07‏/01‏/2016

نيتشه والإسلام



ف. نيتشه
كان نيتشه شغوفا جدا بالنظر إلى أوروبا وإلى حضارتها من مواقع أخرى غير أوروبية تسمح له بقياس مقدار اختلاف أوروبا عن غيرها، وتخطي ما كان يسميه بقصر النظر الناجم عن الخرَف (greisenhaften Kurzsichtigkeit) الذي أتى على معظم الأوربيين وكاد أن يذهب بأبصارهم. في هذا السياق كان نيتشه شديد الإقبال على قراءة ما كانت تُصدره الجماعة الاستشراقية من كتب ومصنفات عن الحضارات الأخرى وخصوصا الحضارة الإسلامية. الملاحظات المتفرقة التي سجلها عن الإسلام مفيدة جدا على الرغم من أنها يمكن أن تبدو اليوم غريبةً ولافتة. بل إنه كان يتطلع بشوق إلى زيارة البلاد الإسلامية والإقامة فيها فترة من الزمن تكون كافية لفهم الحضارة الإسلامية فهما يجعل تقويمه أو نقده المقارن للحضارة الأوربية نقدا مُؤسَّسا وذا معنى. فكَّر مرة في الإقامة بالمغرب (راجع إلموند 2007: 58)، وفكر مرة أخرى في الذهاب إلى تونس أيضا. يُستشف عزمه هذا على الذهاب إلى تونس من رسالة كتبها إلى صديقه (Köselitz) سنة 1881، يطلب فيها منه أن يتصل برفيقه القديم (Gersdorff) ويسأله عما إذا كان يريد أن يرافقه للعيش في تونس لمدة عام أو عامين (راجع: إلموند 2007: 8). الهدف الذي كان نيتشه يصبو إليه من الإقامة في تونس عبر عنه قائلا: "أريد أن أعيش بين المسلمين فترة من الزمن طويلة، هناك على وجه الخصوص حيث تكون عقيدتهم أكثر ورعا ونقاء. بهذه الطريقة أتوقع أن أخفف من تقويمي ومن نظرتي إلى كل ما هو أوروبي" (راجع نيتشه، ضمن جاكسون 2007: 16). الغاية من الزيارة لا تندرج، كما رأى بعض الباحثين المتسرعين، في الافتتان الساذج بالإسلام بل في توظيف فهمه والمعرفة به من أجل غاية أوروبية خالصة هي: تسديد النقد للحضارة الأوروبية. ما قاله نيتشه عن الإسلام قاله أيضا عن اليابان وحضارتها. لقد كان يبحث عن 'خارج' يُقيم فيه مؤقتا لكي يبني فهما متوازنا لحضارته...


Almond, Ian. The New Orientalists: Postmodern Representations of Islam from Foucault to Baudrillard. I. B. Tauris. (2007).

Jackson, Roy. Nietzsche and Islam. London: Routledge. (2007).

30‏/03‏/2015

عن اللغة والاستعمار والجذور


سلافوي جيجيك (كاريكاتور)
"يشتكي بعض منظري الثقافة الهنود من أن الإكراه على استعمال اللغة الإنجليزية يعد صورة من صور الاستعمار الثقافي ونوعا من المراقبة المفروضة على هويتهم الحقيقة. يقولون: 'نُضْطر إلى الكلام بلغة أجنبية مفروضة علينا لكي نعبر عن هويتنا الضاربة في الخصوصية. ألا يعني هذا أننا في وضع استلابٍ جذري –بحيث إن مقاومتَنا للاستعمار نفسَها يجب أن تصاغ في لغة المستعمر؟'. الجواب عن هذا الأمر هو الآتي: نعم، هذا صحيح. لكن هذا الإكراه على استعمال الإنجليزية بوصفها لغة أجنبية هو الذي يخلق هذا الـ (X) نفسه الذي يكون مقموعا باستعمالها، فالمقموع في هذه الحالة ليس الهند الفعلية كما كانت قبل الاستعمار، بل الحلم الأصيل (الذي تشكل في الإنجليزية) بهند كونية ديمقراطية جديدة. مالكوم إكس سار على هذا النهج ذاته حين استعار (X) وجعل منه اسمَه العائلي. فهو لم يقاتل من أجل العودة إلى جذور إفريقية أولى بعينها، بل من أجل (X)، أي من أجل هوية جديدة غير معروفة أصبحت ممكنة بفعل عملية الاستعباد نفسها التي غيبت الجذور الإفريقية إلى الأبد.. إن هذا لا يعني بالطبع أنه قبل النفي لم يكن هناك شيء. قطعا كان هناك شيء (في حالة الهند كان هناك تراث واسع ومعقد) غير أن ما كان لم يكن سوى ركام غير متجانس لا يقارن مع النهضة القومية التي حدثت فيما بعد. بعبارة ديريدا نستطيع القول: إن شرط الإمكان يكون في الآن نفسه هنا وبكيفية جذرية شرط عدم الإمكان، بحيث إن العائق نفسه الذي يمنعنا من الإثبات الكامل لهويتنا يفسح لهذا الإثبات نفسه فضاء ومتسعا لم يكن فيما قبل متاحا".


Slavoj Žižek “The Three Events of Philosophy”. International Journal of Žižek Studies. Vol. 7. No. 1. 2013, p. 24.

17‏/03‏/2015

الأذهان والمعاني


يعرض فودور وزميله في هذا الكتاب مجموعة من الأطروحات ينفردان بالدفاع عنها مجتمعة عن باقي الجماعة (جماعة فلاسفة الذهن واللغة). من أهم هذه الأطروحات: أن شواهد الاعتقادات والرغبات وما ماثلها من المواقف القضوية الأخرى هي شواهد تؤشر على علاقات تربط الأذهان بالتمثيلات الذهنية؛ وأن التمثيلات الذهنية تعد في أساسها تمثيلات خطابية (أي تمثيلات لا تكون مصوغة إلا في حامل شبيه بالحامل اللغوي (language-like))؛ وأن الإحالة هي الخاصية الدلالية الوحيدة التي تتميز بها التمثيلات الذهنية أو اللغوية؛ وأنه لا وجود لشيء كدلالات الكلمات أو محتويات الكلمات التصورية؛ وأنه ليس هناك شيء كالمعاني... الخ. وتوجد أطروحات أخرى يُعرّج عليها الكتاب في ثناياه تأخذ بعناق الأطروحات القوية السابقة. غَرضُ فودور وزميله الاستدلال على أن هذه الأطروحات مجتمعة إذا صحت واستقام بناؤها ستكون لها انعكاسات عميقة وتأثير كبير في فهمنا للعلم المعرفي، واللسانيات، وعلم النفس، وفلسفة اللغة، وفلسفة الذهن. فهذه المباحث باتت كلها، في نظر فودور وزميله، تحتاج إلى مراجعة متأنية وواسعة النطاق. ويعد الكتاب خطوة على درب هذه المراجعة التي طال انتظارها... 


Jerry Fodor and Zenon Pylyshyn. Minds without Meanings: An Essay on the Content of Concepts. MIT Press. (16 janvier 2015). 216 pages.

10‏/03‏/2015

لاس مينيناس


من هم شخصيات لوحة فيلاسكيس: لاس مينيناس؟ ما الذي يجري ويدور في المشهد؟ ما المرسوم على القماش في القماش؟ تاريخ الفن الكلاسيكي وضع هذه الأسئلة منذ أن ظهرت هذه اللوحة، كما لو أن البت في من يوجد في اللوحة وتحديد وظيفته في المشهد كافيان لإيضاح اللغز الذي ينطوي عليه هذا العمل الفني، أي كأن هذا البت والتحديد كافيان لتحديد ما هو مُمَثلٌ في اللوحة. السؤال الذي وضعه فوكو وهو يدرس هذه اللوحة ينطوي على نقلة لافتة. فكما شرحتْ ذلك نيكول دوبروي- بلوندان، لم يسأل فوكو وهو يحلل اللوحة عما تُمثله، بل تساءل كيف أصبح بإمكان هذه اللوحة أن تصير نموذجا لكل تمثيل..


Estrella De Diego. « Representing Representation: Reading Las Meninas Again » in Velazquez's Las Meninas (Masterpieces of Western Painting). Suzanne L. Stratton-Pruitt (Editor).Cambridge University Press (2003) p. 157.

شعار لينين





يذكر
الفيلسوف سلافوي جيجيك أن من الشعارات التي كان يحبها لينين الشعار القائل: 'تَعَلَّم، تعلم، تعلم'. وقد كان هذا الشعار منتشرا على عهده في المدارس والمعاهد والجامعات مما جعل الروس يبدعون طُرْفة تتناول الموضوع. تقول الطرفة: سئل ماركس وإنجلز ولينين أن يحددوا ما إذا كانوا يفضلون الزوجة أم العشيقة. ماركس الكتوم فيما يخص الأمور الخصوصية أجاب بأنه يفضل الزوجة؛ إنجلز المتأنق أجاب بأنه يفضل العشيقة. وعندما سئل لينين أجاب بأنه يفضل الزوجة والعشيقة معا. وحين سئل عن السبب، أجاب بأنه سيقول للزوجة إنه كان مع العشيقة، وسيقول للعشيقة إنه كان مع الزوجة، وبهذا سيستطيع أن يجد من الوقت متسعا لكي يذهب إلى المكتبة فيتمكن من أن 'يتعلم ويتعلم ويتعلم'... !

*-أورد جيجيك هذه الطرفة في سياق إبراز الظروف التي أحاطت بتركيزه هو وزملاؤه السلوفينيون (وخصوصا زميله ملادين دولر (
Mladen Dolar)) على لاكان حين كانوا طلابا في فرنسا على الرغم من وجود ألتوسير وديريدا. فيذكر أنهم كانوا يقولون للألتوسيريين إنهم من أصحاب ديريدا، ويقولون لأصحاب ديريدا إنهم من أصحاب ألتوسير، وهكذا أمكنهم الانفراد بقراءة لاكان قراءة معمقة.. كان لاكان بالنسبة إليهم الزوجة والعشيقة في آن وليس الزوجة أو العشيقة، لهذا أمكنهم أن يتعلموا ويتعلموا ويتعلموا.. !


Žižek and his Contemporaries: On the Emergence of the Slovenian Lacan. Jones Irwin and Helena Motoh. Bloomsbury Academic 2014, p. 132