08‏/03‏/2012

ديريدا والخطيبي

يقول ديريدا موجها كلامه إلى عبد الكبير الخطيبي:

عزيزي عبد الكبير إنني كما ترى أعتبر نفسي هنا فرنسيا مغاربيا أكثر منك، بل إنني أرى في نفسي الفرنسي المغاربي الوحيد الموجود هنا. وإذا كنت مخطئا أو مبالغا أو متعجرفا فإنني على يقين من أن أحدا بإمكانه أن يكذبني. سأعمد إلى شرح ما أقصد أو سأجتهد في التماس ما أمكنني من المسوغات لما أدعيه. لننظر حولنا ولنعمد إلى التصنيف والتقسيم متوسلين بالمجموعات.

أ_ يوجد بيننا فرنسيون ناطقون بالفرنسية ليسوا مغاربيين، فرنسيون أقحاح ، إذا شئتم الاختصار، مواطنون فرنسيون جاؤوا من فرنسا.

ب – يوجد بيننا أيضا ناطقون بالفرنسية لا هم بالفرنسيين ولا هم بالمغاربيين. أقصد هنا السويسريين أو الكنديين أو البلجيكيين أو الأفارقة القادمين من بلدان وسط إفريقيا المختلفة.

ج ـ ويوجد بيننا أخيرا مغاربيون ناطقون بالفرنسية، ليسوا ولم يسبق لهم أن كانوا فرنسيين، أعني أنهم ليسوا مواطنين فرنسيين، كحالك أنت مثلا، أو حال المغاربة الآخرين أو التونسيين.

إذا ألا ترى أنني لا أنتمي إلى أي من هذه المجموعات التي أتيت على تحديدها بوضوح؟ 'هويتي' لا تندرج في أي صنف من هذه الأصناف. أين سأضع نفسي؟ وما التصنيف الذي ينبغي اصطناعه؟

افتراضي الذي أصدر عنه هو أنني هنا الوحيد الذي أستطيع أن أدعي في الوقت ذاته أنني مغاربي (وهذا لا صلة له بالمواطنة) ومواطن فرنسي. أنا الإثنان معا. أو أنا الإثنان بالولادة.


*-Jacques Derrida. Le monolinguisme de l'autre. Éditions Galilée, 1996.

إليزابيث تهاجم ديكارت



حين نشر ديكارت تأملاته، في نسختين سنة 1641 وسنة 1642، وُوجه بتحديات كثيرة تتصل بآرائه عن خلود النفس البشرية، وعن اختلاف النفس عن البدن، وعن قضايا أخرى كثيرة فصل القول فيها تفصيلا في ثنايا الكتاب. ولعل أبرز تحد واجهه ديكارت ذاك الذي صاغته صديقته إليزابيث، أميرة بوهيميا، في رسالة بعثتها إليه على جناح السرعة بعد أن قرأت الكتاب وأعادت قراءته، تتساءل فيها عن جدوى الطريقة الجديدة التي سنها في الحديث عن الذهن والبدن، وعما إذا كان بإمكان هذه الطريقة أن تمكن حقا من تفسير تجاربنا الذهنية بكيفية تفضل ما كان رائجا في فلسفة القرون الوسطى لدى النظار من أهل المدارس. تقول إليزابيث في رسالتها المؤرخة بـ (16 ماي 1643):
"كيف يمكن للنفس البشرية، التي لا تزيد عن كونها جوهرا مفكرا، أن تحدد حركة الأرواح الحيوانية، وتؤدي بذلك إلى حصول الفعل الإرادي؟ يلوح لي كما لو أن كل تحديد للحركة ينتج عن العوامل الثلاثة الآتية: دفع الشيء ليتحرك، ثم الطريقة التي دفعه بها الشيء الذي حركه، ثم كيفية وهيئة مساحة هذا المحرك. العاملان الأول والثاني يستلزمان الاحتكاك، أما العامل الثالث فيستلزم الامتداد. إنك أبعدت الامتداد كليا (تماما) عن تصورك للنفس، ويهيأ لي أن الاحتكاك لا يتلاءم مع كونها شيئا غير مادي. وهذا هو الذي يلح علي ويحثني على أن أطلب منك حدا أكثر دقة للنفس مما أتيت على ذكره في ميتافيزيقاك، أي حدا لجوهر النفس عندما يكون مفصولا (أو متوقفا) عن فعل التفكير".
استند الجواب الذي صاغه ديكارت إلى رأي مفاده أننا لا نملك إلا عددا محصورا من المفاهيم التي يمكن أن نلجأ إليها وننجح في تفسير الظواهر التي تكشف عنها المقولات المختلفة. واقترح في رسالة كتبها (يوم 21 ماي 1634) أن هناك خاصيتين مختلفتين اثنتين تتميز بهما النفس تتطلبان التفسير: "إحداهما أن النفس تفكر، والثانية أن اتحادها بالبدن يجعلها تفعل في البدن وتنفعل به".
إن الأميرة إليزابيث لم تقتنع بجواب ديكارت؛ لذلكم نجدها تعيد صوغ شكوكها في رسالة خطتها في (20 يونيو 1643) تعترف فيها قائلة: "من السهل علي أن أنسب المادة والامتداد إلى النفس، ولا أنسب القدرة على تحريك البدن والتحرك بسببه إلى موجود غير مادي".

06‏/03‏/2012

ديريدا: لا أملك إلا لغة واحدة، وهذه اللغة ليست لغتي





حين قال ديريدا هذا الكلام بدا لأول وهلة كما لو أنه كلام ينطوي على مفارقة. لكن ديريدا كان في 'الحقيقة' يصدر عن خلفية تاريخية تؤكد بالفعل صحة كلامه. فديريدا ينتمي إلى الطائفة اليهودية الجزائرية. وكان أعضاء هذه الطائفة قد حصلوا على الجنسية الفرنسية بمقتضى ظهير كريميو سنة 1870. غير أن التمتع بهذه الجنسية لم يدم طويلا؛ إذ سرعان ما تراجعت الدولة الفرنسية عن سخائها ونسخت ظهيرها هذا في أكتوبر سنة 1940 وسحبت منهم الجنسية، لتعود بعد ذلك سنة 1943 وتتراجع عن السحب وتعيد إليهم الجنسية الفرنسية مرة أخرى.

يذكر ديريدا في أثناء حديثه عن هذا المنح/المنع أن اليهودي في الجزائر لم يكن في متناوله امتلاك الثقافة العربية أو الأمازيغية لأسباب كثيرة معروفة. وعلى خلاف الطوائف اليهودية التي عاشت في أوروبا الوسطى أو الشرقية والتي طورت لغة الييديش للتواصل بها فيما بينها، فإن الطائفة اليهودية الجزائرية لم يسعفها الحظ في تطوير لغة مشتركة مماثلة تتواصل بها. وحين عمدت إلى اصطناع اللغة الفرنسية وسيلة للتواصل، كانت في واقع الأمر تتواصل بلغة المركز (الميتروبول)، أي بلغة تنتمي إلى ضفة البحر الأخرى، ضفة فيها توجد آداب هذه اللغة وروائعها. فإذا أنت تكلمت هذه اللغة وأنت بأرض الجزائر فمعنى ذلك أنك تتكلم لغة تصاغ قواعد الكلام الفصيح بها وأساليب الكتابة الراقية فيها في ربع من العالم غير الربع الجزائري الذي أنت حال فيه بالميلاد والوجدان. لهذا السبب قال: ""لا أملك إلا لغة واحدة، وهذه اللغة ليست لغتي".

لكن على الرغم من أهمية هذا المعنى التاريخي، هناك معنى آخر نكون فيه كلنا في وضع ديريدا، أي نملك لغة واحدة، من دون أن تكون هذه اللغة لغتَنا. فلغتي حسب ديريدا هي دائما مكان لهوية مفارقة. إنها الفضاء الوحيد الذي يمكنني من إثبات ذاتي رمزيا من حيث إنني أنا، لكن بما أن هذا فضاء يسبقني ويأتيني من غيري، فإنه يجعلني على الدوام خارج طوري أو هامشيا بالنسبة إلى نفسي. من هذه الزاوية لا تكون هذه اللغة لغتي لأنها لا تسمح لي بأن أمتلكها امتلاكا كليا. علاقتنا بلغتنا تشبه علاقة النبات بأمعائه. أمعاء النبات، كما قال هيجل، توجد خارجه مدفونة في الأرض...

هوبز والعقد الملتبس


صورة غلاف الليفياتان. صممها هوبز ورسمها صديقه



هناك ما يشبه الإجماع على أن العلاقة القائمة بين صاحب السيادة والشعب في نظرية العقد التي اقترحها هوبز علاقة غامضة وملتبسة. فهناك من جهة الناس تفويض مطلق لصاحب السيادة بأن يحكم، وهناك من جهة أخرى إشارات صريحة إلى حق الناس في المقاومة والاعتراض. هذا التناقض بين التفويض المطلق والحق في المقاومة والاعتراض يلقي بظلال من الشك على حقيقة موقف هوبز.

فصاحب السيادة لا ينصب عند هوبز إلا بعد تعاقد المواطنين واتفاقهم على النطق بالجملة القوية الآتية: "أفوض حقي في حكم نفسي وأتخلى عنه [لصاحب السيادة] ". وهذه الجملة لا تحتمل تقييدا. إنها تمنح صاحب السيادة في الكومينويلث (
الكومينويلث والدولة والمجتمع المدني مترادفات في اصطلاح هوبز، لم يقع التمييز بين الدولة والمجتمع المدني إلا لاحقا) سلطة تامة على مواطنيه. فالسلطة هنا مطلقة غير محدودة. إنها كما يقول هوبز "أكبر مما يمكن للناس أن يتخيلوه". ويترتب على هذا التفويض أن ما يفعله الكيان السيادي للمحكومين لا يمكن أن "يسمى ظلما أو حيفا". وهذا يعني أن هوبز لا يقيم فرقا بين دولة الاستبداد (أو التسلط) ودولة المشروعية. غير أن هوبز لا يلبث أن يجعل للمحكوم حقا يخول له مقاومة صاحب السيادة وعصيان أمره للحفاظ على حياته. فإذا أمر صاحب السيادة أحدا من الناس أن يقتل نفسه أو يجرحها، أو يتخلى عن مقاومة المعتدين عليه، أو يتوقف عن استعمال الأكل أو الهواء أو التطبيب أو أي شيء آخر لا تكون الحياة إلا به، فإن هذا الشخص يكون في حل من طاعة الأمر وتكون له "الحرية في العصيان (Liberty to disobey)". فهذا الحق في العصيان يضع من دون شك قيدا جوهريا على السلطة غير المحدودة التي فوضها المواطنون وأوكلوها لصاحب السيادة. الغريب في الأمر أن هوبز يخول لصاحب السيادة الحق الكامل في السعي إلى مجابهة كل مقاومة. وهذا يعني أن الحق المحدود الذي يخول للمواطن عصيان الأمر لا ينال من حق صاحب السيادة في أن يجبره على الطاعة. غير أن حق صاحب السيادة في مجابهة العصيان لا تنفي أن العصيان في نظرية العقد عند هوبز سلوك مشروع...