المفهوم هي تلك التي قدمها راندي غاليستيل في كتاب محاورات في علوم الأعصاب المعرفية [الذي أشرف على إعداده كزانيزا 1997]، والتي يذهب فيها إلى أن المقاربة القالبية هي المقاربة "المعيار في علوم الأعصاب"، ويرى أنها المقاربة التي نفحص استنادا إليها عن الملكات المعرفية التي تنمو بطريقة نسقية وتكون محددة ببرامج جينية تمكنها من الوصول إلى حالة مخصوصة تكون محددة سلفا وغير متأثرة بالتجربة إلا في نطاق محدود. ويشبه نمو هذه الملكات نمو أعضاء البدن. لذلك نستطيع أن نتحدث عن هذه الملكات ونقول... عضو الحركة في العالم، وعضو اللغة، وعضو الإدراك البصري وهكذا دواليك. فنحن هنا أمام تصور عن القالبية يختلف عن تصور فودور. إنه تصور لا صلة له بالتمييز الذي أقامه هذا الأخير بين أنساق الدخل والأنساق المركزية.

إن كل هذه الأنساق القالبية تعد في الواقع مركزية. وعلى هذا النحو أنظر من زاويتي إلى ملكة اللغة. إنني أنظر إلى هذه الملكة من حيث إنها نسق محدد من الناحية الجينية، يستطيع أن يعين الأجزاء الواردة من الجهة اللغوية التي تكون في محيط الطفل. وهذا ـ لعمري ـ عمل ليس عبثا. فنحن بالمناسبة لا نعرف كيف نقوم به، ولا نعلم أن هناك في الوجود حيوانا آخر يقوم به. لكن الطفل يستطيع بطريقة ما من الطرق أن ينتقي من محيطه الأجزاء التي تكون واردة من الجهة اللغوية ويعالجها بكيفية تقوده رأسا إلى حيازة اللغة الباطنية التي يستطيع بعد ذلك أن يستعملها. فهذا قالب. إنه ليس قالبَ دخل، بل قالب اكتساب. إنه يتفاعل مع القوالب الأخرى ومع مكونات النسق المعرفي الأخرى على النحو نفسه تقريبا الذي يتفاعل به الكبد والكُلية والجهاز الهضمي والدورة الدموية للوصول إلى اشتغال البدن برمته بوجه عام.

هذه هي المقاربة القالبية للأجهزة العضوية. نستعملها لرصد أشياء كالكُلية والدورة الدموية والجهاز الهضمي وما إلى ذلك. وأظن أن من الحس السليم المُضيَّ في هذا الاتجاه، كما حصل ذلك في العلوم العصبية، والفحصَ عن المكونات الفرعية التي تقوم عليها قدرات الجهاز العضوي المعرفية، والسؤالَ عن طبيعتها، وكيف تنمو، وكيف تتفاعل وهلم جرا. إن هذا نوع مختلف من القالبية. وهو النوع الذي أظن أن السير على نهجه مثمر وواعد بالنسبة إلى البحث. أما الانتقادات التي وجهت إلى القالبية التي طورها فودور... فلا أظن أنها تنال منه. فأنا لا أعتقد أن من السليم القول عن فودور إنه وصف اللغة من حيث إنها نسق دخل. فودور اعتنى بمظاهر اللغة التي يمكن أن تعد نسق دخل. أعني بهذا أن فودور لا يستطيع أن ينفي أنك تتكلم تماما كما تسمع. ولا يمكنك أن تسمع وتؤول اللغة اليابانية وتتكلم وتفهم اللغة السواحلية. فمن الواضح أن هناك ارتباطا ما بين نسق الدخل ونسق الخرج. فقاعدة البيانات الموهوبة هذه، هي التي تعد قالبا في التصور القالبي المختلف الذي يعد المعيار في العلوم العصبية. واسم هذا القالب هو ملكة اللغة. وبما أن هذا الذي أشرت إليه هو القالب، فإنه لا يتلاءم مع الإطار الذي يعمل فيه فودور، أقصد إطار أنساق الدخل والخرج والأنساق المركزية".


« The master and his performance: An interview with Noam Chomsky » by Jozsef Andor

in Intercultural Pragmatics 1-1 (2004), 93–111. pp. 105-107.

25‏/12‏/2006

الترجمة والرقابة



أو لغات الغرب تراقب بعضها

هناك أمثلة كثيرة عن الرقابة على الترجمة. وفي ما يلي مثال حي تعرض له نص المفكر الراحل إدوارد سعيد "لقائي بسارتر" الذي نشره بمجلة London Review of Books في يونيو 2000، وترجمته جريدة Le Monde Diplomatique الفرنسية بعد ذلك في سبتمبر من العام نفسه. وهو نص يحكي فيه سعيد تذمره من اللقاء الذي جمعه بسارتر أول مرة لمناقشة القضية الفلسطينية بعد أن كان متشوقا إليه.

« My Encounter with Sartre » in L.R.B Vol 22.No11. June 2000

« Ma Rencontre avec J-P Sartre » in LE MONDE DIPLOMATIQUE | SEPTEMBRE 2000 | Pages 4 et 5

يقول سعيد عن سارتر بالأنجليزية:

« Sartre's presence, what there was of it, was strangely passive, unimpressive, affectless. He said absolutely nothing for hours on end. At lunch he sat across from me, looking disconsolate and remaining totally uncommunicative, egg and mayonnaise streaming haplessly down his face. I tried to make conversation with him, but got nowhere. He may have been deaf, but I'm not sure. In any case, he seemed to me like a haunted version of his earlier self, his proverbial ugliness, his pipe and his nondescript clothing hanging about him like so many props on a deserted stage».

يقول المترجم على لسان سعيد بالفرنسية:

Quant à la présence de Sartre, ou plutôt à ce qu'il en restait, elle était étrangement passive, fort peu impressionnante, dénuée d'affect. Des heures durant, il ne dit absolument rien. Au déjeuner, il était assis de l'autre côté de la table, l'air accablé, totalement fermé. J'essayai d'engager la conversation, mais en vain. Il était peut-être sourd, mais je n'en suis pas certain. Quoi qu'il en soit, il m'apparut comme le fantôme de ce qu'il avait été, et sa proverbiale laideur, sa pipe, ses vêtements neutres et informes me semblèrent autant d'accessoires sur une scène désertée».

القسم من الجملة الذي لم يترجمه المترجم لأسباب مجهولة هو الآتي:

egg and mayonnaise streaming haplessly down his face.

يقول سعيد بالأنجليزية عن فوكو في المقال نفسه:

« A Tunisian colleague of his in the University of Tunis philosophy department told me a different story in the early 1990s: Foucault, she said, had been deported because of his homosexual activities with young students. I still have no idea which version is correct».

يقول المترجم على لسان سعيد عن فوكو بالفرنسية:

« Une de ses collègues tunisiennes m'a expliqué, dans les années 80, qu'il avait été expulsé pour d'autres raisons. Je ne sais toujours pas quelle version est la bonne».

القسم الذي لم يترجمه المترجم، بل حرفه تحريفا، لأسباب مجهولة أيضا هو الآتي:

because of his homosexual activities with young students.

ديكارت والفلسفة الحديثة

ديكارت


لقد بين بيرغسون في مقال له بعنوان "الفلسفة الفرنسية" (1915: 236- 256) الدور الذي لعبه ديكارت في الفلسفة الحديثة. وكشف بيرغسون في هذا المقال عن مستويات رئيسة في فلسفة ديكارت يقع بعضُها تحت بعض لم تستطع الفلسفة بعده أن تتخلص منها أو تضرب صفحا عنها. ففي مستوى أول تمثل الفلسفة الديكارتية فلسفة الأفكار "الواضحة والمتمايزة"، أي فلسفة خلصت الفكر الحديث من أسر التقليد وجعلته بحثا عن الحقيقة والبداهة. وعندما ننـزل قليلا من هذا المستوى ونشرع في الفحص عن معنى "البداهة" و"الوضوح" و"التمايز" نهتدي إلى أن وراء هذه المفاهيم نظريةً عامة ومفصلة في المنهج. فحينما ابتدع ديكارت هندسة جديدة، وحلل استنادا إليها فعل الإبداع الرياضي، ووصف شروط هذا الإبداع؛ انتهى من ذلك إلى وضع مساطر عامة للبحث أملتها عليه تلك الهندسة التي توصل إليها.

وعندما ننظر مليا أيضا في هذا التوسيع الذي أجراه ديكارت على الهندسة، نهتدي إلى أنه كان يستند إلى نظرية عامة في الطبيعة تقضي بأن الطبيعة آلة عظمى تحكمها قوانين الرياضيات. وبهذا يكون ديكارت قد زود الفيزياء المعاصرة بإطارها الذي تعمل فيه، أي بذلكم الإطار الذي لم تبرح حدوده إلى يوم الناس هذا، وأعطى الناسَ أصل كل تصور آلي للكون.

ونعثر أسفل هذه الفلسفة الطبيعية على نظرية مفصلة عن الذهن، أو عن "الفكر" كما يقول ديكارت؛ أي نعثر على مجهود لرد الفكر إلى عناصر بسيطة. وهو المجهود الذي عبد الطريق أمام أبحاث لوك وكوندياك. ونعثر خصوصا على تلكم الفكرة التي تقول إن الفكر سابق في الوجود، وأن المادة شيء لاحق بعد ذلك أو فائض ولا يوجد إلا من حيث إنه تمثيل ذهني. ومن هذه الفكرة اشتُقت كما لا يخفى على أحد المثاليات الحديثة كلها، وخصوصا مثالية الفلاسفة الألمان.

وتحت فتحت، في عمق نظرية الفكر الديكارتية نعثر على محاولة تروم رد الفكر، أو قسم منه على الأقل، إلى الإرادة. ومن هذه الجهة نستطيع القول إن الفلسفات "الإرادية" التي انتشرت في القرن التاسع عشر ارتبطت ارتباطا وثيقا بديكارت. ولن نتخطى المقصود إذا قلنا إن الديكارتية كانت في مستوى من مستوياتها "فلسفة حرية".

24‏/12‏/2006

عن العقـــــــــــل


إن إطلاق لفظ العقل على جهة العموم دون تخصيص أصبح أمرا لا معنى له تقريبا. ومن أبرز المفكرين الذين حوَّلوا لفظ العقل في القاموس الفلسفي ونقلوه من الاستعمالات المبهمة القديمة إلى الاستعمالات الحديثة الأقل إبهاما، من ناحية السبر والتقسيم على الأقل، الفيلسوف الألماني كانط في ثلاثيته الشهيرة: نقد العقل الخالص (العقل العِلمي)، ونقد العقل العَملي (الأخلاق والسياسة والقانون)، ونقد ملكة الحكم (شؤون الحس والحكم على أمور الجمال، وتقاسُم الأحاسيس). إن لهذا التقسيم أصولا قد نجدها مبثوثة عند أرسطو؛ وقد نجد بعضا منها عند ابن رشد؛ وقد نُدخل أنفسنا في باب من الكلفة شاق ونتأول ما يشبهها عند شهاب الدين القرافي في الفروق...الخ. لكن العلة في نسبة التقسيم نسبة صريحة إلى كانط أمر يرجع إلى أن هذا الأخير استقرت عنده التقاسيم القديمة واستوت معالمها على نحو مهذب ومصقول غير مسبوق، وصارت مقرونة، وهذا هو الأهم، بجدل تاريخي على أرض الواقع في نطاق ما يعرف بمشروع الحداثة. فالكلام على العقل يقتضي، إذن، تحديد الجهة التي يجري في نطاقها الحديث. العقل العِلمي تختلف دعاواه عن دعاوى العقل الأخلاقي والسياسي، ودعاوى العقلين السالفين تختلف عن دعاوى ملكة الحكم في مجال الإحساس. لم يكن بالإمكان أن تتطور نظريات العلوم على نحو مستقل عن نظريات السياسة والأخلاق والقانون، وعن نظريات الآداب والفنون، ولا أن يقع الفصل بين المعاهد والجامعات التي تُدرِّس كلا منها، في غياب هذا التقسيم الذي أجرته الأزمنة الحديثة مع كانط وصار راسخا في أعقابه. العقل العِلمي عقل أداتي يتجه إلى الموضوعات بوصفها مفصولة عن الذات العالمة، وهو عقل يقترن بسجل كلامي تهيمن عليه اللعبة اللغوية الوصفية؛ أما العقل العَملي فعقل علاقي أو تذاوتي يربط ذواتٍ عددا ببعضها، تسيطر عليه في الخطاب اللعبة اللغوية المعيارية. والعقلان يختلفان عن ملكة الحكم من حيث إن هذه الأخيرة مشدودة شدا إلى الذات. مدار ملكة الحكم الإفصاح والتعبير عما يخالج النفوس. إن هذه الملكة، إذا شئتم، ملكة استعراضية من جهة المنتج، وانفعالية من جهة المتلقي، لذلكم تهيمن عليها في اللغة لعبة البوح والإفشاء وعرض الذات. بعبارات مختصرة نستطيع القول إن العقل العِلمي يتجه إلى العالم الموضوعي، والعقل العَملي يتجه إلى العالم التذاوتي، وملكة الحكم تتجه إلى العالم الذاتي. دعاوى العقل العِلمي تتصل اتصالا وثيقا بالصدق (بمعناه المنطقي)، أي أن الرهان في هذا العقل هو أن تكون لمحتويات الأقوال العلميةِ القَضويةِ وقائعُ تجريبية تطابقها. والتطابق هنا لا يعني ضرورة التطابق مع واقع موجود سلفا فعلا، لأن الواقع في العلم الحديث غالبا ما يكون واقعا مبنيا بأدوات نظرية. لذلكم يعني التطابق هنا تطابقا مع الواقع كما تشيده النظرية، لا كما قد يوجد في خارج مطلق. وعندما ننتقل من نظرية إلى أخرى ننتقل من واقع إلى آخر، ونخرج من محتوى تجريبي إلى محتوى آخر. أما دعاوى العقل العَملي فلا يجري التركيز فيها على المحتويات القضوية أو على إشكال المطابقة الإبستملوجي، بل يقع التركيز فيها على القُوى الإنجازية أو الإنشائية للأقوال أو لأفعال الكلام كما ذهب البلاغيون العرب (السكاكي وغيره) والأصوليون (الفخر الرازي والغزالي والشاطبي وغيرهم) والفلاسفة المعاصرون (أوستين وسورل وهابرماس وغيرهم). فعندما يأمرني أحد بفتح النافذة، لا يكون الإشكال قائما هنا في محتوى الأمر القضوي، أي في مطابقة محتوى القول المعبر عن الأمر للواقع أو عدم مطابقته له، بل يكون قائما فيما إذا كان الأمر الصادر إلي مشروعا أم غير مشروع، أو بعبارة أخرى يكون الإشكال قائما فيما إذا كان الوضع الذي صدر فيه الأمر يستجيب، كما يقول سورل، لشروط مؤسسة الأمر أم لا يستجيب (هل الآمر ممن يجوز له أن يطلب إيقاع الفعل على جهة الاستعلاء، هل المأمور ممن يستطيع أن يقوم بالفعل؟ هل الخطاب مصوغ في لغة يفهمها المأمور؟ هل الآمر يقصد فعلا ما يقول ويريده؟ هل الأمر صادر على التراخي أم على الفور؟ المرة أم التكرار؟...الخ). عقلانية العقل العملي عقلانية مؤسسية معيارية، تُقوَّم فيها الأفعال، سواء أكانت أفعالا كلامية أم غير كلامية، من حيث استجابتُها أو خرقها للضوابط المؤسسية. (ينبغي أن نشير هاهنا إلى أن الكف عن الفعل يكون بدوره فعلا إذا كان تَرْكا. بعبارة أخرى، يتناول العقل العملي التروك أيضا، لأنها أفعال). أما دعاوى ملكة الحكم فيحوم الخطاب فيها حول أصالة الفعل ونزاهته وصدقه (بالمعنى الفني للصدق لا بالمعنى المنطقي المشار إليه في العقل العِلمي). فعندما أقرأ شعرا أو رواية أو قصة...الخ لا أسأل، وأنا أقرأها، عن الشخوص هل توجد في الواقع أم لا؟ أو عن الصور الشعرية هل تناسب الواقع كما أراه أم لا؟ ولا ألتفت إلى الخروقات المعيارية التي يحدثها الشعراء في أشعارهم أو القصاصون في مروياتهم. ما أركز عليه يتخطى كل هذه الأمور إلى أصالة فعل التعبير نفسه وصدقه الفني ومقدار إمكان تقاسمه ومدى هذا الإمكان. وإذا حصل أن ركزت على مطابقة الرواية مثلا للواقع، فإنني سأكون قد تحولت من مقتضيات لعبة لغوية إلى مقتضيات لعبة لغوية أخرى، وسأكون قد قوضت مبدأ السرد، أو بعبارة ربما أوضح: سأكون كمن طفق يلعب وحده كرة القدم في ملعب يلعب اللاعبون فيه كرة السلة. (بالطبع ما نقوله هاهنا عن الرواية والشعر يصدق على الموسيقى والتشكيل وغيرهما من الفنون التي تلجأ إلى لغات أخرى ضاربة بسهم في الحس على نحو أشد غورا مما هو الحال عليه في "اللغة اللفظية" كما يسميها الفنان محمد شبعة).

إن هذا التوزيع غير المسبوق لما كان يسمى عقلا على جهة العموم، عند القدماء ولا يزال كذلك حتى لدى بعض المعاصرين، كان يمشي جنبا إلى جنب مع توزيع آخر في البنيات الاجتماعية وفي أساليب الكلام والاستدلال والسلوك في نطاق هذه البنيات. فلم يعد بالإمكان مثلا الحديثُ عن الصدق (بمعناه المنطقي) الذي تدور عليه دعاوى العلم، في الأخلاق مثلا أو في السياسة أو في الفنون والآداب. كما أن الحديث عن المشروعية خارج مجال الأخلاق والقانون والسياسة لم يعد ممكنا، من الناحية المبدئية على الأقل. إذ لا معنى للتساؤل عن مشروعية قانون سقوط الأجسام أو قانون دوران الإلكترون. كما أنه لا معنى للتساؤل عن مشروعية ارتكاب جريمة قتل في إحدى روايات نجيب محفوظ أو غيره، والهرولة إلى المحاكم ورفع الدعوى على المؤلف وفتح التحقيق. والشيء نفسه يقال على التساؤل عن مدى أصالة قانون سقوط الأجسام من الناحية الفنية أو التعبيرية، أو عن مدى الصدق الجمالي في الالتزام بقانون السير أو الوقوف في الصف لاستلام عقد الازدياد من الإدارة. (إنني أتحدث هنا وأنا مدرك أن هناك مستوى معينا يصح فيه المزج بين هذه المجالات. هولتن تحدث عن الأصول الجمالية للمعايير الإبستملوجية، وتحدث طوماس كون عن الأساس الممزوج والميتافيزيقي للأنموذجات، وبين فايراباند أن هناك صلة وثقى بين النظريات العلمية والأساطير. كل هذا صحيح. لكن النقاش في هذا المستوى نقاش ميتا فلسفي، أو ميتا نظري، لا صلة له البتة بما نحن فيه).

أعود فأقول إن الخلط بين هذه المجالات محظور من الناحية المبدئية. مما يعني أن هناك رخصا قد تقضي بالتداخل. وهنا تختلف المجتمعات في مدى اتساع أبواب الترخيص هذه. ففي مجتمعاتنا مثلا، ليس هناك تقسيم لأقاليم العقل في هذا المستوى الذي تحدثنا عنه، أو أن هذا التقسيم ضعيف جدا. لذلك تلاحظ عندنا من يلعب لعبة الأخلاق باستدلال علمي، أو يلعب لعبة الفن باستدلال أخلاقي، أو يلعب لعبة العلم باستدلال بَوْحِي. المجتمعات التي تضيق فيها إمكانات الترخيص كالمجتمعات التي قطعت شوطا كبيرا في التحديث، هي المجتمعات التي تمايزت فيها البنيات وانفصلت عن بعضها، وهي مجتمعات لا يقع الخلط فيها إلا في قضايا محدودة شائكة كقضايا الاستنساخ أو الجينوم أو قضايا الموت الاختياري...الخ لكنك لا تستطيع أن تجد في هذه المجتمعات شخصا عُمدة يبوح بما يخالج صدره في مجال العلم، أو يرفع يده اليمنى ليُقسم في الرياضيات بأن معادلة ما صحيحة، أو يهرول برفع دعوى تدين شاعرا بسبب كناية أو ناثرا بسبب جِناس أو مجاز، أو يأخذ نصا منـزلا من السماء لا يعلم تأويله إلا الله على جهة القطع، ويشرع في ربطه بعلم نسبي يتغير في كل وقت وحين.

إن هذا التصور القطاعي للعقل كان له تأثير بالغ في المجتمعات الغربية. فقد ساعد على تأسيس العلوم على أسس ومبادئ متينة غير مدخولة، وسمح بتشييد القوانين والدساتير على معايير تنـزع باطراد إلى الكونية، وفتح المجال أمام فن حر خلاق ومستقل. وقد ترتب على هذا تحرير الطاقات المعرفية الكامنة في هذه الميادين من صورها الرمزية والميتافيزيقية والوقفية، فصارت قابلة للاستعمال في الممارسة اليومية، مما أحدث تحولا عقلانيا غير مسبوق في شرائط الوجود والحياة.

24‏/07‏/2006

يحدث هذا في لبنان

12‏/07‏/2006

فيتجنشتاين والمعمار


معظم الناس لا يعرفون أن الفيلسوف فيتجنشتاين كان مهندسا معماريا أيضا. البيت أعلاه يمثل البيت الوحيد الذي صممه فيتجنشتاين وبناه لأخته مارغريت (Margarethe Stonborough-Wittgenstein) في فيينا. وقد استمر العمل فيه من سنة 1926 إلى سنة 1928. أغلب الباحثين يرون أن البيت يعكس في شكله وهندسته الوضوح المنطقي الذي تميز به تفكير فيتجنشتاين الفلسفي، خصوصا في كتابه الأول الرسالة المنطقية الفلسفية.

ظل هذا البيت شأنا خاصا بعائلة فيتجنشتاين، إلى أن باعه طوماس، ابن أخته، سنة 1971. آنذاك بدأ الناس يتحدثون عن أهميته التاريخية والفنية. ثم اشترته الحكومة البلغارية في السبعينات ورممته، فأصبح منذ ذلكم التاريخ مقرا للمركز الثقافي البلغاري.

09‏/07‏/2006

عالم الفنان محمد شبعة



كتب هذا النص في صيف 1996، مقدمة للمعرض الذي نظمه الفنان محمد شبعة بقاعة دولاكروا بطنجة في تلك السنة. ثم اختاره شبعة سنة 2001 وجعله مقدمة لكتابه الوعي البصري بالمغرب. منشورات اتحاد كتاب المغرب 2001

ليس ثمة نسق من المقولات أو القواعد جاهزٌ يُمَكِّنكَ من ولوج عالم محمد شبعة التشكيلي. غير أنك إذا أسلمت عينيك إلى فضاءات اللوحات وغِبتَ عن نفسك ساعة، فإن اليقين سيدركك، بعد عودة الروح إليك، بأن أعماله مغامرة محسوبة وبحث يقظ عن هذا النسق من القواعد. أعماله إذن تكتسي صفة الحدث من هذا الموقع المختلف الذي يزيدها قربا من العقل كلما أوغلتْ بعيدا في الحس.
محمد شبعة فنان ثائر على آفة الحكي في التشكيل. فهو لا يقبل أن تصير اللوحة حكايةً تُروى في حضرة زوار المعارض؛ لأنه يعلم أن حكمة البصر تتعطل ويهيمن منطق اللفظ بمجرد ما تتحول اللوحة إلى نص معرض للحكي.
إن منطق اللفظ لا يمسك إلا بالمندرج تحت لائحة الأسماء التي سبق العلم بها. لذلك يبحث شبعة في التخوم المستعصية على الأسماء عما حان ميقات تسميته ولم يُسَمَّ بعد. إنه يُقوض مبدأ الحكي لينسج بالألوان أكوانا على غير مثالٍ سَبَق. فاللوحة عنده ليست رمزا للأشياء، بل رقصة تعلن انتصار البصيرة على العمى.
إن شبعة يدرك، ربما أكثر من غيره، ثقل الألفاظ في ثقافتنا وسحرها؛ لذلك اقترنت الريشة في تاريخه الفني بالقلم وعانقته. فشبعة فنان انقادت له الألوان والحروف على حد سواء، وعلم بها على امتداد ثلاثة عقود أو يزيد أجيالا من الفنانين، وقاد حركات وتظاهرات تشكيليةً لعبت دورا بارزا في التحسيس بأهمية الفنون البصرية عموما بالمغرب. ومازالت نصوصه وتصريحاته تنير المسالك لكل من خفيت عليه شؤون اللون وشجونه في المغرب.
غير أن شبعة لم يُسَخِّر يوما قلمه أو يثقفه ليشرح للناس ما يرسمه بالريشة، بل كان ولا يزال يلقن العيون كيف تتحرر من سلطة النص، ويحثها على إعمال البصر والتفنن في الإمعان. قال يوما بعد أن ضاق صدره بكثرة ما يروج من حشو لفظي عن التشكيل: "اجعلوا للتشكيل مكانا في حياتكم، واعملوا على تحريره من أسر النص الجاهز، وامنحوه ثانية استقلاله وتميزه".


محمد شبعة في مرسمه


06‏/07‏/2006

حوار مع المفكر الألماني هابرماس



ي . هابرماس


كانت مجلة (Autrement) الفرنسية (العدد 102) سنة 1988 قد أجرت حوارا عميقا، مضمونا وأفقا، مع الفيلسوف الألماني ي. هابرماس. وكنت قد ترجمته ونشرته بجريدة العلم المغربية يوم الإثنين 7 يونيو 1993، وعند مراجعتي له، قبل أيام، وجدته ما زال واردا. ويسعدني أن أعيد نشره على نطاق واسع في هذه المدونة. وقد صححت بعض أخطاء الرقن التي وردت فيه حين نشر أول مرة. وعنوان الحوار من اقتراحي.




الحداثة والتواصل والديمقراطية


حوار مع المفكر الألماني ي. هابرماس



سؤال: إن مشروعكم الرامي إلى استعادة روح الحداثة، وإعادة بناء نظرية موحدة عن العقل، قادكم إلى انتقاد أولئك الذين سموا بما بعد الحداثيين، أي أولئك الذين يظنون أنه من غير الممكن بتاتا أن يكون المرء حديثا اليوم (وأعني هنا ليوطار وديريدا وفوكو... أو ما يمكن أن يسمى عموما بالفلسفة الفرنسية). هل يمكنكم أن تحددوا بالضبط ما يفصلكم عن هؤلاء المفكرين؟



هابرماس: لا أحب أن أحشر أناسا مختلفين في علبة واحدة، كما بعد الحداثة، التي تبقى في نهاية المطاف علبة سوداء. ما قمت به في كتابي خطاب الحداثة الفلسفي ينحصر في رواية قصة تشرح الموقف الذي وقفه الفلاسفة (الفلاسفة الألمان خاصة) منذ نهاية القرن 18 مما أدركوه هم أنفسهم بوصفه حداثة. فهذه الحركة انطلقت بكيفية من الكيفيات مع كانط. وغدت أمرا ملحا بوجه خاص مع هيجل والهيجليين الشباب، بمن فيهم ماركس. وجاء نيتشه لينخرط بدوره في أحداث هذه القصة عن طريق نقده الجذري للعقلانية. ثم تبلور، منذ نيتشه، اتجاهان نقديان في القرن 20: أحدهما تمثل في نظرية السلطة، انتهت إلى فوكو عن طريق باطاي، والثاني تمثل في نقد الميتافيزيقا، قاده كل من هايدجر وديريدا.


وقد كان قصدي من رواية هذه القصة تذكير أولئك الذين التزموا في هذه الأيام بنقد شمولي للعقل بجذور هذا الخطاب حول الحداثة. وبالفعل، فمنذ أن ظهر التمييز بين العقل (vernunft) والفهم (verstand)، وجدنا نقدا يتجه إلى التصور الذاتي المحض للعقل، ونقدا يتجه إلى العقل الأداتي والعقل التوضيعي على حد سواء. وهذا يعني أنه كان هناك نضج مبكر في نقد الأوجه القمعية للعقل عندما يكون هذا الأخير مشدودا إلى بعد واحد، سواء أتعلق الأمر بالبعد التوضيعي أم بالبعد القاضي بالسيطرة الأداتية على الطبيعة أو على ذواتنا. فهذا النقد الذاتي للعقل أو هذا النقد المتجه إلى الذاتية، والذي فُهم منذ نيتشه بوصفه شيئا جديدا كل الجدة، كان حاضرا منذ البداية عند كانط. وحاول هيجل أن ينتقد ما أسماه بفكر الفهم (verstandesdenken)، وكان يقصد به نمطا من الاستدلال الخطابي لا يعي حدوده الخاصة. فهيجل كان يلوم فلسفة الفهم كما خصصها ديكارت وكانط (وهذا الأخير هو ممثل هذا التيار الحقيقي) وفيخته، على كونها فلسفة أو فكرا يضفي الإطلاق (العقل) على شيء ضارب في النسبية (الفهم). وقد ظلت النظرية النقدية مع هوركايمر وأدورنو وبينيامين أسيرة هذا المحور الهيجيلي، على الرغم من أن هؤلاء المفكرين انتقدوا غير ما مرة النزعة الإطلاقية عند هيجل. ففكرتهم عن العقل الأداتي ظلت تُفهم بوصفها اغتصابا للمكانة التي كان يحتلها عقل جامع بواسطة أحد عناصره المقدم بوصفه شيئا مطلقا. بل إن استعمالهم فكرةَ العقل الأداتي كان بدوره استعمالا تهكميا؛ لأنهم كانوا يعتقدون (خصوصا أدورنو) أن العقل الأداتي ليس عقلا بالمرة بل هو فهم يخادع نفسه عندما يتوهم أنه عقل.


زد على هذا أن أدورنو في كتابه الجدل السلبي، كان متأثرا بنيتشه أشد ما يكون التأثر. فقد كان في هذه المرحلة من فكره فاقدا كل ثقة في مفهوم إثباتي عن العقل. وكونه استطاع أن يذهب إلى أن العقل شيء قد ضاع، وأنه في مقابل ذلك كان أيضا يعي تمام الوعي عدم قدرته على مواصلة نقده للعقل الأداتي (واستلزاماته في سياق مجتمع سادته البيروقراطية وأطبقت عليه)، يقتضي أنه ظل يذكر على الأقل ما كان يرمي إليه هيجل بواسطة مفهوم "العقل". فقد كان يعرف تمام المعرفة أننا لا نستطيع امتلاك جدل إيجابي يخول لنا الحديث عن كل شيء. فما نقدر عليه هو أن نتحدث بكيفية غير مباشرة (كما اعتقد كيركجارد الذي يستوحيه أدورنو أحيانا)، أو على نحو سلبي (كما يتحدث اللاهوت السلبي عن الإله) لكي نتمسك بما كان يفهم، في وقت من الأوقات، من هذا المفهوم الملتبس للعقل.


إن فوكو وديريدا واصلا معا مشروع نيتشه على نحو أكثر جذرية مما فعل أدورنو. فقد بلغ بهما الأمر مبلغا أنكرا فيه، ولو أن ذلك كان بطريقة غير مباشرة، إمكان تحديد فضاء للعقل يمكن فيه انتقاد العقل الأداتي أو السلطة أو الذاتية. أدورنو كان يحافظ على هذا الإمكان في فكرته عن الجدل السلبي. ولهذا السبب ففوكو وديريدا مورطان، بمعنى من المعاني، فيما سأسميه بـ"التناقض الإنجازي"، لأنهما بنيا مشروعهما ( المتصل بتحليل بنى السلطة بالنسبة إلى فوكو، وذاك المتعلق بنقد الميتافيزيقا الذي واصله ديريدا بعد هايدجر) على أساس موقف نقدي مبهم؛ لكونه يرمي إلى الشمولية السلبية للحقبة الراهنة وللحداثة ولذاتية الأفراد ولنظام السلطة وإمبرياليته. لكن موقفا كهذا لا يمكنه أن يسوغ مقاييسه أو معاييره الخاصة. فالعقل بالنسبة إليهما محصور بصفة قطعية في بعد يتعارض تماما مع فكرهما. إنهما بكل بساطة يبدعان اصطلاحات جديدة لصيغتهما الخاصة في الاستدلال (وهذا يصدق أكثر على ديريدا أو على هايدجر كذلك). فهايدجر يستبدل بالاصطلاح (Denken) اصطلاح (Andenken)، لكن الأمر لا يعدو أن يكون لفظا جديدا. فهذا الإبداع للاصطلاحات الجديدة يؤدي، حسب رأيي، وظيفة تكمن في إخفاء الدوران الذي ينقلب به نقدهما الخاص ضدا حتى على مشروعية المسلمات التي يستند إليها.


وهكذا ترون أنني أروي فقط قصة تبين، في حال الإنصات إليها كلها، أن نقد ميتافيزيقا الذاتية مظهر قديم جدا، حرك أول نقاش حول الحداثة وظل، منذ نيتشه، مسكونا بهذا التناقض الإنجازي ومهددا به.



سؤال: مهما يكن اعتقاد أولئك الذين يكتبون عن الحداثة، نجدهم يذهبون إلى أننا الآن مفصولون جذريا عن الأقدمين. وهناك آخرون مثل ليو شتروس (Leo Strauss) حاولوا أن يفكروا في كيفية الاهتداء بالقدامى ضدا على الحداثة. ما رأيكم في إمكان الرجوع إلى أرسطو مثلا، أو إلى الميتافيزيقا القديمة، للبحث عن أدوات للتفكير؟ وإذا كانت الهوة الفاصلة بين الحداثة والقدماء سحيقة لا تقبل الردم، فكيف يمكن تجنب تهمة التاريخانية؟



جواب: إن أناسا مثل ليو شتروس بحثوا في أفق إحياء لحظة الفكر الميتافيزيقي. والعمل الذي قدمه ليو شتروس لا يعبر إلا عن مهارة مؤول كبير ساهم، بكيفية غير حجاجية، في بعث نصوص قديمة لأرسطو وأفلاطون. وأحسب أن المشاكل التي وضعها الأقدمون تعد بمعنى من المعاني مشاكل خالدة. غير أنه لا يبدو لي أن بإمكاننا، بعد هيجل، التفكير استنادا إلى مسلمات أفلاطون أو أرسطو أو أتباعهما.


فالميتافيزيقا تقوم على مفاهيم رئيسة كالكون (cosmos) والمادة (physis) والغاية (telos) والكمال (entelecheia)...الخ. وقد قُوضَت هذه المفاهيم منذ ديكارت وليبنيتس وهيوم؛ أي منذ أن أصبحنا ملزمين بالتمييز بين المفاهيم الوصفية والمعيارية والتقويمية. فالمفاهيم الأساس التي تنهض عليها الميتافيزيقا لا تسمح بإقامة هذه الفروق التي نحن ملزمون بإقامتها اليوم. لا يمكننا باختصار أن نعيد استثمار صيغة ميتافيزيقية في التفسير تحيل على غائية موضوعية أو على شمولية أو على مطلق...الخ. كما أنني من جانب آخر لا أومن بالاستمراريات التي يقترحها هايدجر في دروسه عن التراث الميتافيزيقي، كما لو أن المرحلة الفاصلة بين أفلاطون ونيتشه لم تشهد إلا الطريقة التشييئية نفسها التي تضع الموجود محل الوجود.


وأنا لا أعود البتة إلى تفكير أصلي، كما لا أدعو إلى استمرارية قسرية بين الفكر الميتافيزيقي الخالص والفكر الحديث. فهذا الأخير يمكن أن يوصف بأنه نمط من فلسفة الذاتية؛ ولا أظن أن هناك ضرورة تدعونا إلى الالتفات إلى التاريخانية. فنحن كلنا، والفلاسفة الفرنسيون كذلك (باشلار أو باطاي أو فوكو أو ديريدا) أو أدورنو أو أنا بدوري، نفكر كلنا استنادا إلى مسلمات بعد هيجيلية؛ أي استنادا إلى مسلمات بعد ميتافيزيقية. بيد أن هذا لا يعني أننا مسجونون في سياق تاريخي عارض أو طارئ أو محلي أو إقليمي. لماذا يجب أن نكون كذلك؟ لأنه لم يعد لدينا أي أساس ميتافيزيقي بعد أن تهاوت تلك المفاهيم الميتافيزيقية وانهارت. لم يعد لدينا أي منهج فلسفي مفضل، كما كان الحال عليه سابقا حين كان الجدل أو الحدس الفينومينولوجي منهجا متبعا. غير أننا اليوم محظوظون لامتلاكنا القدرة على الوقوف موقفا تبصريا ازاء كل أشكال الاستدلال الخطابي. فلا يمكننا باختصار أن نغض الطرف ونتخلى عن هذا الاستدلال الخطابي. ونحن، من حيث إننا فلاسفة، نعد كذلك أعضاء في المجموعة العلمية تماما كغيرنا من العلماء؛ ويتعين علينا أن نحافظ على وجودنا إزاء المباحث الأخرى حتى لا تبتلعنا، من دون أن يكون لدينا الحظ أو الحق في ادعاء أي امتياز في بلوغ الحقيقة وحدنا، بغض النظر عن الطريقة التي قد نفهم بها هذه الحقيقة. فالعلماء يحتاجون إلى نوع من الموضوعية، كما يحتاجون أيضا إلى نوع من تناسي المسلمات، وإلا فإنهم لن يحققوا أي تقدم يذكر. فلماذا لا يتعين علينا نحن الفلاسفة أن نواصل البحث الحديث في الصور والشروط الأكثر عمومية للكلام والفعل والتفكير؟ ألسنا من يملك ميزة الدفع بالتأمل أبعد مما يحتاجه العلماء عادة؟



سؤال: كيف تفهمون إذن علاقتنا بالفلسفة الكلاسيكية؟ فبإمكاننا أن لا نعيد استثمار مقولات أرسطو عندما يتعلق الأمر بتفسير ميتافيزيقي للعالم. لكن هل يصح هذا عندما يكون الأمر متصلا بالتفكير السياسي والأخلاقي ومشاكل الفعل..؟



جواب: إذا قرأتم حنا آرنت وليو شتروس وسلكتم الطريق التي تقود إلى الأخلاق النيقوماخية مثلا، أي إلى مفاهيم السياسة والممارسة (praxis) والتيخني (techne)...الخ فإنكم ستفعلون ذلك، إذا كنتم نزيهين، انطلاقا من مسلمات مختلفة عن المسلمات الخاصة بأرسطو. فهو كان يعرف ما هي بنية المدينة (polis) وما هي الأخلاق (ethos)، وكان لا يشك لحظة في قدرته على أن يفسر لأي كان وبالنسبة إلى أي زمان ما هي القوة الوحيدة للحياة الاجتماعية أو السياسية التي يمكن فيها لكل فرد يريد أن يصبح كائنا بشريا أن يحقق ذلك. أما أنتم فليس بإمكانكم أن تفعلوا ذلك. وإذا حصل أن توقفتم عن ادعاء المعرفة بالصورة الوحيدة للمدينة أو الأخلاق، تعين عليكم ابتكار تمثيل مختلف عن المفاهيم الأرسطية. ففي كتاب دروس في فلسفة كانط السياسية، تقترح علينا حنا آرنت الفرونيسيس (الروية) صيغة استدلالية في المسائل العملية. وتحدد هذه الصيغة بأنها الاعتناق الدوري لمنظور كل واحد من أولئك الذين يمكنهم أن يتأثروا بالاقترانات العملية لفعل من الأفعال. وهذا ـ لعمري ـ ليس إلا طريقة مختلفة لتفسير التأويل الحديث للمسألة الأخلاقية، ولا يتعلق الأمر بأرسطو أبدا. فاللجوء إلى أرسطو أو أفلاطون لا يعني البتة أننا نتملكهما تملكا كليا كما كانا، بل نتملكهما بالمعنى الجاداميري (نسبة إلى جادامير)، انطلاقا من وضعنا الهيرمينوطيقي ونحن نعلم علم اليقين أن مقدماتنا تختلف كثيرا عن مقدماتهما.



سؤال: لكن هل يصح في نظركم تملك أرسطو، حتى بالمعنى الذي حددتموه؟



جواب: لقد أحلت في كتابي الأول عن الفضاء العمومي على حنا آرنت التي كانت تعنيني كثيرا آنذاك. فاهتمامي الأول في مطلع الستينات كان منصبا على معرفة الكيفية التي يمكن أن نخلص بها المنظور الأرسطي حول الطبيعة العملية من سياق تشاخصي واجتماعي، ونجعله يقف في مستوى واحد مع الخطاب السياسي الحديث. وأعني هنا خطاب ماكيافللي وهوبز وروسو. فكيف يمكن عقد الصلح، ليس فقط بين الطريقة العلمية الحديثة، بل بين الواقع الاجتماعي المعاصر (الذي يندرج بالنسبة إلى الحداثة في السوق تماما كاندراجه في النسق القانوني التعاقدي الحديث) وبين الرؤى الكلاسيكية حول الطبيعة العملية التي تتميز بها شؤون البشر؟


فأنا لا أتغاضى عن التأويل، لكنني أظن أننا لن نسمح لأنفسنا بأن نكون سُذَّجا فنقفز على شرطنا الحديث لنجد أنفسنا في مستوى واحد مع القدماء. يجب إذن أن نتحلى بالنزاهة ونعلن أننا لا يمكننا التظاهر بتبني مسلمات لا نستطيع الاعتقاد فيها ولا العيش بها.


لقد كانت حنا آرنت واقعة بين أمرين: فمن جهة كانت تتوق إلى العودة إلى النظرية السياسية التقليدية، لكنها كانت، من جهة أخرى، واعية المشاكل الحديثة. وفي رأيي كانت حنا في كتابها عن الثورتين (الفرنسية والأمريكية) منقادة شيئا ما بتعاطفها الأحادي مع سياسة القدماء، ومعارضتها للمجتمع الحديث. وقد تبنت هنا في هذا الكتاب اختيارا لم يكن، حقيقة، في متناولها. فنحن لا نستطيع الخروج من المجتمع الحديث سواء أكنا نحبه أم لا. لا يمكننا غض الطرف عن رؤى الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، منذ آدم سميث، التي تدور حول الفكرة القاضية بأن المجتمعات الحديثة ترتبط في مجموعها (على نحو جزئي وأساسي، وإن لم يكن ذلك بكيفية حصرية) بعلاقات يمكن نعتها بأنها نسقية: علاقات السوق والإدارة والأوضاع التي ينظمها القانون. فلا يمكن، والحالة هذه، أن نعثر في البنية الحديثة على صورة مؤمثلة للمدينة (polis). ولكن، للأسف، هذا ما فعلته جزئيا حنا آرنت حينما قارنت الثورة الأمريكية بالثورة الفرنسية. فالثورة الأمريكية جرت قبل كل شيء في بلد المزارعين الصغار الرأسماليين والتجار الصغار. وبلد كهذا لا يمكن رده بسهولة إلى نموذج المدينة القديم. وأعتقد أن حنا لم تقدر هذه النقطة حق قدرها. فقد كان هيجل أشد وضوحا منها؛ ففكرته عن المجتمع المدني أكثر حداثة من الفهم الذي تقدمه هي.


فامتلاك نظرية جيدة يعني كذلك امتلاك نظرية "مطلعة" من جهة الوصف؛ إذ لا فائدة ترجى من صوغ نظرية معيارية ومواجهتها بواقع مختلف كليا. فعلينا أن نربط التوجهات المعيارية بما ينجم عن هذا الواقع نفسه دون أن نفترض نهائيا أن هناك مادة وحيدة للتاريخ. ويمكننا أن نحلل النزعات المتناقضة في الوضع الراهن وفي المجتمعات المعاصرة بحيث نشجع بكيفية عملية المجتمعات التي نعتقد أن بإمكانها ومن حقها أن تُشَجَّع دون تعسف. ويمكن في الواقع أن نسوغ ذلك بالوقوف في وجه الهيمنة المتوسعة للبيروقراطية، والتوحيد الكبير للحياة وتكثيفها، والأوامر النسقية للاقتصاد الرأسمالي. وإذا شئت استعمال اصطلاحاتي الخاصة قلت: يجب أن نشجع بقوة عوالم الحياة المهيكلة بكيفية تواصلية.



سؤال: لقد سعيتم في نظريتكم عن الفعل التواصلي بين الموقف المعياري والموقف الوصفي، إلى الاتكاء على البنية الأنثروبولوجية (حين أحلتم على بياجيه ودوركايم). فكيف يمكن للباحث أن يولد نظرية معيارية انطلاقا من وصف؟



جواب: ألسنا هنا أمام المغالطة التطبيعية؟ إن هذه الصعوبة تمثل بالضبط السبب الذي يدفعني إلى البحث عن متابعة التحليل المتعالي ولو على نحو يختلف قليلا عما هو متعارف عليه؛ أي أن الأمر لا يتعلق بتحليل شروط إمكان المعرفة بالمعنى الكانطي أو الهوسيرلي، بل بتحليل للشروط الضرورية للفهم. فإذا نظرنا عن كثب إلى الشروط التي تكون ضرورية لكي نتفاهم عن شيء في العالم، فإننا نكتشف شيئا مثيرا للغاية، أي نكتشف افتراضات تداولية ذات محتوى معياري لا يمكن تلافيها أو التغاضي عنها.


فبمجرد ما نقبل الانخراط في الكلام، وقبل الدخول في أي صورة من صور الحجاج، يتعين علينا أن نفترض بكيفية متبادلة أننا مسؤولون. وهذا يصدق أيضا على الخطاب اليومي. وحتى لا نستطرد في ذكر أمثلة، يمكن أن نكتفي بواحد فقط. فإذا أنت قلت شيئا غامضا أو قمت بفعل يميل شيئا ما إلى الغرابة، فإن من حقي أن أسألك: "ماذا فعلت؟"، أو "ماذا قلت؟"، وأنا أفترض أن بمقدورك منحي تفسيرا صادقا يبين ما إذا كنت على صواب أو على خطأ. فهذا الافتراض القاضي بأنك لست غشاشا ولا ممسوسا بالذُهان ولا سكرانا لا يمكنك أن لا تأخذه في الحسبان. فتكون هنا متأكدا من أنني لن أعاملك بوصفك موضوعا أو شيئا يمكن التلاعب به، أو أنني عالم نفس يريد أن يلاحظ، بل سأعاملك بوصفك مسؤولا. يمكنني بالتأكيد أن أغير رأيي وأقف موقفا آخر أكثر حذرا واستراتيجية على نحو خفي أو ظاهر. لكن الموقف الأول يكون أساسيا أكثر من غيره، ويتطابق مع استعمال خاص باللغة. لماذا يتعلق الأمر هنا باستعمال خاص باللغة؟ لأن وسيلة اللغة وغاية (telos) الفهم تترابطان من الداخل لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى كما نفصل عادة بين الوسائل والغايات. فلا يمكنكم أن تفسروا ما اللغة من دون اللجوء إلى فكرة الفهم. وقد أوضح فيتجنشتاين هذه الحجة. ويتعلق الأمر هنا بضرورة متعالية ضعيفة، أي أنكم لا تستطيعون رفض الصدور عن بعض الافتراضات.


فالفعل التواصلي يقوم على الربط بين خطط مختلف الفاعلين باستعمال القوة المحفزة عقلانيا التي تستلزمها أفعال اللغة الإنجازية. زد على ذلك أن الفعل التواصلي لا يقبل أن يعوض بممارسات من جنس آخر مهما يكن السياق. فإذا كنا نربي على سبيل المثال أبناءنا أو ندرس طلابنا، أو كنا نسعى إلى إنعاش الروابط الاجتماعية بكيفية مشتركة، فإننا لا نستطيع رفض الانخراط في هذه الممارسة التواصلية. وهذا يعني أن إجراء الإدماج الاجتماعي وتحقيق الاتصال الثقافي والتكييف الاجتماعي أمور لا تتم إلا استنادا إلى الفعل التواصلي.



سؤال: هل توافقون على أن الديمقراطيات المعاصرة في حاجة إلى حد أدنى من الاختلاف (وليس إلى الإجماع فقط)، وأن سمة الديمقراطية قائمة في إقرار الاختلاف أكثر مما هي قائمة في نجاح الإجماع؟



جواب: بالطبع، فإذا كان هناك من امتياز أنثروبولوجي فإنه قائم في القدرة على قول: لا. وقد بين كل من هيردير وهيجل وفرويد، وأكتفي هنا بنماذج من ألمانيا، أن الحصول على إجماع معين لا يتم إلا استنادا إلى هذه القدرة على قول: لا. فالإجماع ليس شيئا إثباتيا، بل إنه نفي مزدوج. فقط ينبغي لنا أن نفترض أن العوالم المعيشة التي نتحرك فيها تتراكب، جزئيا على الأقل، بكيفية يكون فيها بمستطاعنا الانطلاق من افتراضات ضمنية متقاسمة على نحو تذاوتي. فالفعل التواصلي لا يمكنه أن يتحرك حرا طليقا في الفراغ. إنه يحتاج إلى عالم معيش يكون خلفية له (وهذا ما بينتُه في المجلد الثاني من كتابي نظرية الفعل التواصلي). فإذا كان هذا الضمني غائبا بصفة كلية، فإننا لن نلاقي إلا أفعالا استراتيجية. لكننا في المجتمعات الحديثة، وهذا أمر محمود في نظري، لدينا حشد من العوالم المعيشة المختلفة، وكل كينونة فردية تعد فريدة في مشروعها. والفردانية والكونية وجهان لعملة واحدة. وهذا أمر يعرفه كل واحد منذ هيجل. فلا يمكن أن تكون لديكم فردانية دون كونية معيارية. الشرط الوحيد هو أن لا نخلط الكونية المعيارية بمسلسل التسوية على النحو الذي يفهمه فوكو. فيجب أن لا نضع الكونية الأخلاقية في السلة نفسها مع الإمبريالية؛ ذلكم لأن الإمبريالية أو المركزية الإثنية تؤشر على الرفض أو العجز عن اتخاذ منظور أخلاقي. فليس هناك أبدا إفراط في الكونية، ولكن ليس هناك ما يكفي منها.


30‏/06‏/2006

مفهوم الرأسمال الاجتماعي

الرأسمال الاجتماعي

يدور مفهوم الرأسمال الاجتماعي على ثلاثة مفاهيم رئيسة: الثقة، ومعايير التجاوب (norms of reciprocity)، والشبكات. من هذه الناحية يفهم الرأسمال الاجتماعي بوصفه ظاهرة بنيوية (الشبكات الاجتماعية)، كما يفهم أيضا بوصفه ظاهرة ثقافية ترتبط بالمواقف (التجاوب والثقة).

يلعب الرأسمال الاجتماعي دورا كبيرا في تشجيع المواطنين على أن يصبحوا مستهلكين بارعين للسياسة، ومؤثرين وازنين في مسيرها. فانخراطهم المكثف في الجمعيات والهيئات، والشبكات عموما، في أجواء من الثقة والتجاوب، يقود حتما إلى الرفع من مستوى الوعي السياسي لديهم، بفعل الفرص المواتية التي يتيحها لهم هذا الانخراط لكي يناقشوا القضايا السياسية والاجتماعية المختلفة التي تعنيهم في فضاءات الظهور المفتوحة على الملأ. إن الرأسمال الاجتماعي يشيع بين الأفراد الالتزام بالخير العمومي ويشجع على الإعلاء من شأنه، كما يساعد على تجديد التضامنات وعقلنتها وتحديثها، ويساهم بكيفية فعالة في شيوع قيم الوفاق وثقافة عقد التسويات. إنه يلعب دورا رئيسا في نقل أذواق الجماعة من استعذاب تحقيق المصالح الخاصة (مثل كيف أغدو غنيا؟)، إلى استعذاب تحقيق مصالح الجماعة (مثل كيف يمكن الرفع من مستوى الجوار؟). فبعث رغبات تتصل بالخير العمومي لدى المواطنين، أو تطوير "الأنا" في إطار " النحن" كما يقول بوتنم (1995: 67)، يبين الكيفية التي يشجع بها الرأسمال الاجتماعي المواطنين مثلا على رفع مطالب تخص الجماعة وليس الأفراد. وللأسباب نفسها أيضا يمكن للجماعة، إذا كان مخزون رأسمالها الاجتماعي وافرا، أن تتخلى عن مطالب المدى القصير، ذات البعد الاستهلاكي الزائل، وتشايع المشاريع وأنواع الاستثمار التي تعود في المدى البعيد بالخير العميم على كل أعضائها وترفع من مستوى عيشهم.

Putnam Robert D. (1995) “ Bowling Alone: America’s Declining Social Capital” Journal of Democracy 6 (January). p.67

28‏/06‏/2006

مفهوم السلطة بين المجتمعين السياسي والمدني

مفهوم السلطة بين المجتمعين السياسي والمدني

يروم هذا المقال، الذي يمثل في الأصل قسما من مقال طويل كتبته ونشرته منذ سنوات، رفع بعض الالتباسات التي تحيط ببعض المفاهيم المتداولة بين الناس الذين يهتمون بقضايا الشأن العام مثل: السلطة، والمجتمع المدني، والمجتمع السياسي، والفضاء العمومي، والإرادة العامة، ودور المثقفين...الخ. لا يدعي المقال بالطبع الحسم في الالتباس الذي يكتنف هذه المفاهيم. هذا أمر لا يمكن أن يدعيه الإنسان، أيا كان، إلا إذا كان مجنونا فقد عقله. المقصود برفع الالتباس هاهنا هو اقتراح إطار تحليلي يضفي بعض الانسجام على هذه المفاهيم مجتمعة، بحيث تصبح دالة وذات معنى في هذا الإطار وليس في غيره. وهذا يعني أن بإمكان المرء أن يقترح أطرا أخرى تضفي على هذه المفاهيم نفسها ضروبا مختلفة من الانسجام. الأجزاء الرئيسة التي تشد إليها الإطار الذي يصدر عنه المقال هي أجزاء مستوحاة من التصور الذي طوره الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هابرماس؛ وبالمقال أجزاء أخرى تعود إلى مفكرين آخرين أبرزهم عبد الله العروي وحنا آرنت، وريتشارد رورتي. غير أننا لم نعمد في المقال إلى استعمال الاصطلاحات نفسها التي نعثر عليها عند هؤلاء المفكرين إلا نادرا. فهذا أمر يتطلب منا تذييل اصطلاحاتهم كلها بشروح وحواشي توضحها. ومن شأن هذا أن يخرج بنا تماما عن الغاية التي رسمناها لهذه المدونة. لهذا السبب عمدنا إلى استعمال اصطلاحات في المتناول، سهلة المأخذ في الغالب.

1- السلطة السياسية والسلطة المدنية

نستطيع التمييز في السلطة بين مستويين اثنين: مستوى أول تجسده الدولة بمؤسساتها المختلفة، وهو مستوى يعبر عنه الحاكمون أو الحكومة بخطبها وأفعالها وقراراتها. ومستوى ثان يجسده المجتمع المدني من خلال جمعياته ومنظماته ونواديه، ويعبر عنه التواصل العمومي الذي تعكسه هذه الهيآت والجمعيات والمنظمات والنوادي في مبادراتها وأنشطتها المدنية المختلفة، وفي تدخلاتها التي تنشطها وسائط الإعلام المتباينة وتعممها.

يمكن أن نصطلح مؤقتا على هذين المستويين في السلطة بالسلطة السياسية والسلطة المدنية. ويلوح أن وضع الأحزاب ضمن هذا التصور للسلطة وضع ملتبس. لكننا نقول، اختصارا، إن الأحزاب بحكم الغايات التي ترمي إلى تحقيقها تندرج ضمن مستوى السلطة السياسية. إنها تندرج ضمن هذا المستوى بصيغتين: صيغة الفعل عندما تكون في الحكومة، وصيغة القوة عندما تكون في المعارضة. فهي لا تعارض في نهاية التحليل إلا من أجل الوصول إلى الحكومة وتسلُّم السلطة. وعلى الرغم من أن الأحزاب المعارضة تلتقي في أنشطتها مع أنشطة منظمات المجتمع المدني، فإنها لا تلتقي معها في الغايات. غايات الأولى تتجه إلى تحصيل السلطة السياسية كما ذكرنا سالفا؛ أما غايات الثانية فتنحصر في مراقبة الحكومة، أيا كانت الأحزاب المكونة لها، والتأثير فيها وتوجيهها جهة المصلحة العامة، والبقاء حيث هي في المعترك المدني. بعبارة أوضح يمكن أن نميز بين الأحزاب والمنظمات المدنية بقولنا إن الأحزاب جماعات ذات مصالح لها صلة وثقى بها من حيث إنها جماعات تروم الوصول إلى السلطة (وهذا لا ينقص من قيمتها، لأن الأحزاب لا تنظر إلى مصالحها إلا بوصفها تحقق المصلحة العامة أو تتناغم معها)، أما المنظمات المدنية فمنظمات تطوعية خالصة لها مصلحة واحدة هي المصلحة العامة (هذا أيضا لا يعلي من شأن منظمات المجتمع المدني، لأنها يمكن أن تخطئ الطريق إلى المصلحة العامة، إما عن قصد وإما عن سهو أو خطأ).

من هنا يكتسي مفهوم المجتمع المدني أهميته بوصفه مرصدا للمراقبة ومرآة يقرأ فيها المجتمع السياسي نفسه. ومن هنا نتبين، في مستوى أكثر تعميما، أن المجتمع السياسي، بما أفرزه من مؤسسات، لم يتشكل تاريخيا إلا لكي يحفظ الحيز الأكثر اتساعا لما ليس سياسيا، أي للمجتمع المدني. وحتى تتضح أهمية المجتمع المدني ويشتد بيانها، ينبغي لنا أن نعرج على مفهوم آخر شديد الصلة به، هو الفضاء العمومي. فالمجتمع المدني لا يكتسي معناه النقدي إلا إذا تهيكل ضمن الفضاء العمومي، وهذا ما سنحاول بيانه الآن بشيء من التفصيل خفيف.

2-الفضاء العمومي وسلطة الرأي

نقصد بالفضاء العمومي ذلكم الحيز الوسيط الذي ينشأ بين المجتمع المدني والدولة. إنه، بعبارة أوضح، المكان الذي يجتمع فيه جمهور المواطنين لصوغ رأي عمومي. ويكون هذا المكان مفتوحا من الناحية المبدئية في وجه كل المواطنين المعترف لهم بالحق في التجمع والتعبير الحر عن آرائهم. وصفة العمومية المنسوبة إلى هذا الفضاء ليست من جنس العمومية التي تُنسب إلى الدولة أو المجتمع السياسي. العمومية المنسوبة إلى هذا الفضاء تُعد بالأحرى وسيلة لنقد ممارسة الدولة للسلطة ومراقبتها.

حقا، إن الفضاء العمومي يُعد صورة جديدة من صور إضفاء المشروعية على السلطة السياسية ( أي على الفعل السياسي (العمومي) للدولة )، لكنه يعد من جهة أخرى وسيلة ناجعة، في نطاق الديمقراطية، لتحويل طبيعة هذه السلطة؛ أي تحويلها في أفق عقلنتها وتوجيهها والتأثير فيها لتتلاءم أكثر فأكثر مع طموحات المواطنين وتطلعاتهم ومطالبهم. والعُمْلة أو الوسيط الذي يحكم المعاملات في الفضاء العمومي هو الفعل التواصلي Communicative action) ). (يرى هابرماس إن هناك ثلاث عملات أو ثلاثة وسائط: الدولة أو المجتمع السياسي يستعمل وسيط السلطة، النسق الاقتصادي يستعمل وسيط المال، والمجتمع المدني المهيكل في الفضاء العمومي يستعمل وسيط الفعل التواصلي). لهذا لا يوجد قيد أو شرط يمكن أن يمنع المواطن من ولوج الفضاء العمومي والمساهمة فيه. إذ إن القدرة على التواصل بواسطة اللغة تكون كافية وحدها لولوج هذا الفضاء والضرب بسهم فيه. بيد أن الفعل (التواصلي) في نطاق الفضاء العمومي لا يكتسي مشروعيته من حدود المصالح الخاصة أو الفئوية للأفراد أو الجماعات، بل يكتسيها من حدود المصالح القابلة للتعميم والتي تتعالى عن المصالح الخاصة والجزئية للأفراد والجماعات المتنافسة. لذلك عدّه بعض المفكرين (أبرزهم هابرماس) المكان الذي تتكون فيه الإرادة العامة على نحو عقلاني. وعندما نستعمل مفهوم الفضاء العمومي بهذا المعنى في التحليل، لا يمكننا الركون مثلا إلى التعريف الذي طوره روسو Rousseau) ) عن الإرادة العامة، أي التصور الذي يسلم بأنها موجودة سلفا، قبل كل تكوين للإرادة عن طريق النقاش العمومي. بعبارة أوضح، إن مصدر المشروعية، كما استدل على ذلك هابرماس في عدد من كتبه، لا يوجد في إرادة الأفراد الموجودة والمحددة سلفا، بل في مسلسل تكوُّنها، أي في المشاورة ذاتها. فالقرار المشروع إذن، ليس القرار الذي يمثل إرادة الكل، بل القرار الذي يكون نتيجة لمشاورة الكل.

حسب هذا المنظور إذن، يصبح الفضاء العمومي شرطا رئيسا لتكوين رأي جمهور المواطنين وإرادتهم. وعندما نتحدث عن رأي المواطنين أو ما يسمى بالرأي العمومي، لا نقصد به مجموعة من الآراء الفردية التي تنشأ هكذا بكيفية معزولة وتصاغ في سياق خصوصي. بعبارة أوضح، ينبغي أن لا نخلط بين الرأي العمومي وبين النتائج التي يمكن أن نتوصل إليها بوسائل السبر والاستطلاع السطحية. الاستطلاع السياسي للرأي لا يكون عاكسا الرأي العمومي حقيقة إلا إذا تحقق في فضاء عمومي مُعَبَّأ، وكان مسبوقا سلفا بتكوين للرأي متصل بالأمور المعروضة. وهنا تحديدا يظهر دور وسائط الإعلام بمختلِف أشكالها، ودور المثقفين والشخصيات البارزة والخبراء الملتزمين (نقصد بالخبراء الملتزمين هنا مجموع الخبراء الذين تمردوا على فئة الخبراء التقنوقراط، واعتنقوا قيم التضامن وكرسوا قسطا من وقتهم للتدخل في قضايا الشأن العام، وتبسيط الأمور المعقدة في الاقتصاد والسياسة والاجتماع وغيرها من الميادين المتخصصة، والمستغلقة أحيانا، وشرحها قصد تنوير المواطنين والرفع من مستوى الرأي العمومي في المجتمع بصفة عامة). فهؤلاء جميعا يساهمون بأشكال متفاوتة وبطرائق متباينة وبأقساط مختلفة في تعبئة المواطنين وتنوير الرأي عندهم بخصوص المسائل المعروضة للنقاش.

ويكتسي الرأي العمومي أهميته من كونه طاقة للتأثير السياسي. إنه رأي يفرزه المجتمع المدني في الفضاء العمومي، ويصبح قابلا للاستثمار في التأثير في المجال السياسي وفي السلوك الانتخابي للمواطنين. وهنا تحديدا تكمن سلطة المجتمع المدني. وإذا كان هذا التأثير لا يتحول إلى سلطة سياسية ( أي لا يتحول من سلطة مدنية إلى سلطة سياسية ) إلا بمقدار ما يؤثر في قناعات الأعضاء ذوي النفوذ في النسق السياسي ( الحكومة )، فإن الأعضاء النافذين في النسق السياسي يعرفون بدورهم أن سلطتهم (السياسية) لا تكون مشروعة إلا إذا كانت تُمثِّل السلطة التي تتولد بكيفية تواصلية في الفضاء العمومي (السلطة المدنية). إنهم، بعبارة أوضح، يُلْفون أنفسهم مضطرين إلى الإنصات مليا إلى المطالب التي يرفعها المجتمع المدني في الفضاء العمومي والاستجابة لها. إذ لا يمكن للسلطة السياسية، التي تخول لها أدبيات دولة القانون الديمقراطي حق اتخاذ القرارات الملزمة للجماعة، أن تكون سلطة مشروعة إلا إذا كانت مسنودة ومؤيدة بسلطة المجتمع المدني المؤسسة على التواصل. بعبارة أخرى، إن المجتمع ينبغي أن يرى في القرارات الملزمة التي تصدر عن السلطة السياسية تجسيدا لحقوقه المنصوص عليها في الدستور وإحقاقا لها، وليس إخلالا بها أو هتكا لها.

وفي هذا الإطار يكون الفضاء العمومي ميدانا تعبره السلطتان معا وتتقاطعان فيه: سلطة سياسية نسقية نازلة من أعلى، وسلطة مدنية منبعثة بكيفية تلقائية من النسيج التواصلي الذي يحبكه المواطنون في الفضاء العمومي. وهذا العبور والتقاطع يُضْفِيان على الفضاء العمومي طابعي الحيوية والتجدد. لكنهما يسِمانه بطابعي التوتر والصراع أيضا. سنحاول أن نبرز في الفقرة الموالية بعض مظاهر هذا التوتر والصراع.

3-الفضاء العمومي ومسألة الهيمنة

إن سلطة الدولة، من حيث إنها تنظيم، تعد نسقا. وبما أنها نسق، فإنها تملك كل خصائص النسق. فهي كيان يتصف بالكلية، ويتمتع بالضبط الذاتي، ولا يمكن أن يتحول ويخرج عن طوره ويصبح شيئا آخر مخالفا لنفسه. (هيغل كان يقول إن الدولة دائما تختلف عن التصور الذي يكونه الفرد عنها، ويقصد بالفرد طبعا الفرد الذي يعيش في المجتمع المدني). منطق هذه السلطة الداخلي تلخصه النجاعة والفعالية. أما العقلانية التي يندرج ضمنها هذا المنطق فعقلانية أداتية خالصة. إنها باختصار سلطة تحدد نفسها عن طريق القانون بوصفها سلطة سياسية مؤسسية تنـزع إلى الأمر والفرض والقيد والهيمنة. وهذه السمات التي تتصف بها هذه السلطة لا تزول حتى في الأنظمة الديمقراطية العريقة، حيث تستند مشروعية السلطات كلها إلى السيادة الشعبية المعبر عنها بالاقتراع العام.

أما السلطة المدنية فلا تعد نسقا. إنها بالأحرى سلطة مائعة وسيالة، تنتج بكيفية تلقائية عن التواصل الحر الذي ينسجه المواطنون فيما بينهم بخصوص القضايا والمشاكل التي تتصل بالشأن العام. منطق هذه السلطة الداخلي لا يندرج تحت مقولتي النجاعة والفعالية، بل تحت مفهوم عام هو التفاهم المتبصر حول أحسن السبل المُفضية إلى العيش الكريم بالمعية في المجتمع. عقلانيتها ليست أداتية، بل تواصلية شديدة الصلة بالعقل العملي البعيد كل البعد عن العقل النظري-التقني الذي تستلهمه السلطة السياسية. المهد الذي تتشكل فيه هذه السلطة هو الفضاء العمومي، وهو فضاء غير مؤسسي على عكس الفضاء العمـومي النسقي ( كالبرلمان واللجان المتفرعة عنه…) الذي تعمل فيه السلطة السياسية. إنه فضاء غير مؤسسي لأن الفاعلين فيه لا يعملون تحت ضغط استعجال اتخاذ القرار كالفاعلين السياسيين في الفضاء المؤسسي للدولة. الوقت في الفضاء العمومي هو الوقت الذي تستغرقه المشاورات والمناقشات، لا يخضع للحساب أو للاختصار اللهم إلا إذا أراد هذا الفضاء أن يقوض ذاته وينقلب على نفسه.

إن الصعوبة هنا تكمن في تحمل هذا التوتر البنيوي الحتمي الذي ينشأ بين المظهر النسقي للسلطة، اللازم لاشتغالها الفعلي ( والذي يرمي بطبيعته ذاتها، السلطة المدنية إلى الأرباض، لأنه يرى فيها عاملا مشوشا على انضباطه الذاتي )، وبين مظهرها المدني الذي يمثل من جهته المصدر الوحيد للديمقراطية والمشروعية، والذي ينبغي له، وهذا داخل في طبيعته، أن يمارس حق التدخل في النسق السياسي. (الإرادة العامة، بالمناسبة، لا تهدأ أو تستريح بمجرد وضع المواطنين الأوراق في صناديق الاقتراع). وكلما مال التوتر بين المظهرين أو السلطتين في دولة ما إلى اللين استطعنا أن نتحدث عن استقرار سياسي، وكلما احتد التوتر بينهما واشتد، صح الحديث عن أزمة سياسية في الدولة. والحقيقة الأساس التي لا ينبغي إغفالها هنا هي أن السلطة السياسية النسقية المولِّدة للقرارات الملزِمة لا يمكن أن تأخذ بناصية الإرادة العامة التي تمثلها إلا إذا ظلت متابعة ومنصتة ومنفتحة على المطالب والقيم والمحاور المتداولة بكيفية تلقائية وحرة في الفضاء العمومي. آنذاك، وآنذاك فقط، تكون قراراتها مجسدة للحقوق وملبية للطموحات ومحققة للآمال والتطلعات.

... المثقفون

لا يمكننا ونحن نتحدث عن المجتمع المدني أن ننسى الدور الحاسم الذي تلعبه النخبة المثقفة في إشاعة القيم، وتنوير الرأي العمومي والرفع من مستواه. ونحن إذ نطرح دور النخبة المثقفة في هذا السياق، نعول على المثقف الذي لا يفصل الالتزام النظري بالحقيقة عن الالتزام الأخلاقي- السياسي بالعدالة. نعول على المثقف الذي ينتقد الرؤى النسقية التي يقترحها السياسيون للعالم. نعول على المثقف الذي يجري التعديلات اللازمة على الحلول الآلية والصماء التي يقترحها الخبراء الخُلص (غير الملتزمين) لمشاكل الناس. نعول على المثقف الذي مازال يؤمن أو يحلم بأن في الإمكان دائما أبدع مما كان. ونعول في الأخير على المثقف الذي يؤمن بأسبقية الديمقراطية على الفلسفة، وبأسبقية التضامن على الموضوعية.