12‏/08‏/2013

دولوز والفلسفة السياسية



".. يظل المشكل الرئيس الذي تتصدى له الفلسفة السياسية هو المشكل الذي سبق لسبينوزا أن أحسن بيانه وأجاد التعبير عنه (وأعاد رايش اكتشافه لاحقا)؛ والمشكل هو الآتي: لماذا يتقاتل الناس ويَشْقَون ليصيروا عبيدا كما لو كانوا يفعلون ذلك طلبا للخلاص؟".




Gilles Deleuze et Félix Guattari, L’Anti-Œdipe, Paris, Éd. de Minuit, 1972-1973, p.36 -37.

11‏/08‏/2013

الدين والسياسة: رورتي، رولز، هابرماس


يرى الفيلسوف رورتي أن الدين عندما يحشر في النقاش السياسي العمومي يصبح كابحا لهذا النقاش (conversation-stopper). الطريقة الوحيدة التي تسمح في نظر رورتي بإجراء نقاش عمومي هي تلك التي تستحضر 'تسوية جيفيرسون'، التي عقدها بين الدين والتنوير، أي التسوية التي تقضي بالعلمنة مقابل ضمان الحرية الدينية..


رورتي
 
على العكس من رورتي يرى رولز أن المواطنين يستطيعون استدعاء المذاهب الشاملة، بما في ذلك مذاهبهم الدينية، في أثناء مناقشاتهم واستدلالاتهم العمومية. بمعنى أن المواطن يستطيع أن يعرض أسبابا دينية للوصول إلى نتيجة سياسية معينة، لكن ذلك لا يكون سائغا في نظره إلا إذا أردف المواطن تلك الأسباب وأسندها بحجج تحيل على العقد الاجتماعي وتتأسس عليه. يلوح هنا أن موقف رولز يقضي بأن إيراد أسباب دينية للوصول إلى نتيجة سياسية يكون سائغا متى كانت هذه الأسباب آخذة بعناق أسباب علمانية تكملها يستطيع كل العقلاء أن يقبلوها.


رولز
 
في تعارض صريح مع رولز، يذهب هابرماس إلى أن المواطنين بإمكانهم أن يعبروا عن قناعاتهم السياسية في لغة دينية ويستندوا إليها في التسويغ حتى عندما لا يكون بمقدورهم العثور على 'ترجمات' علمانية لهذه القناعات. تقييد إيراد الأسباب الدينية على نحو ما رأينا لدى رولز يمثل في نظر هابرماس خرقا للمبدأ الليبرالي القاضي بحرية المواطنين في التعبير الديني. العلمانية تتدخل حسب هابرماس في مستوى المؤسسات السياسية. فإذا كان يتعين على ممارسة السلطة السياسية أن تكون محايدة إزاء رؤى العالم المتنافسة (بما في ذلك الرؤى الدينية بالطبع)، فإن من الضروري أن تجري ترجمة الأسباب الدينية عند الانتقال من "الفضاء العمومي السياسي المفتوح" إلى "المعالجة الصورية في قلب المؤسسات السياسية الرسمية".

 هابرماس

05‏/07‏/2013

عن الحيوان السياسي




يذهب بوستيلز (2011: 83) إلى أن الإنسان عند هوبز لا يمكن أن يكون سياسيا بطبعه كما ذهب إلى ذلك أرسطو. السياسة بالنسبة إلى الإنسان تأتي في مرحلة ثانية، أي تأتي بعد القرار الذي يتخذه الإنسان بشأن الوضع القائم في حالة الطبيعة.
ويلوح لي أن بوستيلز يومئ هنا إلى ما كان قد ذكره هوبز في كتابه  (De Cive)، حيث بين هذا الأخير (في الفصل الخامس، ص 87- 88) أن اصطلاح أرسطو 'حيوان سياسي'، لا يصدق عنده على الإنسان فقط، بل يصدق أيضا على كائنات أخرى كالنمل والنحل وغيرها. فهذه الكائنات حتى وإن كانت تفتقر إلى العقل الذي يمكنها من الدخول طرفا في عقد، يجعلها تخضع لحكومة، فإنها تستطيع مع ذلك في نظر هوبز، أن تنقاد وتتبع وتتجنب الأشياء نفسها، وتستطيع بذلك أن توجه أفعالها نحو غاية مشتركة. غير أن هذا الضرب من الاجتماع الذي تحققه هذه الكائنات لا يبني حكومة مدنية. لهذا السبب يرى هوبز أننا لا نستطيع أن نقول عن هذه الحيوانات إنها حيوانات سياسية، لا نستطيع ذلك لأن حكومتها لا تتعدى كونها انقيادا (انصياعا)، أو أن إراداتِها لا تتعدى كونها تلتقي عند موضوع واحد. وهذا أمر يختلف عما يكون عليه الحال في الحكومة المدنية، حيث تنصهر الإرادات وتصير إرادة واحدة... انصياع (إذعان) هذه المخلوقات المتوحشة انصياع طبيعي، أما انصياع البشر فلا يكون إلا بالاتفاق (الميثاق، العقد) وحده، إنه بهذا المعنى انصياع اصطناعي وليس طبيعيا.

Bruno Bosteels. The Actuality of Communism. London: Verso. 2011, p. 83.
Thomas Hobbes. De Cive. The English Version (Hobbes, Thomas, Works. Vol. 3.). Oxford University Press. 1983. Chap. V. p. 87- 88.

16‏/06‏/2013

فودور والتطوريون



فودور ينتقد التطوريين، وينتقد نفسه بمعنى المعاني أيضا:

"وباختصار، إذا كان رأسي مرتعا تعيش فيه مجموعة من الحواسيب، فسيكون من الأحسن أن يوجد معها أحد يكون مسؤولا عنها. ومن نعم الله علي أنه قيض لي أن أكون ذلك المسؤول"*.

 
جري فودور

تعليق:

التطوريون (بينكر، ودينيت) لم ينسبوا إلى الذهن لغة، بل على العكس أنكروا وجودها (انظر بينكر 1994، ودينيت 1986)، واكتفوا بالقول إن اللغة الطبيعية هي نفسها لغة الفكر أو الذهن، ولا داعي في نظرهم إلى تكثير الكيانات ومضاعفة المستويات. ورفضهم القول بوجود لغة للفكر مباينة للغة الطبيعية يتماشى مع تفكيكهم للأنا في قلب الذهن. بالنسبة إلى فودور الذي يلح على وجود لغة للفكر، مباينة للغة الطبيعية، يرى أن رموز هذه اللغة لا تدل إلا إذا قدرنا 'أنا' تكون هذه الرموز دالة بالنسبة إليه. لهذا السبب يجد نفسه مورطا في ما اسماه دينيت بمغالطة المسرح الديكارتي، أي أن الأمور يقع بناؤها في قلب الذهن في نطاق لغة الفكر، يفكرها هذا الأنا ثم يترجمها إلى اللغة الطبيعية العمومية التي نتكلم بها. نحن هنا أمام برنامجين في البحث أحدهما تطوري يعتمد الانتقاء الطبيعي ويعطي العملياتِ الآليةَ العمياء دورا تفسيريا (لذلك اعتمد دينيت على تفتيت الأقزام إلى الحد الذي تصير فيه مجرد آليات مثل on/off لا تتطلب أي ذكاء يذكر، درءا وهروبا من الوقوع في المغالطة القزمية homunculus fallacy)، والثاني ديكارتي ينظر إلى الذهن من جهة كونه مجهزا تجهيزا فطريا بكل ما يمكنه من اكتساب المعارف وبنائها. أحيانا يبدو النقاش بين المدافعين عن البرنامجين كأنه جدل؛ لكن الأمر ليس كذلك. التطوريون بدورهم يُلْفون أنفسهم مضطرين إلى تقدير 'أنا' أو 'ذات' أيضا. دينيت (1986، 1991) مثلا يتحدث عن ضرورة تقدير هذا الأنا، ويتعين علينا في رأيه أن ننظر إلى هذا الأنا كما ينظر الجغرافيون إلى خطوط الطول والعرض، أو الفيزيائيون إلى مركز الثقل بالنسبة إلى الأجسام الفيزيائية. لذلك نجده يتحدث عن هذا الأنا تحت اسم: مركز الثقل السردي (Center of narrative gravity). نحن في البرنامجين الديكارتي والدارويني (التطوري) أمام خيارين إما أن نقدر الأنا في قلب الذهن ونقف موقفا باطنيا (Internalist) كما يفعل فودور، وإما أن نحل المشكل الباطني بالآليات العمياء (بعد تفتيت الأقزام) ولا نلجأ إلى الأنا إلا لاحقا فنتحدث عنه باسم آخر هو 'مركز الثقل السردي'، كما يفعل دينيت على الخصوص، فيكون موقفنا موقفا خارجيا (Externalist)..
 
*- Fodor, Jerry, 1998, "Review of Steven Pinker's How the Mind Works, and Henry Plotkin's Evolution in Mind," London Review of Books, Jan 22, 1998, reprinted in Fodor, In Critical Condition, 1998, Bradford Book/MIT Press, p. 207.