كرّس كارل شميت القسم الأكبر من كتابه ناموس الأرض (1950) لمناقشة
القانون العمومي الأوروبي (Jus Publicum Europaeum)، وهو القانون الذي تبلور وامتد العمل به من صلح وستفاليا (1648)
تقريبا حتى الحرب العالمية الأولى (1914). وقد استند هذا القانون إلى تقسيم مكاني
مزدوج:
التقسيم الثاني يخص أوروبا وغيرها. فالموجود خارج أوروبا
بالنسبة إلى هذا القانون ليس سوى أرض حرة مفتوحة أو مشاع (an open
and unoccupied space) قابلة للغزو والاستحواذ والاستعمار وما
يحدث وراء الخط الذي يرسم حدود أوروبا لا تسري عليه قواعد القانون الدولي
الأوروبي.
ميزة هذا القانون في نظر شميت تمثلت في كونه خفف من غلواء الحرب
وروَّضها. فبعد الحروب الدينية المدمرة التي عرفتها أوروبا في القرنين السادس عشر
والسابع عشر (حرب الثلاثين عاما على وجه الخصوص) تمكنت أوروبا في نظر شميت بفضل
هذا القانون من تحقيق شيء غير مسبوق، وهو أنها استطاعت أن تنقل الحرب من حرب عادلة
(Justum bellum)، أي من حرب يكون أحد طرفيها على حق والآخر
على باطل، إلى حرب نظامية بين أعداء شرعيين متساوين.
عقيدة الحرب العادلة في القرون الوسطى كانت تقضي بأن أحد طرفي
الحرب عدْل والآخر جائر، وتقضي بأن العدو مذنب أخلاقيا، وترى في الحرب عقابا له.
وبما أن الهدف هو القضاء على الظلم فإن عقيدة الحرب العادلة لم تقنن العنف الممارَس
في حق الظالم، بل تركته مفتوحا دون قيود لأن الغاية التي ترمي إليها الحرب في هذه
العقيدة هي اقتلاع الشر وإبادته.
ما ميز القانون العمومي الأوروبي هو أنه أنزل طرفي الحرب منزلة
العدوين الشرعيين، ولم يحكم على العدو بأنه مذنب أخلاقيا، بل أنزله منزلة الخصم
السياسي. ولم ينظر إلى الحرب بوصفها عقابا، بل عدّها مبارزة بين متساويين، لهذا
السبب لم يفتح المجال لعنف لا محدود بل سن قواعد تنظم جريان الحرب وترسم حدودها،
كما أنه لم يجعل من اقتلاع الشر غاية للحرب بل جعل غايتها منحصرة في الوصول إلى
تسوية سياسية.
يرى شميت أن تحييد الحرب هذا أو ترويضها كان أعظم إنجاز في
تاريخ القانون الدولي. فعندما يكون كلا الطرفين "عدواً شرعياً" — أي حين
لا يُطرح سؤال "من الطرف المحقّ؟" — تصبح الحرب محدودة، أي تصبح للحرب قواعد
تحكم جريانها، وتصبح لها بداية ونهاية، وتكون مقرونة بالتسويات الممكنة عبر
المعاهدات. فالسلام يكون في هذه الحالة ممكنا لأنه لا يكون مشروطاً باعتراف الطرف
الآخر بذنبه.
سيشرع هذا الناموس الأوروبي في الانهيار في أواخر القرن التاسع
عشر، وسينتهي الاحتكام إليه مع الحربين العالميتين. أسباب هذا الانهيار في نظر
شميت متعددة ومتشابكة. لن أخوض هنا بالطبع في هذه الأسباب لأن الحديث عنها يطول، بل
يشتد أحيانا ويغمض. سأكتفي بالإشارة إلى أحدها فقط وهو المتصل بالدور الذي لعبته
الولايات المتحدة من خلال ما عرف بمبدأ مونرو (Monroe
Doctrine) الذي أعاد ترامب إحياءه مؤخرا. ففي سنة 1823
أعلنت الولايات المتحدة، استنادا إلى هذا المبدأ، أن نصف الكرة الأرضية الغربي ليس
مفتوحاً للاستعمار الأوروبي. شميت رأى في هذا المبدأ أول ظهور لمفهوم المجال
الكبير (Großraum). ويعني
المجال الكبير في اصطلاح شميت منطقة جغرافية واسعة تخضع لنفوذ قوة مهيمنة واحدة
وتُستبعد من التدخل فيها القوى الخارجية الأخرى.
المشكلة التي ترتبت في نظر شميت على إعمال هذا المبدأ هي أن
المبدأ تحوّل بالتدريج من مبدأ مكاني محدد، يتناول بكيفية حصرية نصف الكرة الأرضية
الغربي، إلى أيديولوجيا كونية ادعى المروجون لها نشر الديمقراطية وجلب الحرية إلى العالم
كله. وهذا التحول هو الذي أفقد المبدأَ طابعه الناموسي، كما رأى شميت، وحوّله إلى
أداة للهيمنة الكونية. وهنا يعرج شميت على أقوى أطروحاته وأشدها استفزازا والتي
تقول: إن عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة، والقانون الدولي الليبرالي الذي استحدثاه،
أعادا من جديد مفهوم الحرب العادلة الذي اعتقد الناموس الأوروبي أنه صار نسيا
منسيا. ومن جملة ما ترتب على عودة هذا المفهوم أنه:
أولاً: أعاد تحويل العدو من كونه عدوا شرعيا (justus hostis) إلى كونه مجرما. وعندما تُجرَّم
الحرب ذاتها، يصبح من يشنّها مجرماً لا عدواً، وهذا الأمر يُلغي كل القيود على
الحرب التي وضعها القانون العمومي الأوروبي السابق، لأن المجرم لا يليق أن يُعامَل
معاملة العدو الشرعي، بل يستحق العقاب. والعقاب، على خلاف ما يجري في الحرب
النظامية، لا حدود له كما ألمعنا أعلاه.
ثانياً: من يا ترى سيُقرّر ويبتُّ ويقول إن حرباً ما
"عدوان" وأخرى "دفاع مشروع"؟ يرى شميت أن هذا القرار ستحتكره القُوى
المنتصرة التي ستعمد إلى تمويه هيمنتها بلغة القانون وبمبادئ الأخلاق الكونية. فما
يُسمى "قانوناً دولياً" سيغدو في الحقيقة أيديولوجيا القوي مُقنَّعةً
بخطاب العدالة.
ثالثاً: سيُنتج هذا التجريم ما يسميه شميت حروباً تمييزية، أي
حروباً يكون فيها أحد الطرفين "على حق" والآخر "مُجرماً" —
وهذه الحروب أشد وحشية وفتكا من الحروب النظامية بين أعداء شرعيين. لأن من يُحارب
"مجرماً" يشعر بالتفويض الأخلاقي لاستخدام كل الوسائل، بما فيها
الإبادة.
جانب لا يستهان به مما يجري اليوم لا يمكن فهمه على نحو متسق من
دون التعريج على أطروحات كارل شميت. ولعل أطروحته الأخيرة هذه هي التي بوأته، على
الرغم مما يعاب عليه بخصوص ميوله النازية، مكانة مرموقة لدى نقاد القانون الدولي
الليبرالي سواء أكانوا من اليمين أم من اليسار...
Carl Schmitt (1950). The Nomos of the Earth: In the International Law of the Jus Publicum Europaeum. Telos Press Publishing 2006. 372 pages
















