17‏/02‏/2019

حقوق الإنسان: بين الفردية والجماعية..



"إن ذوي حقوق الإنسان وأصحابَها هم الأفراد وليس الذوات الجماعية كـ 'الوطن' أو 'الدولة' ".


Ulrich Beck. “The cosmopolitan perspective: sociology of the second age of modernity”. in British Journal of Sociology. Vol. No. 51 Issue No. 1 (January/March 2000); pp. 79 –105, p. 83


تعقيب :

أريد فقط أن أدرج إشارة أولريش بك حول اقتران الحقوق بالأفراد وليس بالجماعات (الدولة والوطن) في سياقها. إنها وردت في سياق رصده لما يسميه الانتقال من الحداثة الأولى إلى الحداثة الثانية. في الحداثة الأولى كان السبق للدولة الوطنية، وبالتالي للقانون الدولي الذي يضبط العلاقات بين الدول الوطنية، على حقوق الإنسان. هذا السبق يعني سبق الجماعة والتراب والحدود على الأفراد. القانون الدولي هو الذي يضبط العلاقات بين الدول بوصفها علاقات بين ذوات جمعية وليست علاقات بين أفراد. عندما ننتقل إلى الإطار الذي تسبق فيه حقوق الإنسان القانون الدولي نكون في نظر بك قد انتقلنا إلى أنموذج آخر هو الأنموذج الكوسموبوليتي الذي يُسنده إلى الحداثة الثانية أو العصر الحداثي الثاني. مقولات العصر الحداثي الأول المتمثلة في الجماعة والتراب والحدود ستُعوَّض بنسق إحداثي جديد فيه اقتران مباشر بين الفردية والعالمية، وفي هذا الإطار الذي يحدده الاقتران المباشر المذكور تجري إعادة تعريف مفاهيم الدولة والقانون والسياسة والأفراد. نكون هنا أمام أفراد ذوي حقوق وأمام مبادئ (كسموبوليتية) عامة تتصل بالديمقراطية وحقوق الإنسان. المشكل هو أن الأنموذج الكوسموبوليتي جلب معه استراتيجيات جديدة في استعمال السلطة مبنية على الانقسام القائم بين دول ديمقراطية متقدمة وقوية، وأخرى غير ديمقراطية ومتخلفة. من الناحية المبدئية الكل مقر بأننا لم نعد في العصر الحداثي الأول. الدول غير الديمقراطية تسارع مضطرة إلى إجراء انتخابات حتى لو لم تكن نزيهة، وإلى بناء مؤسسات تمثيلية حتى وإن كانت شكلية، ولا تتوقف عن الإعلان بمناسبة وبغير مناسبة عن أنها تحترم حقوق الإنسان. إنها لم تكن مضطرة إلى هذا في عصر الحداثة الأول لأن السبق كان للجماعة والتراب والحدود (أو لمفهوم السيادة المقرون بسلام ويستفاليا (1648)، ولم يكن السبق لحقوق الإنسان. في الأنموذج الكوسموبوليتي الذي يتحدث عنه بك (ويتحدث عنه طبعا هابرماس ورولز وغيرهما مع اختلافات طفيفة أحيانا وعميقة أحيانا أخرى !) ليس هناك وسيط بين الفرد والعالم، لا يمكن للأنظمة التسلطية أن تتذرع اليوم بتشبثها بسيادتها على ترابها في نطاق حدودها وتضرب عرض الحائط بحقوق أفرادها. تستطيع أن تخرق هذه الحقوق وتنتهكها، لكنها ستفعل ذلك بكلفة عالية وبخسائر متفاوتة حسب الدول. مسألة حقوق الجماعات، وهي حقوق تبقى في نظري ضاربة في الالتباس وحمالة أوجه، التي يروج لها في إطار ما يسمى بالتعددية الثقافية هي القشة التي ما زالت تتذرع بها الأنظمة التسلطية لمواصلة خرقها لحقوق الأفراد (أغلب الدول الاستبدادية تشجع على رفع المطالب الحقوقية الجماعية لا لكي تلبيها بل لكي تستعملها سندا في مواجهة الإكراهات الكوسموبوليتية !).. الإشكال المطروح هو كيف بالإمكان الحديث عن حقوق جماعية لا تجهز على حقوق الأفراد ولا تكون ذريعة للإبقاء على الاستبداد والاسترسال في التسلط ..


سلافوي جيجيك: عن القريب



تعرض سلافوي جيجيك في ثنايا حواره أدناه (2017) إلى مسالة القريب (neighbour).  من جملة ما ذكر في هذا السياق ما يلي (أترجم هنا ببعض التصرف): "أن بعض قراء الإنجيل النابهين يعرفون معنى القريب. أنا لا أتفق عموما مع ليفيناس. لكنني وجدته قد تعرض هو أيضا لهذه المسألة بدقة. اتركني أعرف لك من هو القريب في الحياة اليومية. هبْ أنني أعرفك وأنت تعرفني منذ سنوات أو عقود كثيرة. هنا لا أكون قريبك، بل أكون صنوَك أو زميلك، أي الانسان الذي يشبهك والذي يمكنك أن تتعامل معه وتتماهى معه... الخ. تصور أنني فجأة قمت بشيء مفاجئ لك، شيء رهيب، ربطت طفلا بالحبال مثلا، أو عذبت حيوانا أو أي شيء آخر فظيع قد يخطر أو لا يخطر على بالك...ستقول هل كنتُ حقا أعرف هذا الشخص؟ ما هذه الهوة السحيقة المظلمة التي أنا أمامها؟ هنا بالضبط تكون أمام القريب. هذه اللحظة التي تستبد بك فيها الحيرة من هول ما رأيت مني هي اللحظة التي أكون فيها قريبك الذي يتعين عليك أن تحبني فيها. في لحظة الانفتاح الوجودي هذه على الآخر نكون أمام القريب الذي يتعين علينا أن نحبه. القريب هنا قد يكون أباك الذي رأيت منه ما لم يخطر على بالك أو أمك أو زوجك أو أي شخص آخر.. ".





يستوحي جيجيك هنا معنى قويا وجذريا للقريب، يختلف عن القريب الليبرالي (أي القريب كما هو رائج عند دعاة التعدد الثقافي). القريب الليبرالي هو القريب الذي نزعنا منه غيريته واختلافه. إنه القريب الذي يُفترض فيه ألا يخرج عن الإطار الذي رسمناه له ويَقبل أن يمارس اختلافه ضمن ذلك الإطار. الليبراليون رأسماليون حتى النخاع في هذه النقطة. لتعميم الاستهلاك تمكنت الرأسمالية من أن تجعلك حتى لو لم تكن تشرب الخمر أن تشرب الخمر المنزوع الكحول (البيرة الحلال كما نسميها !)، و تجعلك حتى لو لم تكن تشرب القهوة أن تشرب القهوة منزوعة الكافيين..الخ الليبراليون يمكنهم أيضا أن يحبوا الآخر ويرضوا عنه بعد إتلاف اختلافه ونزع غيريته...!

15‏/02‏/2019

باليبار: ديريدا كانطي الميل



"[بخصوص مفهوم الغاية (telos)] كنتُ دائما أقول لديريدا 'إنك في العمق كانطي النزعة'. وكان يرد قائلا: 'لا، لستُ كذلك أبدا'. على كل حال يلوح لي أن هناك شيئا ما مشتركا بينهما !".

إتيان باليبار

Entretien avec et entre Étienne Balibar et Ernesto Laclau in Rue Descartes, 2010/1 n° 67, p. 78-99. p. 85




تعقيب:

هذه ملاحظة عارضة، لكنها على درجة من الأهمية عالية بالنسبة إلى المهتمين بديريدا، وردت في ثنايا حديث باليبار مع إرنيسطو لاكلَو حول كانط. الإشكال الذي يشير إليه باليبار هو أن خطاب كانط المتصل بالسياسة ينطوي على ازدواج جعل الذين أتوا بعده يذهبون في الرأي مذهبين اثنين: مذهب تبنى أطروحات كانط المعروضة في نقد ملكة الحكم، ومذهب تبنى أطروحاته المعروضة في نقد العقل العملي. المذهب الأول نجده ممثلا في أعمال ليوطار ولوبران وأيضا في أعمال حنا آرندت، وهو اليوم بارز في أعمال رانسيير بكيفية أكثر وضوحا، وهذا الاتجاه عمق ما سماه كانط بالمشترك أو الحس المشترك، وهو لا يتعدى مستوى التخييل ليرقى إلى مستوى الفكرة. رانسيير، الذي يشير إليه باليبار في حواره مع لاكلو، يسمي هذا المستوى الذي على أساسه تقوم الجماعة بتقاسم المحسوس (partage du sensible). وعلى أساس هذا المفهوم الكانطي للحس أو للمحسوس، إذا حصرنا الأمر في الجانب السياسي، تُحدَّد الأصوات التي يجب أن تُسمع، وتلك التي يجب أن لا تسمع، الصور التي يجب أن تظهر وتلك التي يجب أن تختفي، المُؤهِّل الذي يقود إلى اعتلاء هذا المنصب وذاك الذي يؤدي إلى اعتلاء ذاك...وهكذا. عموما تصبح السياسة هنا سياستين: الأولى هي التي يسميها رانسيير بالتدبير (Police) وتعني الحفاظ على صيغة تقاسم المحسوس كما هي والدفاع عنها وتسويغها؛ والثانية وهي التي تسمى عنده سياسة بالاسم (Politique) وتشير إلى طرق التدخل في صيغة تقاسم المحسوس القائمة ومناهضتها والتوق إلى تغييرها. بما أن مفهوم الحس المشترك يظل في نطاق المستوى التخيلي البعيد عن كونه فكرة واضحة المعالم، فإننا لا نكون بإزاء غاية محددة يتجه إليها التغيير أو إعادة تقسيم المحسوس من جديد (لقد شرحت هذه الأمور بتفصيل أكثر في مقالي عن رانسيير وهابرماس ضمن كتاب الماركسية الغربية وما بعدها 2014، ص 275- 304).
الاتجاه الذي يتبنى أطروحات كانط في نقد العقل العملي، وهو الاتجاه السائد أو الغالب، الغاية عنده كما هي عند كانط في هذا الكتاب مرسومة سلفا، تسير في اتجاهها أو نحوها الإنسانية باستمرار، لكنها غاية لا تقبل التحقق في الواقع وتظل دائما في حكم الآتي الذي لا يأتي. ديريدا يندرج حسب باليبار ضمن هذا الاتجاه. والراجح أن باليبار في ذهنه نصوص كثيرة ينحو فيها ديريدا هذا النحو الغائي. ويمكن العودة هنا إلى مقال ديريدا (قوة القانون) الذي يبرز فيه بوضوح موقف ديريدا بهذا الخصوص. ففي هذا المقال نجد على سبيل المثال تمييزا دقيقا بين القانون والعدالة، وهو تمييز يتطابق في نظر ديريدا مع الاختلاف القائم بين صورتين للمفهوم: صورة مشروطة وصورة غير مشروطة. فالقانون، الذي يكون بطبيعته خاضعا للشروط التاريخية ويكون لهذا السبب ذاته مفتوحا على التعديل والمراجعة والتغيير، يكون متعارضا مع العدالة؛ لأن العدالة تمثل الأساس الذي باسمه يعدل القانون ويراجع، أي أن العدالة تبقى لهذا السبب شأنا غير مشروط وغير قابل للتفكيك من الناحية الجوهرية. العدالة إذا نحن تأملنا الأمر مليا تتجلى في التطبيقات الخاصة للقانون، وتتجلى بكيفية مفارقة أيضا في التعديلات والتغييرات التي تلحقه. لكن تجربة العدالة من حيث إنها كذلك، أي في جوهرها، لا تتجلى لا في التطبيقات الخاصة ولا في التعديلات. العدالة من حيث إنها كذلك، على افتراض وجودها، تظل موضوعا مستحيلا على التجلي والمثول في التجربة. لهذا السبب عندما يتجه التفكيك إلى العدالة لا يتجه إليها إلا من جهة كونها تجربة غير قابلة لكي تكون تجربة، أو لا يتجه إليها إلا من حيث إنها تجربة المستحيل. غير أن المستحيل في هذا السياق لا يكون سلبيا كما يمكن أن نتصور، بل يكون هو ذاته المنبعَ الذي يأتي منه كل ممكن...

10‏/02‏/2019

الأخبار الزائفة



هذه ترجمة سريعة للحلقة الثالثة من السلسلة القصيرة (كيف تشاهد الأخبار) التي يقدمها الفيلسوف سلافوي جيجيك (Slavoj Zizek) على قناة روسيا اليوم. تتناول الحلقة قضية الأخبار الزائفة أو الكاذبة..

قبل بضعة عقود، أيام الحرب الباردة، لم يكن لدينا شيء آخر غير الأخبار الزائفة. بيد أن هذه الأخبار كانت، إذا شئتم، مندمجة اندماجا كليا فيما يمكن أن نسميه بالسيطرة التي تمارسها الإيديولوجيا الحاكمة. كانت للاتحاد السوفياتي، أعني الكتلة الشرقية، صيغته في الأخبار الزائفة، وكانت للغرب الليبرالي صيغته أيضا. ربما كانت صيغة هذا الأخير أفضل من الأولى، لكنها تظل في صميمها مع ذلك صيغة في الأخبار الزائفة هي أيضا.
ما ميز تلك الحقبة هو أن الأخبار الزائفة كانت مراقَبَة. قضية الأخبار الزائفة كانت قضية إيديولوجية عظيمة الشأن بالنسبة إلى الدولة.. كانت باختصار قضية دولة. ما يثير استياء الناس اليوم هو الطابع المنفلت للأخبار الزائفة وغير القابل للمراقبة: يمكنك في هذا الصدد أن تطلق إشاعة من موقع في الإنترنت وترى ما سيقع بعد ذلك... هذه هي ملاحظتي الأولى: إن هؤلاء الذين يكافحون الأخبار الزائفة هم في واقع الأمر مستاؤون من تفشيها المتعدد الذي لا يمكن مراقبته. يمكن لأي كان أن يدعي بأن الإنسان لم يصعد إلى القمر، وأن الأمر مجرد كذبة أمريكية؛ ويمكن للآخر أن يجزم بأن غاغارين لم يصعد إلى الفضاء.. علينا ألا ننسى أن الحرية في إطلاق الأخبار الزائفة هذه كانت دائما تمارسها الإيديولوجيات المسيطرة في الفضاء العمومي بكيفية مكثفة حتى قبل الحرب الباردة.
الملاحظة الثانية هي أن ما يهاجمه منتقدو الأخبار الزائفة عموما هو ما يسمى بالنزعة ما بعد الحديثة، أي النزعة التي تنفي وجود حقيقة موضوعية، وتقضي بأن الحقيقة أمر نسبي، خاص ومتصل بوضع بعينه، وبعدم وجود حقيقة مجردة مستقلة، أي النزعة التي تؤكد بخصوص محرقة اليهود مثلا أن هذه المحرقة ليست إلا بناء لغويا خطابيا يتعين علينا ألا نحوله إلى صنم...الخ. بالطبع، نستطيع أن نقول عن بعض الأشياء إنها أشياء وقعت بالفعل دون أدنى مواربة، كأن نقول مثلا: الغولاغ وُجِد بالفعل، المحرقة حدثت بالفعل، وكذلك أحداث أخرى فظيعة حدثت بالفعل كالفظائع التي ارتكبها الغرب في المستعمرات في الهند والكونغو...الخ. لكن المشكل ليس قائما هنا، بل في المقلب الآخر. عندما نتكلم عن التاريخ [الماضي]، لا نُضَمِّنُه أبدا الوقائع التي حدثت كلَّها، ننطلق من تصور تاريخي نبنيه ثم بعد ذلك نتعامل بكيفية انتقائية مع المعطيات، أي مع الأحداث التاريخية التي وقعت بالفعل.
أعطيكم هنا النزعةَ المضادة للسامية مثالا على هذا. أستطيع أن أتخيل (وأظن أن هذا حدث بالفعل) أحدا يؤلف كتابا عن التأثير الذي مارسه اليهود في ألمانيا قبل أن يتسلم هتلر السلطة. وأستطيع أن أتصور أن كل المعطيات التي يوردها هذا الكاتب في الكتاب صحيحة. فمثلا نِصْف نقاد الفن كانوا يهودا، معظم المشتعلين في القطاع المصرفي وفي الصحافة كانوا يهودا... الخ. كل هذه المعلومات صحيحة، ولا وجود لأخبار زائفة في هذه المعطيات، لكن النية المضادة للسامية توجد سلفا فيما قيل. وهنا يوجد الحد الذي لا يستطيع مهاجمو الأخبار الزائفة أن يتخطوه. إنهم لا ينتبهون إلى أن المشكل الحقيقي لا يوجد في تزوير الحقائق. يمكن لكل الوقائع التي توردُها في تقريرك أو بلاغك أن تكون حقيقية وصحيحة، ويكون مع ذلك بلاغك كاذبا. السبب في ذلك يكون عائدا إلى الطريقة التي تنتقي بها من مجموع الأخبار الصحيحة بعض الأخبار دون أخرى. 



ما يجب أن نسلم به إذن هنا هو أن الوقائع تُحلل دائما وتُنتقى من منظور بعينه. وهكذا تكون أخطرُ الأخبار الزائفة هي تلك التي تقوم على أساس الوقائع الصحيحة. إنها الأخطر لأنها الأكثر نجاعة. وأريد أن أستشهد فيما يلي بإحدى جمل جاك لاكان، المحلل النفسي الفرنسي الذي كان معلمي. فقد ذكر في أحد مؤلفاته مفارقة لطيفة، ردَّدتُها مرارا في أحاديثي، تتصل بالزوج الذي يعاني غيرة مَرَضية في علاقته بزوجته، ويشك في أنها تخونه مع رجال آخرين. يقول لاكان: حتى لو ثبت أن شكوكَه صحيحةٌ وأن زوجتَه تخونه فعلا مع رجال آخرين، فإن غيرته تظل مع ذلك مَرَضية. الأمر الهام هنا لا يخص ما هو صحيح وما هو كاذب، بل لماذا احتاج هذا الزوج لكي يحافظ على هويته ويتماسك في شخصيته إلى هذه الغيرة. الغيرة هي التي تحدد هويتَه ومَنْ يكون. الحال هنا شبيه بما يحصل في النزعة المضادة للسامية. فالمشكل في هذه النزعة لا يقترن بما إذا كان اليهود فعلا كما وُصفوا، بل المشكل قائم في الداعي إلى رواية التاريخ بهذه الطريقة. نرى هنا بوضوح حدود هذه النزعة الوضعية التي يظن أصحابها أنهم يذكرون الوقائع كما هي بالضبط. لا، كل تأويلاتنا وأساليبنا في كتابة التاريخ..الخ لا يهم فيها مقدار استنادنا إلى الوقائع، المهم فيها هو أننا ننظم الوقائع وننسقها على منوال بعينه.
أعتقد أيضا، بكيفية ساذجة، أننا نستطيع تنظيم الوقائع بطريقة كاذبة كما نستطيع تنظيم الوقائع ذاتها بطريقة صادقة. وهذا ما نميل إلى نسيانه اليوم. لهذا السبب يُعد هذا النقاش حول الأخبار الزائفة نقاشا مُميِّزا للوضع الصعب والمربك الذي نحن فيه. لكنكم تعرفون ما أخشاه أكثر. ما أخشاه هو ما يُخْفيه هذا الخوف من الأخبار الزائفة. إن ما يُخْفيه ليس الرغبة في الحقيقة، بل كما كان عليه الحال فيما قبل، هذا الهوس بالأخبار الزائفة يُخفي رغبة في الكذب الذي يكون الكل عارفا بأنه كذب، ولا يكون ثمة شيء آخر غيره، أي يكون إجباريا لا خيار لنا غيره. إن الذين يهاجمون الأخبار الزائفة لا يبالون حسب رأيي بالحقيقة. ما يقلقهم هو غياب فضاء يتسع لقيام إيديولوجيا واضحة وإجبارية وتراتبية. وهذا –لعمري- هو الجانب الجيد في قضية الأخبار الزائفة. إنها تجعلنا واعين أن فكرتنا عن الحقيقة فكرة تحكمية في الغالب الأعم.
لاحظتُ كيف يَتَّهِم اليسارُ الليبرالي اليمينَ البديلَ (المتطرف) ويؤاخذه على نشر أخبار كراهية تتعلق بجرائم المهاجرين ومضادة للسود والمكسيكيين في الولايات المتحدة. لكن يجب أن نقول أيضا إن المحافظين من جانبهم يشيرون هم أيضا إلى الكيفية التي يعمد إليها الليبراليون، مضادو العنصرية ومؤيدو النزعة النسائية، ليتلاعبوا بالأخبار الزائفة عن وعي وتصميم. إذا حصل أن قتل متعجرف ذو بشرة بيضاء أحد الأشخاص من ذوي البشرَة السوداء، يكون الأمر (بالنسبة إلى اليسارالليبرالي) داخلا في باب العنصرية الفظة. وإذا قتل مسلم شخصا من البيض، يسعى اليساريون الليبراليون أن يجدوا له عذرا فيقولون: يجب أن نتفهم الأمر.. القاتل ضحية الاستغلال. رأيي هنا هو الاعتراض: لا، لا.. يجب علينا ألاّ نلعب هذه اللعبة. من الحاسم للغاية هنا ألا نقلد بعض المحافظين المسيحيين الأمريكيين فيما يعدونه "كذبا من أجل المسيح" (الكذب التقي)، أي الكذب من أجل قضية نبيلة سامية. ضمن هذا الكذب التقي يُسمح عندهم بالإتيان بالكذبة الصغيرة أو بالتغاضي عن التصريح بالحقيقة. المثال النموذجي للأخبار الزائفة عند المحافظين ادعاؤهم أن نسبة تعرض النساء المرضعات لسرطان الثدي أقل منها عند غيرهن من اللائي لا يرضعن. إنهم يخدعوننا هنا، لكن الطرف الليبرالي المقابل يخدعنا هو الآخر كذلك. لا فائدة إذن من اتهام اليمين بالكذب، اليسار الليبرالي يفعل ذلك أيضا.


29‏/12‏/2017

رانسيير وهابرماس ومسألة اللغة


رانسيير
يذهب رانسيير إلى إننا لا نستطيع أن نستخلص حلولا سياسة من معطيات أنثروبولوجية.. لا نستطيع أن نستخلص مثلا من المعطى القاضي بأن الناس يشتركون في حيازة اللغة نتيجةً تقضي ببناء سياسة ديمقراطية على المهارات التواصلية، كما يرى ذلك هابرماس..

تعقيب كان في الأصل جوابا عن استفسار


فكرة رانسيير (Jacques Rancière) هنا تقضي بأن مسألة الديمقراطية أعقد من مجرد اشتقاقها من القدرة اللغوية (تشومسكي) أو حتى من القدرة التواصلية (هايمز). هابرماس يعول على هذا المستوى اللغوي ويبني نظرية في الديمقراطية عليه ويسميها بـ 'الديمقراطية التشاورية'، وهذا ما ينتقده رانسيير. غير أننا يجب أن نشير إلى أن رانسيير يعول هو أيضا على اللغة ، لكنه يبني عليها أطروحة في المساواة ويقف عند هذا الحد ولا يتعداه؛ أي أنه يجعل من القدرة على الكلام بمعناها الأنثروبلوجي (وليس السوسيولوجي كما يلوح من تعليقك. رانسيير لا يُدخل مسألة التعدد اللغوي في تحليله، لأن الذين يتكلمون لغات مختلفة بسبب وجودهم في مجتمعات مختلفة أو انتمائهم إلى جماعات مختلفة في المجتمع نفسه، هم متكلمون من الناحية الأنثروبلوجية في النهاية !) أمرا نتساوى فيه جميعا بغض النظر عن اختلاف ألسنتنا. عند هذه النقطة ينتهي تأثير اللغة في أونطولوجيا رانسيير السياسية، أي عند إثبات المساواة مبدأ كونيا. مسألة الديمقراطية عنده تتدخل فيها أمور أخرى من بينها (حتى نبقى في مجال اللغة، لأن الحديث يطول في الأمور الأخرى) الاعتراض على النحو الذي ربطت به الأسماء بالمسميات في العرف اللغوي، وعلى من له الحق في أن يسمي...الخ. من المساواة في الكلام يشتق رانسيير الحق في الكلام بطريقة أخرى عما تكلم عنه الآخرون بطريقتهم. اللغة في نظره تتراكم فيها معان تدفع نحو الإجماع/ الإذعان. لهذا ليس غريبا أن يكون فكر هابرماس فكرا مهووسا بالتفاهم والإجماع. يجب أيضا أن تلاحظي أن هابرماس شديد الحذر من خلط اللغة الشعرية الاستعارية واستعمالها في مجال السياسة والأخلاق والقانون (انظري كتابه: خطاب الحداثة الفلسفي) لماذا؟ لأن اللغة الشعرية (الأدب عموما) تأتي إلى الأشياء التي سبق لها أن سُميت وإلى الأوضاع التي سبق لها أن وُصفت وحُددت فتعيد تسميتها ووصفها وتحديدها بطرق أخرى غير متوقعة. اللجوء إلى لغة شعرية في مجالات كالسياسة والقانون والأخلاق يحول بالنسبة إلى هابرماس دون الوصول إلى التفاهم والإجماع، لهذا انتقد المفكرين الفرنسيين (ديريدا فوكو ليوطار...الخ) الذين ينحون هذا النحو في التفلسف السياسي. رانسيير سليل هؤلاء وسليل ألتوسير أيضا. يرى مثلهم، بل أكثر منهم، أن الديمقراطية تنهض على النكير والمنازعة لا على السعي إلى الإجماع الذي تضمنه لغة سُكت ألفاظها وتحجرت وأصبحت لا تدل إلا على المعاني التي تقود إلى الإذعان. الأمور الأخرى التي يبني عليها رانسيير أونطولوجياه السياسية يمكن العودة فيها إلى كتابه (La mésentente) منشورات غاليلي، باريس 1995.   
هابرماس