٢١‏/٠٥‏/٢٠٠٩

عيد الكتاب في دورته الثانية عشرة بتطوان من 26 ماي إلى 2 يونيو 2009



البرنامج الثقافي:




مدينة تطوان



الساعة 15:00
الافتتاح الرسمي لعيد الكتاب بساحة المشوار (الفدان)

الساعة 16:00
افتتاح معرض حول خوان رامون خيمينيث "ذاك البصيص من النور"
مع قراءات شعرية لإدريس الجبروني وخالد الريسوني

الساعة 18:00
ندوة حول الفكر والفلسفة بقاعة المكتبة العامة والمحفوظات:
في الأثر الفكري للفيلسوف والمفكر المغربي الراحل
عبد الكبير الخطيبي
بمشاركة:
- نور الدين أفاية
- فريد الزاهي
- نجيب واسمين
- رشيد بنحدو
تأطير : عبد الحميد عقار

الساعة 20:00
سهرة موسيقية بدار الثقافة

الأربعاء 27 ماي 2009

الساعة 10:30 صباحا:
· لقاء بين مهنيي ومبدعي الكتابة والنشر المغاربة والأندلسيين بالمتحف الأثري
تسيير: جواد المستاري ورئيس جمعية ناشري الأندلس

الساعة 9:30 صباحا :
· الورشات المدرسية لفائدة بعض مدارس مدينة تطوان ومرتيل والمضيق*

الساعة17:00
تقديم الكتب الفائزة بجائزة المغرب للكتاب لسنة 2008 بفضاء المعرض
الجلسة الأولى
- مراكش زمن الحكم الموحدي، محمد رابطة الدين ،تقديم محمد جبرون
- بنية الكلمة في اللغة العربية تمثلات ومبادئ ،محمد بلبول، تقديم :محمد الحيرش
- السحر والدين، لإدمون دوتي، ترجمة فريد الزاهي، تقديم سعيد بنكراد
تنسيق : محمد نوري
استراحة 15 دقيقة
الجلسة الثانية
- رواية أبنية الفراغ، محمد عز الدين التازي، تقديم محمد ازنيبر
- خريف وقصص أخرى، أحمد المديني، تقديم سعيد يقطين
- ديوان: حناجرها عمياء، لطيفة المسكيني، تقديم خالد بلقاسم
- الخطاب الصوفي في الأدب المغربي في عهد السلطان المولى إسماعيل، أحمد الطريبق، تقديم محمد الأمين المؤدب
تنسيق: مزوار الإدريسي


الخميس 28 ماي 2009
الساعة 9:30 صباحا :
· الورشات المدرسية لفائدة بعض مدارس مدينة تطوان ومرتيل والمضيق*

11:00 صباحا بقاعة المكتبة العامة والمحفوظات أو بحدائق المتحف الأثري
لقاء مهني مع مدير تقديم تجربة المركز الأندلسي للأداب حول البرامج الأدبية الدائمة والبرامج الخاصة لدعم القراءة
تنشيط خوسي مارتين دي فاياس

الساعة 17:00
تقديم إصدارات جديدة بفضاء المعرض
- ديوان: أحتمل الوجود، محمد أنور محمد، تقديم محمد أحمد بنيس
- ديوان: فواصل الغياب،لشكري البكري، تقديم فاطمة الميميوني
- ديوان : نيران صديقة، عبد الرحيم الخصار، تقديم مخلص الصغير
- ديوان: برد خفيف، رجاء الطالبي، تقديم محمد العناز
- تخاريف الليل، رشيد بسين، تقديم محمد الصبان
تنسيق: محمد بنعـياد.

الساعة 19:30 بمدرسة الصنائع والفنون الوطنية
قراءات شعرية مهداة إلى المبدع محمد الميموني، بمشاركة: بمدرسة الصنائع
- عبد الكريم الطبال
- خ. ر. ريبولل
- مراد القادري - باييستيروس
- إيمان الخطابي - روسا دياث
- العياشي أبو الشتاء
- فاطمة الزهراء بنيس
تنسيق: سليمان الحقيوي وخوسي مارتين دي فاياسْ

الجمعة 29 ماي 2009
الساعة 9:30 صباحا:
· الورشات المدرسية لفائدة لبعض مدارس مدينة تطوان ومرتيل والمضيق*

الساعة 18:00 مساء
ندوة: في ضرورة القراءة بقاعة المكتبة العامة والمحفوظات
- خوسي مارتين دي فاياس
- حسن الوزاني
- زهير الواسيني
- رشيد برهون
تنسيق: مصطفى الحداد

السبت 30 ماي 2009
الساعة 9:30 صباحا:
· الورشات المدرسية لفائدة بعض مدارس مدينة تطوان ومرتيل والمضيق*
· الساعة 11:00 صباحا بفضاء المعرض
تقديم كتاب "النور والعتمة" لعلي القاسمي، محمدالمعادي
تقديم كتاب "التربية على المواطنة" أحمد لميهي"، جمال العمارتي
بتنسيق مع فرع تطوان للجمعية المغربية لحقوق الإنسان

الساعة 17:00 صباحا : مكتبة السيدة الحرة بالمضيق
· تقديم كتابات نسائية جديدة، بمكتبة السيدة الحرة بالمضيق بمشاركة
- وداد بنموسى
- وفاء مليح
- ربيعة ريحان
- تنسيق: مريم كنبور
- بتنسيق مع جمعية السيدة الحرة

الساعة 17:00 مساء بقاعة المكتبة العامة والمحفوظات
ندوة: تطوان في الكتابات الأدبية المغربية المعاصرة، بمشاركة:
- محمد العربي المساري
- محمد أنقار
- ابراهيم الخطيب
- نجيب العوفي
- أنطونيو رويسث رييس
عرض فيلم وثائقي :المدينة وروائيوها.من إعداد مصطفى الشعبي


الساعة 19:30 مساء
قراءات قصصية : بمدرسة الصنائع
- عبد العزيز الراشدي
- عبد الطيف الزكري
- خالد أقلعي
تنسيق: محمد الصبان

الأحد 31 ماي 2009
الساعة 10:00 صباحا بدار الثقافة
مسرح الأطفال حول القراءة العمومية من تقديم : سناء عكرود

الساعة 18:00 مساء
تقديم كتب: بفضاء المعرض
- موجز فكر التنوير، عثمان أشقرا، تقديم مصطفى حنفي
- ملحمة ظهر أبران: أنشودة المقاومة الريفية، محمد الوالي ومحمد أفضاض، تقديم : عبد الله شريق
- جنوب طريفة،المغرب وإسبانيا: سوء تفاهم تاريخي، ترجمة اسماعيل العثماني، تقديم محمد الشريف
- سلسلة مونوغرافيات المتحف الأثري بتطوان، تقديم الناشرين (بركة الريسوني، خوسي راموس،المهدي الزواق داريو بيرنال)

الإثنين 1 يونيو 2009
الساعة 9:30 صباحا
· الورشات المدرسية لفلئدة بعض مدارس مدينة تطوان ومرتيل والمضيق*

الساعة 18:00 مساء
تقديم كتب: بفضاء المعرض
- مرايا التأويل، شعيب حليفي، تقديم شرف الدين ماجدولين
- جماليات الموت في شعر محمود درويش، عبد السلام الموساوي، تقديم بنعيسى بوحمالة
- إدانة الأدب، عبد الرحيم جيران، تقديم محمد الفهري
- دفاتر إبداعية ،لطيفة البصير، ياسين عدنان،عبد اللطيف الزنان، تقديم أنطونيو رييس
- آليات انتاج النص الروائي، عبد اللطيف محفوظ ، تقديم أحمد السبابقي
تنسيق: حسن الغشتول

الثلاثاء 2 يونيو 2009

الساعة 18:00 مساء
تقديم إبداعات سردية: بفضاء المعرض
- غرب المتوسط، عبد العزيز جدير، تقديم محمد معتصم
- الببوش، محمد أنقار، تقديم يوسف الريحاني
- ولد السوق، إدريس بويسف الركاب، تقديم نور الدين بندريس
تنسيق: محمد العمارتي


ورشات الحكي والتشكيل:
- - سعيد الشقيري – عبد الواحد أشبون –- محاسن كردود
- نجيب السملالي – مصطفى بودغية – محمد غزولة – محمد يتون – فوزي الطنجبة
المدارس المخصصة للورشات:
مدرسة 11 يناير بالمضيق - مدرسة محمد الرهوني بمرتيل – مدرسة 18نونبر. بتطوان – مدرسة براعم الرازي بتطوان

Escuela Jacinto Benavente - Instituto El Pilar: Tetuán


مدينة تطوان

٢٠‏/٠٤‏/٢٠٠٩

دورة تكوينية لفائدة طلبة الماستر الجامعي مسلك الماستر : فلسفة التواصل في الفكر الغربي المعاصر

دورة تكوينية لفائدة طلبة الماستر الجامعي في: فلسفة التواصل في الفكر الغربي المعاصر
يومي 22 و 23 أبريل 2009

الافتتاح

9.00 كلمة السيد رئيس جامعة عبد الملك السعدي
أ. د/ مصطفى بنونة

9.10 كلمة السيد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمارتيل.- تطوان
أ. د/ عبد العزيز علاتي

9.20 كلمة رئيس مسلك الماستر: فلسفة التواصل في الفكر الغربي المعاصر
أ. د/ مصطفى حنفي

9.30 حفل شاي



الأربعاء 22 أبريل 2009-

9.30 الجلسة الأولى: المحور السياسي (1)
مسير الجلسة: أ.د/ مصطفى حنفي

المقرر: الطالب الباحث: طارق معروف

تأطير : أ.د/ محمد المصباحي ( قسم الفلسفة بكلية الآداب – الرباط)

ذ/ مصطفى الحداد ( ماستر الفلسفة بكلية الآداب بتطوان)

* مناقشة


.12.30: الجلسة الثانية : المحور السياسي (2)

مسير الجلسة: أ.د/ محمد المصباحي

المقرر: الطالب الباحث مصطفى السعيدي

تأطير: د/ محمد لشهب ( قسم الفلسفة بكلية الآداب بفاس )

د/ محمد مزوز (ماستر الفلسفة بكلية الآداب بتطوان)

* مناقشة.

الخميس 23 أبريل 2009-


9.00 الجلسة الثالثة :المحور السوسيولوجي:

مسير الجلسة: د/ محمد لشهب

المقرر: الطالب الباحث: عبد الهادي حاجي

تأطير: د/ عبد القادر بوطالب ( قسم علم الاجتماع بكلية الآداب بتطوان )

أ. د/ أحمد بوجداد ( قسم العلوم السياسية – كلية الحقوق- الرباط )

* مناقشة

11.30 الجلسة الرابعة : المحور الهرمونوتيكي

مسير الجلسة: أ.د/ عبد الواحد العسري

المقرر: الطالب الباحث: محمد ابراهيمي

تأطير : أد محمد المصباحي ( قسم الفلسفة بكلية الآداب – الرباط)

د/ محمد لشهب ( قسم الفلسفة – كلية الآداب بفاس)

أد/ مصطفى حنفي (ماستر الفلسفة بكلية الآداب بتطوان)

د/ الصادق الحيرش (ماستر الفلسفة :بكلية الآداب – تطوان)

* مناقشة

- الجلسة الختامية: خلاصات واستنتاجات

٢٠‏/٠٣‏/٢٠٠٩

الفلسفة السياسية وشبهة التأسيس


*نشر هذا المقال بصحيفة الملاحظ الأسبوعية بالمغرب


ي.هابرماس


تشير النزعة التأسيسية (أو التأصيلية) إلى الموقف الذي يروم منح تصور معين عن المعرفة أو عن الأخلاق أو عن السياسة صفة الصلاحية المطلقة أو الكونية. وكان هابرماس قد انتقد هذه النزعة عند كانط. فهذا الأخير أسند إلى الفلسفة دور "المرشد" من جانب، وأسند إليها دور "الحكم الأسمى" من جانب آخر. لكن على الرغم من رفض هابرماس للنزعة التأسيسية يرى الباحثون أنه لم يسلم من الوقوع فيها. سأحاول في هذا المقال أن أتناول الإشكال من منظار نقاد هابرماس الذين آخذوه على هذه الشبهة، وفي مقدمهم جون رولز، وسأعرض للمسألة نفسها كما يراها ديريدا ورورتي.

ج. رولز

ينحدر رولز وهابرماس من تقليدين فلسفيين متباينين. فرولز الذي أتى من تراث سيطر عليه الفكر السياسي النفعي المُشبَع بنزعة وضعية واضحة، يدافع عن أن الفلسفة السياسية بإمكانها أن تتخذ طابعا عموميا من دون أن تصادر أو تَصُدَّ التعدد الذي يميز الديمقراطيات المعاصرة، ومن دون أن تَصدر عن الافتراضات الميتافيزيقية المثيرة للجدل التي تسنِد هذا التعدد الذي تحتضنه هذه الديمقراطيات. أما هابرماس الذي شَبَّ عن الطوق بعد أن نََهَل من تراث مدرسة فرانكفورت، سليلة كانط وهيغل وماركس، فقد جدد النظرية النقدية وأعاد بناءها بناء معياريا على بنية التواصل البشري العمومي بعيدا، كما يدعي، عن كل فلسفة تاريخ كبرى أو ميتافيزيقا، مثله في ذلك مثل رولز.

لكننا عندما ننظر إلى الأسباب التي قادت هابرماس ورولز إلى الحكم على المشاريع التأسيسية في الفلسفة السياسية بأنها مشاريع متهافتة، نلفيها أسبابا مختلفة في طبيعتها. أسباب هابرماس فلسفية خالصة أو تكاد، لها صلة وثقى بنقد النزعة التأسيسية الفلسفية ونقد الميتافيزيقا. فهو عندما يخلص في تحاليله إلى تصور مسطري للعقل (راجع كتابه: التفكير ما بعد الميتافيزيقي)، إنما ينتهي إليه انطلاقا من خلفيات هذا النقد الفلسفي في المقام الأول. أما أسباب رولز فتعد في الحقيقة أسبابا بعيدة عن الجانب الفلسفي وأكثر التصاقا بالجانب العملي. رولز يرى أنه إذا كان الغرض المتوخى من الفلسفة السياسية أن تصوغ إطارا يسمح بتسويغ سياسة يمكن للكل أن يقبلها، فإن غرضا كهذا لا يمكن الوصول إليه بالاستناد إلى النزعة التأسيسية، لأن الإجماع الطوعي على الأسس القصوى للأخلاق السياسية غير ممكن في سياق المجتمعات التعددية الحرة.

رولز وهابرماس يتفقان إذاً على أن العقل لا يطوي في ذاته نموذجا ملموسا للصورة التي يكون فيها المجتمع عادلا وخيرا. لكن، ألا يصد هذا المسلك السلبي الذي يصطنعه رولز وهابرماس إمكانَ قيام مشروع فلسفي سياسي إيجابي؟ أليست الفلسفة السياسية مشروعا تسويغيا في نهاية المطاف، أي مشروعا يروم إبراز الكيفية التي تكون بمقتضاها السلطة المُقيِّدة المُجسَّدة في المؤسسات السياسية سلطةً مشروعة؟ ثم أليس التأثير القوي الذي مارسه رولز وهابرماس يرجع في جزء منه إلى الجواب النسقي الذي اقترحه كل منهما لهذا الإشكال؟

الحديث عن تجنب الموقف التأسيسي ينبغي في الواقع أن يفهم في سياق هذا النقاش الميتافلسفي في معناه العام، وأن يُذَيَّل بكثير من الاحتياطات التي تُخفف من غلوائه. فالتسويغ شئنا ذلك أم أبينا يجب أن يحيل في نهاية المطاف على أساس معين. مسلسل التسويغ، بعبارة أوضح، لا يمكن أن يتواصل إلى ما لا نهاية؛ يتعين عليه أن يتوقف عند حد ينتهي بالضرورة إليه. رولز يلجأ، مستلهما تشومسكي، إلى الحدوس الأخلاقية السياسية التي يملكها المواطنون بالفطرة، أي إلى الحدوس التي تمكنهم من الانخراط في التعاون الاجتماعي مع غيرهم على أساس حدود يشتركون سويا في قبولها، ويجعل من هذه الحدوس أساسا لا نحتاج بعده إلى أساس آخر وراءه لتسويغ أغراض الفلسفة السياسية. هابرماس من جهته يرى في مبادئ التخاطب العقلاني بواسطة اللغة الإطارَ الذي لا يمكن تلافيه في هذا الشأن؛ لأنه الإطار الذي يُنَشَّأُ فيه المواطنون اجتماعيا. لا أحد منهما يركب رأسه ويدعي أن أساسه يحيل على مبادئ ميتافيزيقية قصوى. وبهذا المعنى تكون فلسفة كل منهما غير تأسيسية. إنهما لا يزيدان في فلسفتيهما، كما يدعيان، عن كونهما يمثلان أو يعكسان أو يعيدان بناء ممارسات موجودة سلفا (الحدوس لدى راولز، ومبادئ التخاطب اللغوي عند هابرماس)؛ ولا يمكن لما يعيدُ بناءَه كل منهما أن يكون صالحا إلا بقدر ما ينجح في عكس هذه الممارسات وتمثيلها. الفلسفة عندهما، باختصار شديد، تلعب دور الوسيط بين الأشياء فقط لا غير، أو هكذا يبدو (عبد الله العروي تحدث عن دور الوساطة الذي أسند إلى الفلسفة في الأزمنة المعاصرة في كتابه الأخير السنة والإصلاح).

من الجهة العامة نستطيع القول إن مشروعي رولز وهابرماس ينتميان إلى الأسرة نفسها. وهذا رأي رائج في كثير من الكتابات التي تناولت أعمالهما. بل إن هابرماس ورولز نفسيهما يعترفان بذلك في السجال الذي دار بينهما في مجلة الفلسفة (The journal of philosophy) في منتصف التسعينات. غير أننا عندما نعود إلى هذا السجال نفسه نعثر على كثير من الفروق بين المشروعين. بل إننا نجد رولز يتهم صراحة هابرماس بالميل إلى تأسيس الفلسفة السياسية على أسس تقع خارجها. يقول رولز في سياق تحديد مشروعه وبيان الفرق بينه وبين مشروع هابرماس (1995، ص 134):

"الفكرة الرئيسة [عندي] هي أن الليبرالية السياسية تتحرك في نطاق مقولة السياسي ولا تتخطاه، وتترك الفلسفة في مكانها حيث هي. إنها تترك كل أنواع المذاهب الدينية والميتافيزيقية والأخلاقية على حالها، هي وتقاليدُها العريقة في التطور والتأويل. الفلسفة السياسية تعمل على نحو مستقل عن هذه المذاهب، وتعرض نفسها في حدودها الخاصة بوصفها شأنا مستقلا. لهذا السبب لا يمكنها أن تستدل أو تدافع عن قضيتها باللجوء إلى أي مذاهب شاملة (= ميتافيزيقية) أو بانتقادها أو رفضها".

ثم يستطرد مفصلا القول في الكيفية التي يفهم بها هابرماس الأمور (ص 135- 136): "من زاوية أخرى يكون موقف هابرماس مذهبا شاملا، يتناول أمورا كثيرة تتخطى مجال الفلسفة السياسية. فالهدف الذي ترمي إليه نظريته عن الفعل التواصلي هو عرض رصد عام للمعنى والإحالة والصدق أو الصلاحية، رصدٍ يتناول العقل النظري كما يتناول صورا شتى من صور العقل العملي. فهو يرفض النزعة الطبيعية والنزعة الانفعالية في الاستدلال الأخلاقي، ويتوق إلى الدفاع عن العقل النظري والعملي. زد على هذا: إننا نُلفيه في مناسبات كثيرة ينتقد الرؤى الدينية والميتافيزيقية.... [ يستشهد رولز هنا بنص من مقدمة كتاب هابرماس: بين الوقائع والأعراف]. الليبرالية السياسية عندي لا تعمد أبدا إلى إنكار هذه المذاهب أو التشكيك فيها متى ما كانت معقولة سياسيا. فكون هابرماس يرى غير ذلك في هذه النقطة الجوهرية يعد جزءا من رؤيته الشاملة".

نحن إذا أمام فهم يتهم هابرماس بالشمولية التي تعني في اصطلاح رولز أن هابرماس يصدر في فلسفته السياسية عن مواقف ميتافيزيقية خارجة عن الفلسفة السياسية. المشروعان بعبارة أخرى لا ينتميان إلى الأسرة نفسها..!

إن هذه القراءة لمشروع هابرماس لا ينفرد بها رولز وحده. نجدها عند ديريدا وعند رورتي أيضا. فهما بدورهما يرفضان دعوى هابرماس القائلة بوجود صلة وثقى بين الكونية والعقلانية من جهة، والديمقراطية من جهة أخرى، أي يرفضان النظر إلى الديمقراطية الدستورية بوصفها لحظةً في مسيرة تطور العقل مقرونةً بظهور الصور الكونية للقانون والأخلاق. إنهما لا يقولان بوجود أساس، كالعقل أو مبادئ التواصل العقلاني، يستطيع أن يضمن إمكان قيام صيغة في الحجاج تتعالى عن شروط إنتاجها الخاصة (راجع شانتال موفي 1996: 1).

لكن ما يجب ألا يغيب عن بالنا هنا هو أن الخلاف الذي نتحدث عنه بين رولز وديريدا ورورتي من جهة، وهابرماس من جهة أخرى، خلاف فلسفي وليس سياسيا. فالنقد الذي يوجهونه إلى العقلانية والكونية، أو إلى المنحى التأسيسي في مشروع هابرماس لا يحول بينهم وبين التزامهم القوي، مثل هابرماس نفسه، بالدفاع عن الشق السياسي من فكر الأنوار المتصل بالمشروع الديمقراطي. فهم يشاركونه التزامه بسياسات الديمقراطية ولا يخالفونه الرأي إلا لأنهم لا يرون مثله أن الديمقراطية تحتاج إلى أسس فلسفية تنهض عليها، ولا يذهبون مذهبه القائل إن مؤسسات الديمقراطية لا تكون في مأمن إلا إذا استندت إلى أساس عقلاني. موقف هابرماس هذا إذا نحن تأملناه مليا يكتسي طابعا "إمبرياليا"؛ لأنه يستلزم تقديم مؤسسات المجتمعات الغربية الليبرالية كما لو أنها مؤسسات تعرض حلا عقلانيا لمشكل الاجتماع البشري، أي تعرض حلا يتعين بالضرورة على الآخرين أن يتبنوه إذا أرادوا الإقلاع عن لاعقلانيتهم. فهابرماس لم يتخل، على الأقل حسب رورتي، عن المهمة المستحيلة التي تنشد العثور على مقدمات محايدة من الناحية السياسية تكون سائغة في أعين كل الناس تسمح لهم باستنتاج واجب السير قدما في السياسات الديمقراطية. فهذه السياسات تستحق في نظر نقاد هابرماس أن ندافع عنها ونناضل من أجلها، لكن من العبث أن نُفَصِّل مشروعا يروم البحث عن حجج لا تكون متوقفة على السياق تؤيدها.


Habermas, J. “Reconciliation Through the Public use of Reason: Remarks on John Rawls's Political Liberalism”. The Journal of Philosophy, Vol. 92, No. 3 (Mar., 1995), 109-131.

Mouffe, Ch. “Deconstruction, Pragmatism and the Politics of Democracy” in Deconstruction and Pragmatism. Edited by Chantal Mouffe. Routledge , 1996.

Rawls, J. “Political Liberalism: Reply to Habermas” The Journal of Philosophy, Vol. 92, No. 3 (Mar., 1995), 132- 180.

١٦‏/٠٣‏/٢٠٠٩

الكاتب وعالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي يرحل...






عبد الكبير الخطيبي

الرباط (رويترز) - قالت مصادر رسمية إن الكاتب وعالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي الذي يكتب باللغة الفرنسية توفي صباح يوم الاثنين [16 مارس 2009] بعد صراع مرير مع المرض. وأفادت وكالة المغرب العربي الرسمية للأنباء أن الخطيبي (71 عاما) توفي بأحد مستشفيات الرباط بعد مشاكل في القلب ألمت به. والخطيبي كاتب وعالم اجتماع وباحث أكاديمي حصل على درجة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة السربون بفرنسا حول أطروحة "الرواية المغاربية". كما يعد روائيا وشاعرا مرموقا متخصصا في الأدب المغاربي... نشر عدة قصص وروايات، وحصل مؤخرا على جائزة "الربيع الكبرى" التي تمنحها جمعية "أهل الادب".. وهي جمعية ثقافية فرنسية عريقة تأسست عام 1838 على أيدي ألمع كتاب الأدب الكلاسيكي بفرنسا.. أمثال الروائي الشهير أونوريه دو بالزاك، والشاعر فيكتور هوجو، والروائي ألكسندر دوما. ويعد الخطيبي أول عربي ومغربي يُتوج بهذه الجائزة التي منحت له عن مجموع أعماله الشعرية التي صدر بعضها مؤخرا في ثلاثة مجلدات عن دار " الاختلاف" الباريسية... وتفوق أعماله 25 مؤلفا أشهرها "الذاكرة الموشومة" التي صدر عام 1971 و"فن الخط العربي" عام 1976 و"الرواية المغاربية" و" تفكير المغرب" عام 1993 و"صيف بستوكهولم" عام 1990 و"صور الأجنبي في الأدب الفرنسي" عام 1987 و"كتاب الدم" عام 1979... والخطيبي عضو باتحاد كتاب المغرب منذ العام 1976 وعمل رئيسا لتحرير المجلة الاقتصادية والاجتماعية للمغرب ومديرا لمجلة علامات الحاضر....






*******





لم يكن الخطيبي مفكرا عاديا... لقد كان مفكرا موحيا واستثنائيا... فقد افتتح الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا كتابه (Le monolinguisme de l'autre)* بنص للخطيبي يقول فيه:






Là, une naissance à la langue, par enchevêtrement de noms et d'identités s'enroulant sur eux-mêmes: cercle nostalgique de l'unique. [... ] Je crois profondément que, dans ce récit, la


langue elle-même était jalouse.



ABDELKEBIR KHATIBI, Amour bilingue, Fata Morgana, 1983, p. 77.





جاك ديريدا








ومن جملة ما قاله ديريدا في الكتاب المذكور أعلاه عن الخطيبي ما يلي:






".... Cette seconde proposition va dans le sens de ce que mon ami Khatibi énonce clairement dans la Présentation d'un ouvrage sur le bilinguisme, au moment où il définit en somme une problématique et un programme. Je l'appelle donc à mon secours:


« S'il n'y a pas (comme nous le disons après et avec d'autres) la langue, s'il n'y a pas de monolinguisme absolu, reste à cerner ce qu'est une langue maternelle dans sa division active, et ce qui se greffe entre cette langue et celle dite étrangère. Qui s'y greffe et s'y perd, ne revenant ni à l'une ni à l'autre: l'incommunicable.
De la bi-langue, dans ses effets de parole et d'écriture [... ]»". (p.21-22).
....



"Formons alors une hypothèse, et laissons-la travailler. Supposons que, sans vouloir blesser Abdelkebir Khatibi, un jour de colloque en Louisiane, loin de chez lui et loin de chez moi, loin de chez nous aussi, je lui fasse une déclaration, à travers la fidèle et admirative affection que je lui porte. Que lui déclarerait cette déclaration publique ? Ceci, à peu près: « Cher Abdelkebir, vois-tu, je me considère ici comme le plus franco-maghrébin de nous deux, et peut être même le seul franco-maghrébin. Si je me trompe, si je m'abuse ou si j'abuse, eh bien, je suis sûr qu'on me contredira. Je tenterais alors de m'expliquer ou de me justifier du mieux que je pourrais. Regardons autour de nous et classons, divisons, procédons par ensembles.


A. Il y a, parmi nous, des Français francophones qui ne sont pas maghrébins: des Français de Fiance, en un mot, des citoyens français venus de France.

B. Il y a aussi, parmi nous, des " francophones " qui ne sont ni français ni maghrébins: des Suisses, des Canadiens, des Belges ou des Africains de divers pays d'Afrique centrale.
C. Il y a enfin, parmi nous, des maghrébins francophones qui ne sont pas et n'ont jamais été Français, entendons citoyens français: toi, par exemple, et d'autres Marocains, ou des Tunisiens.
Or, vois-tu, je n'appartiens à aucun de ces ensembles clairement définis. Mon " identité " ne relève d'aucune de ces trois catégories. Où me classerais-je donc ? Et quelle taxinomie inventer ?
Mon hypothèse, c'est donc que je suis ici, peut-être, seul, le seul à pouvoir me dire à la fois maghrébin (ce qui n'est pas une citoyenneté) et citoyen français. À la fois l'un et l'autre. Et mieux, à la fois l'un et l'autre de naissance. La naissance, la nationalité par la naissance, la culture natale, n'est-ce pas ici notre sujet ? (Un jour il faudra consacrer un autre colloque à la langue, à la nationalité, à l'appartenance culturelle par la mort, cette fois, par la sépulture, et commencer par le secret d'Œdipe à Colonne: tout le pouvoir que cet " étranger " détient sur les " étrangers " au plus secret du secret de son dernier lieu, un secret qu'il garde, ou confie à la garde de Thésée en échange du salut de la ville et des générations à venir, un secret qu'il refuse néanmoins à ses filles, en les privant de leurs larmes même et d'un juste " travail du deuil ". )
Ne sommes-nous pas convenus de parler ici de la langue dite maternelle, et de la naissance quant au sol, de la naissance quant au sang et, ce qui veut dire tout autre chose, de la naissance quant à la langue ? Et des rapports entre la naissance, la langue, la culture, la nationalité et la citoyenneté ?
Que mon " cas " ne relève d'aucun des trois ensembles alors représentés, telle fut du moins mon hypothèse. N'était-ce pas aussi la seule justification de ma présence, s'il en fut une, à ce colloque ? »
Voilà à peu près ce que j'aurais commencé par déclarer à Abdelkebir Khatibi. " (29-31).


--------------------------------------------




*-Jacques Derrida. Le monolinguisme de l'autre. Éditions Galilée, 1996.



٣١‏/٠١‏/٢٠٠٩

الانتخابات التشريعية الأخيرة والانتقال الديمقراطي بالمغرب

نشرت هذه التغطية بصحيفة الملاحظ الأسبوعية المغربية


خصصت مجلة الديمقراطية Journal of Democracy* الشهيرة في عددها الذي صدر في شهر يناير 2008 ملفا خاصا وهاما عن الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في المغرب. وقد شارك في هذا الملف من المغرب الباحثون: محمد الطوزي، وإدريس خروز، وعبده فيلالي أنصاري، وأمينة المسعودي. وشارك في الملف أيضا، من الولايات المتحدة، الباحثان ميكائيل ماكفول (من جامعة ستانفورد) وتمارا كوفمان ويتس (من مركز سابان لسياسات الشرق الأوسط بمؤسسة بروكينز). مقالات الباحثين المغاربة تناولت بالدرس الانتخابات التشريعية المغربية الأخيرة وملابساتها السياسية والمدنية، والظروف التي أجريت فيها، كما ركزت أيضا على التأويلات التي يمكن أن نسندها إليها، وعلى الأسئلة التي تضعها هذه التأويلات، إذا صحت بالطبع، على الطبقة السياسية المغربية مستقبلا. أما مقال ماكفول وويتس فقد ناقش هذه الانتخابات من زاوية مقارنة، وتحديدا من زاوية الدروس التي يمكن استخلاصها بخصوص مشاركة الإسلاميين في هذه الانتخابات بالنسبة إلى المغرب، وبالنسبة إلى البلدان العربية التي تعرف ساحاتها حركات سياسية إسلامية تتزايد قوتها وتتعاظم. وقد تناول الباحثان في مقالهما سلوك حزب العدالة والتنمية وركزا عليه. سأحاول في هذا المقال أن أعرض بإيجاز أهم ما تضمنه هذا الملف، وسأركز على مقالات أمينة المسعودي، وماكفول وويتس، ومحمد الطوزي. ألخص الجديد الوارد في هذه المقالات مجتمعة، ضاربا صفحا عن الأفكار والمعلومات المتداولة ذات الصلة بالأرقام والتواريخ المعروفة لدينا في المغرب والتي قد لا تُهِمُّ إلا القراء الأجانب.

في مقالها القصير (الطريق إلى الشفافية The Road to Transparency)، الذي أدرج في صورة إطار ضمن مقال محمد الطوزي، تحدثت أمينة المسعودي (جامعة محمد الخامس) عن مجموع الاستعدادات القانونية والسياسية والرقابية التي جرى القيام بها في المستويات كافة قبل الانتخابات أملا في أن يكون يوم الاقتراع حدثا تاريخيا بكل المعاني في مسار تطور المغرب على درب الديمقراطية. وقد استعرضت الباحثة مجموع هذه الاستعدادات (قانون الانتخابات، الحصة التفضيلية للنساء، قانون الأحزاب...الخ) ورصدت بعض المحاور التي تناولها النقاش السياسي الحامي والمتفائل الذي عرفته فضاءات الأحزاب السياسية، وجمعيات المجتمع المدني، وانخرط فيه أكاديميون كُثر عبر وسائط الإعلام... لكن النتيجة كما أكدت الباحثة جاءت مخيبة للآمال وعلى خلاف ما توقعه المراقبون تماما: عزوف كاسح عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في التصويت، وكم هائل من الأصوات الملغاة... هذه الحيرة التي ركزت عليها أمينة المسعودي وعكستها في مقالها المركز، مثلت الإشكال الذي سعى محمد الطوزي (جامعة الحسن الثاني، وجامعة إيكس أون بروفانس) في مقاله إلى أن يفك ألغازه ويجلي أبعاده ويكشف عما يطويه من أسئلة يتعين طرحها والسعي في الإجابة عنها.

لكن قبل التطرق إلى مقال الطوزي بما يليق به من تفصيل، أقترح التعريج على السمات البارزة التي ميزت الانتخابات التشريعية لـ 7 سبتمبر 2007، كما يراها الباحثان ماكفول وويتس في مقالهما (حدود الإصلاحات القاصرة (أو المحدودة) The Limits of Limited Reforms).



ميكائيل ماكفول

هناك ثلاث سمات رئيسة ميزت انتخابات 7 سبتمبر 2007 في المغرب حسب ماكفول وويتس:

السمة الأولى: حين أتيحت الفرصة للمواطنين المغاربة لكي يصوتوا في انتخابات حرة ونزيهة، لم يعملوا على الإتيان بالإسلاميين إلى السلطة، على الرغم من أن استطلاعات الرأي وجماهير المحللين كانوا يتكهنون بعكس ذلك. فأغلب هؤلاء المصوتين غير الراضين عن الجمود الذي يعرفه الوضع السياسي اختاروا بدائل أخرى – من بينها عدم التصويت أو تمزيق أوراق تصويتهم _ للتعبير عن تبرمهم من الأوضاع. فالتعميم الشائع الذي يقول إن تنظيم انتخابات مفتوحة في العالم العربي سيؤدي حتما إلى فوز الإسلاميين لا يعد تعميما صحيحا في نظر الباحثيْن. ما أظهرته انتخابات 2007 في المغرب هو أن النهج الأوتوقراطي في الحكم يستطيع تصميم قواعد سياسية للعب تحد من قوة الأحزاب السياسية كلها، بما في ذلكم الأحزاب المشكوك في التزامها بالديمقراطية. فقد حد الملك محمد السادس ومستشاروه من مجال التنافس الديمقراطي للوصول إلى البرلمان حتى لا يستطيع أي فعل تشريعي ممكن من تغيير النسق. وقد صمم القصر نظاما في الاقتراع (مبنيا على التمثيل النسبي) لا يسمح لأي حزب، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية الإسلامي، أن يحصل على أغلب مقاعد البرلمان.

يتساءل الباحثان هل في هذا الأمر إجحاف؟ فيجيبان: نعم. ثم يستأنفان سؤالا آخر أهم: هل يخدم هذا الأمر التغيير التدريجي؟ هنا يترددان في الحسم. ويقترحان الجواب باللفظ الضارب في الالتباس والإبهام: ربما. إنهما مرتابان لكونهما يريان أنه إذا كانت الإصلاحات الليبرالية في المغرب تواصل تحسين سلطة المؤسسات الديمقراطية، وتعمل على إنعاش نمو نسق حزبي متعدد، فإن هذه الاحتياطات الرقابية التي يقوم بها الحاكمون لا تمثل، في واقع الأمر، إلا الثمن المؤقت الذي يجري دفعه مقابل الصدقية الديمقراطية المتوخاة. المشكل الذي يظل مطروحا هو أنه إذا فشل الحاكمون في السير قدما على درب الليبرالية السياسية فإن من شأن القيود الموضوعة على سلطة البرلمان أن تشكل إيذانا بضياع الإصلاحات الليبرالية.


تمارا كوفمن ويتس


السمة الثانية في رأي الباحثيْن، هي أن الأحزاب الإسلامية ليست سواءً، أو ليست ذات نهج واحد. فتنامي قوة حزب العدالة والتنمية أثناء الاستحقاقات الانتخابية الثلاثة الأخيرة التي جرت في المغرب لا يمكن النظر إليه على أنه تهديد للديمقراطية، بل يجب بالأحرى تأويله على أنه خَطْوٌ إيجابي حثيث على درب التنمية الديمقراطية. مقاصد هذا الحزب الحقيقية لن يقع الكشف عنها بجلاء إلا إذا تعرض لامتحان تقاسم سلطة حقيقية. وهذا ـ لعمري، كما يرى الباحثان ـ احتمال من الصعب جدا على المرء أن يتصوره ضمن الحدود التي يسمح بها النسق الراهن الذي تمسك فيه المؤسسة الملكية بالخيوط الضابطة والمؤثرة كلها. زد على هذا أن مشاركة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات وفي البرلمان كان لها فيما يبدو تأثير كبير في مراجعة الحزب لتوجهاته واندفاعه أماما نحو الاعتدال. فقد أذكت مشاركته هذه نقاشات داخلية حامية عن كيفية الموازنة والمواءمة بين المبادئ السياسية الإسلامية، وتكتيكات المعارضة، وقيم الديمقراطية. فالتجربة المغربية تبشر، إذا شئتم، بأن مشاركة الإسلاميين في السياسة لا تسبب صداما بين الديمقراطية والاستقرار، بل يمكن لهذه المشاركة أن تشجع على قيام تناغم بينهما. وهذا وحده يعد في نظر ماكفول وويتس سببا كافيا للفحص عن هذه التجربة المغربية بإمعان، والنظر فيما إذا كان بالإمكان تعميمها على باقي العالم العربي، والسؤال عما إذا كان المغرب يمثل استثناء أم أنه مؤشر كاشف عمَّا يمكن أن يحدث في مناطق أخرى من العالم العربي.

السمة الثالثة في نظر الباحثيْن هي أن الإصلاح المحدود، له في العمر معدلُ حياةٍ قصير. فبفتح الانتخابات البرلمانية أمام تنافس حقيقي نسبيا، يكون القصر قد عَرضَ إحدى المؤسسات السياسية على المساءلة الشعبية، وترك المؤسسات الأخرى في مأمن بعيدا عن هذا التأثير. هذه المؤسسة التي جرى عرضها على المساءلة لا تملك من سلطات الحكامة الأساسية إلا اليسير. إدراك المصوتين لهذا الأمر، واستيعابهم لمغزاه، هو الذي جعلهم يسجلون تبرمهم بالعزوف عن المشاركة أو بالتصويت بالأوراق عذراء كما سلمت إليهم في مكاتب الاقتراع.

هناك في نظر الباحثيْن طائفتان من الأخبار: إحداهما سارة بالنسبة إلى تطور الديمقراطية في المغرب؛ والثانية سيئة أو تحمل طَيَّها نذيرَ شؤم. الأخبار السارة بالنسبة إلى تطور الديمقراطية المغربية هي أن المغاربة – على خلاف المواطنين الذين يعيشون تحت أنظمة أكثر قمعا للحريات – يستطيعون أن يختاروا عدم التصويت، وبإمكانهم أن يسجلوا مواقفهم عن طريق التصويت بأوراق ملغاة. وهذا الاختيار الأخير يمكن أن يكون دليلا على قدر عال من الوعي والمجهود السياسيين (وعي المواطنين، ومجهود الأحزاب والمجتمع المدني والإعلام). أما الأخبار السيئة فتعلن أن النسق الحالي لا يملك مقومات الدوام والاستمرار، وبإمكانه أن يؤدي إلى تأجيج صور من الاحتجاج أكثر حدة (بما في ذلكم دعم الحركات الجذرية والقوى الخارجة عن النسق) إذا لم يقع تدارك الأمور. السؤال الرئيس إذاً هو كيف ستتلقى الملكية وتتعامل مع هذه النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات. هل ستأخذ على عاتقها تفعيل المزيد من الإصلاحات العميقة، أم ستعمد إلى وضع قيود أو حدود جديدة للتطور الديمقراطي؟ اختيارات هذه المؤسسة، في نظر ماكفول وويتس، هي التي ستحدد بقوة المسار السياسي المستقبلي للمغرب.

مقال محمد الطوزي المعنون بـ (الإسلاميون والتقنوقراط والقصر Islamists, Technocrats, and the Palace) مكثف جدا، ومركز إلى حد يصعب معه التلخيص؛ يلتقي في بعض ملاحظاته مع مقال ماكفول وويتس بخصوص مشاركة الإسلاميين في الانتخابات. ميزة مقال الطوزي قائمة في كونه يُحجم عن إصدار الأحكام التقويمية، ويعوض عن ذلك بالمضي عميقا في تشريح الوضع السياسي المغربي ملقيا أضواء كاشفة على الكثير من عتماته. إنه لا يستسهل الحديث عن الانتقال الديمقراطي في المغرب على نحو ما تفعل المقاربات الخطية الجاهزة: استبداد/ لبرلة/ انتقال/ ديمقراطية/ ترسيخ؛ بل ينظر إلى الانتقال من حيث إنه إشكال مستعص في التحليل قبل أن يكون كذلك في معتركات السياسة. ويبدو لي أن الطوزي يلتقي في بعض توجهاته النظرية مع التصورات التي ترى أن الانتقال يكاد يصبح نمطا في الحكم قائما بذاته، لا طورا تُتَوقَّعُ نهايته، خصوصا في التجارب التي عرفتها بعض بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهذا باب يتسع فيه الكلام ويتشعب فيه القول قد نعود إليه في سياق مقال آخر. مقال الطوزي باختصار على الرغم من كونه يتناول الانتخابات التشريعية الأخيرة، تتخطى إرهاصاته النظرية هذا الإطار وتتعداه.


محمد الطوزي

يلقي الطوزي أضواء كاشفة على الالتباس الذي يكتنف التجربة السياسية المغربية في أعين أولئك الذين يقرأونها قراءة تهتدي بمناهج التحليل المتعارف عليها في أدبيات الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية. فهذا الالتباس لا يرجع في نظره إلى أن المغرب لم يعد في طور الانتقال وأصبح الآن في ذمة الديمقراطية (كما يُستشَفُّ من تقرير التنمية الخمسيني الذي كان يأمل أصحابه في أن تكون هذه الانتخابات ترسيخا للديمقراطية، على أساس أن الانتقال قد تحقق)، بل يرجع إلى أن التفسيرات الرائجة التي تتناول الانتقالات من منظار ما تمليه مفاهيم مثل اللبرلة أو الدمقرطة، تبقى تفسيراتٍ عاجزةً عن رصد المؤشرات المتناقضة في الحالات التي تكشف عن وجود تقدم وتراجع في الآن نفسه كما هو الشأن بالنسبة إلى حالة المغرب. لهذا السبب يعتقد الطوزي أن انتخابات 7 سبتمبر 2007 تمثل حقًّا نافذة نستطيع، إذا نحن تأملناها مليا، أن نطل منها على هذه التناقضات التي تعرفها تجربة الانتقال السياسي في المغرب. فمن شأن التفكير في هذه الانتخابات، وإمعان النظر في الميول التي أحاطت بها أن يساعدانا، حسب الطوزي، على اجتراح منهج يستطيع أن يُقوِّم التغيرات الجارية اليوم في المغرب والتي تتخطى، في اعتقاده، مجرد السؤال عما إذا كان الانتقال في المغرب يحقق النجاح أم هائما على وجهه يراكم الفشل.

في سياق استدلاله على حداثة سن التجربة المغربية، يرى الطوزي أن السياسة في المغرب لم يكن لها على امتداد ثلاثة عقود متتالية بعد الاستقلال صلة تذكر أو ربما وثقى بمفاهيم التحديث أو الدمقرطة، بل كان مدارها وقطب رحاها الصراع المحموم حول السلطة بين طرفين رئيسين في البلاد هما الملكية والحركة الوطنية. لهذا السبب لا نستطيع، في نظره، أن نتحدث عن بروز حركة تتطلع حقيقة إلى الديمقراطية والتعددية الكاملة إلا في مطلع التسعينات من القرن الماضي. أما قبل هذا التاريخ فإن ما كان يدور في أذهان بعض أفراد الطبقة السياسية، وبعض المقربين من القصر أيضا، من أفكار تقدمية ذات صلة بالتحديث لم تكن لتلقى صدى في ظل ذلك الصراع المحموم على السلطة وفي سياق مجتمع سمته الأساس هي المحافظة. لم يكن أمام هذه الأفكار من مصير آخر سوى أن تظل مجرد أفكار، تمضي وتعود، تلف وتدور، في أذهان أصحابها دون أن تجد لها منفذا يوصلها إلى الواقع.

منذ التسعينات أخذت الأمور تتغير والعجلات تدور. وهكذا سنلاحظ أن الحزبين الوطنيين الكبيرين، الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، سينخرطان في مسلسل إقناع الملك الراحل بالتزامهما العمل من 'داخل نسق' الصيغة البرلمانية التي تتحكم فيها الملكية، وأن عهد الانقلابات الثورية التي طالما راودت أحلام البعض قد ولى. وقد كان هذا التوافق بين الطرفين، في نظر الطوزي، إيذانا ببروز ثقافة سياسية في المغرب تعتمد التسوية والتفاوض وتعول عليهما. لذلك سنشهد بين سنتي 1990 و 1996 تأسيس هيئات مثل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وتخصيص وزارة خاصة تُعْنَى بحقوق الإنسان، كما سنكون من الشاهدين أيضا على مراجعتين متتابعتين للدستور لا تفصل بينهما إلا فترة من الزمن قصيرة.

بعد رحيل الملك الحسن الثاني واعتلاء نجله الملك محمد السادس العرش، هيمن على الساحة السياسية المغربية توقع بأن البلاد أضحت على أهبة ولوج مرحلة سياسية جديدة. بل إن بعض المتتبعين والمعلقين صوروا هذه الحقبة السياسية من التاريخ المغربي في صورة تحول تام... تحول يرسم للبلاد مسارا جديدا وخطيا، يمضي بها رأسا إلى بناء نظام ديمقراطي كامل. أي تصوروا الأمر كما لو أن عملية الدمقرطة عملية محايدة، ولا سياسية (apolitical process) في الغالب. وقد عكست وسائط الإعلام في تغطياتها هذه الرؤية، ومالت الآراء فيها ميلا إلى تأويل بعض حلقات هذه المرحلة بأنها تراجعات وشذوذات وانحرافات، تهدد عملية الانتقال الديمقراطي وتتحداها. إن هذه التراجعات، حسب الطوزي، لم تكن في واقع الأمر إلا مؤشرا على مدى التعقيد الذي يلف هذه المرحلة، ولا يمكن فهمها إلا من حيث إنها تعلن عن بداية مرحلة جديدة يتعين فيها على الملكية أن تتكيف مع محيط سياسي متغير...

وقد أثبتت ردات الفعل الاستنكارية والشاجبة للانفجارات الانتحارية التي جرت في الدار البيضاء في 16 ماي 2003، عن أن المغرب أدار وجهه عما يجري في الشرق الأوسط ويممه نحو الغرب بوصفه نموذجا وسندا. ومع تنامي النقد للمذهب الوهابي ذي الصلة الوثقى بالتهديد الإرهابي، ألفى القصر نفسه مستعدا للقبول بربط صلات مع أحزاب وشرائح (حتى تلك التي انتمت في الماضي إلى اليسار الشيوعي) طالما تجاهلها بسبب موقفها السلبي آنذاك إزاء الملكية.

لقد التزم القصر بالسير قدما على درب التحديث. التزم بهذا على الرغم من احتفاظ الملكية بالمبادرة السياسية وبتفوقها على كافة أطياف النخبة، وعلى الرغم أيضا من جمود الساحة السياسية واستغلاقها وضعف الطبقة السياسية (بما في ذلك الأحزاب الوطنية)؛ والتزم به على الرغم كذلك من المجالات المحفوظة التي مازال يراقبها كوزارات السيادة، وعدد من الصناديق والمؤسسات والوكالات.

إن جرعة التغيير باتجاه التحديث التي تجري في هذا النسق المحافظ، ثقيلِ الحركة، هي التي تقف وراء الالتباس الذي يحيط باللاعبين السياسيين المغاربة من كل جانب. فعلى الرغم من أن الهدف من السباق قد جرى تحديده (وهو التحديث والوصول إلى الديمقراطية)، يحس هؤلاء اللاعبون بالقلق وعدم الارتياح. إنهم يُلْفون أنفسهم في منطقة من عدم اليقين حيارى، يتطلعون إلى حركة مجهولة تصدر عن حيز السلطة الحقيقي الذي يمسك بنسيجه الملك محمد السادس والدائرة التي تحيط به. فمأزق السلطة في المغرب يكمن، حسب الطوزي، في رعاية طبقة من القيادات السياسية تشارك في تسيير الشأن العام من دون أن تكون لها الضمانة على أنها تستطيع تغيير التوجه الأساسي للحياة السياسية في البلاد. ذلك لأن مفاصل هذا التوجه شأن تحدده الملكية، ويحدده استطرادا محيط الملكية.

محيط الملكية اليوم، على خلاف ما مضى، ينشد الحصول على دعم الرأي العام ويشجع على المشاركة السياسية. فالخوف المفترض من نتائج انتخابية غير مواتية، تقابله قدرة متزايدة حقيقية على تدبير القلق الاجتماعي والتحكم فيه، وهو يشكل الثمن الذي ينبغي دفعه مقابلا للمزيد من الحرية. وضمن هذا السياق تكون الانتخابات فرصة حقيقية لاحتلال مواقع حاسمة ومؤثرة في مسار عملية الحكامة عن طريق التواجد في البنيات المؤسسية كالبرلمان.

حين يعرج الطوزي على الانتخابات التشريعية (2007) يسجل أن هذه انتخابات، على الرغم مما بُذل فيها من مجهود لكي تكون مفتوحة وذات صدقية مشهود لها في الداخل والخارج، لم تكن على الرغم من ذلك فرصةً حقيقية للمنافسة بين مشاريع سياسية أو بين توجهات مجتمعية يستطيع الناخب أن يختار بينها. فالنسق المغربي يدور، كما يرى الطوزي في مكان آخر، حول لعبة سياسية منزوعة الفتيل أو وقع إبطال مفعولها. وهي لعبة تحتاج في نظره إلى معالجة خاصة، وإلى وضع أسئلة جديدة عن الكيفية التي تعمل بها الانتخابات وعما تعنيه العمليات الانتخابية. فالهدف الرئيس الذي كانت ترومه الانتخابات التشريعية هو إحداث تغيير في المناهج لكي يصير النسق قادرا على التكيف مع الأزمة التي أَلمَّتْ بنُخبه... ويعتقد الطوزي أن إدراك هذا الفرق واستيعابَه يمثل المدخل الأساس الذي يقود إلى استخلاص المغازي مما يجري حقيقة في المغرب.

فهذه الانتخابات، إذا نحن تأملناها مليا، ما كان لها أن تحدث تعديلا يتناول السياسات الاقتصادية في الصميم. لأن القرارات الرئيسة ذات الصلة بالمشاريع الكبرى لتنمية البنيات التحتية والبرامج الاجتماعية (كالمبادرة الوطنية للتنمية الإنسانية) سبق لها أن اتخذت، ولم تحظ بأي نقاش، ناهيكم عن أن تُنتقد، في أثناء الحملة الانتخابية. فإذا استثنينا اليسار المتطرف وبعضا من ذوي الميول الجذرية في حزب العدالة والتنمية الإسلامي كان المتنافسون في الانتخابات يسارعون إلى التماهي مع المشروع المجتمعي الملتبس الذي سبق للملكية أن طرحته، والذي امتاز بكونه مشروعا صادف هوى في نفوس التقدميين، وفي نفوس المحافظين، بل صادف الهوى ذاته حتى في نفوس الأصوليين أيضا.

لكن، على الرغم من هذا الانفصال بين الأصوات والسياسات، أحست الملكية بضرورة وجود علاقة سببية ما، بين الرأي العام والسياسات العمومية. ولعل هذا هو الذي جعل القصر يتخذ قرارا بضرورة إعادة توجيه أو تعديل ما يمكن أن يسمى بأسلوبه في التدبير السياسي؛ وهو القرار الذي تزامن بالمصادفة مع أجندة الحكامة الجيدة التي يضغط بها الشركاء الماليون الدوليون والمانحون على المغرب ويشجعونه على السير في ركابها. ويوجد في قلب هذا الأسلوب الجديد طرق جديدة لاستقطاب نخب جديدة رئيسة.

مسألة النخب هذه مرت في المغرب، حسب الطوزي، بمراحل ثلاث. المرحلة الأولى ابتدأت من سنة 1956 إلى سنة 1983، وقد كان التركيز يجري فيها على نخبة تتشكل من الأعيان التقليديين. المرحلة الثانية والتي تمتد من سنة 1983 إلى سنة 1999، تميزت بتوسع إدارة الدولة وبروز أعيان جدد لا تقترن عينيتهم إلا لِماماً بحسبهم أو بنسبهم، بل أضحت ترتبط أكثر فأكثر بعوامل طارئة كمستوى تعليمهم أو مناصب عملهم. المرحلة الثالثة وتبدأ من سنة 1999 وهي مستمرة إلى يوم الناس هذا، ويجري التركيز فيها على صيغ الحكامة الجديدة، وهي مرحلة شجعت على ظهور المجتمع المدني وجعلت من اليسار أهم مورد تأتي منه القيادات السياسية.

يعتقد الطوزي أن انتخابات 2007 لم تكن اختبارا حقيقيا لقياس قوة الأطراف المتنافسة. إنها لم تكن اختبارا لقياس نجاح الانتقال أو فشله، ولا اختبارا للحكم على التهديد الذي يمثله الإسلاميون، ولا حتى على قدرة النسق على احتواء هذا التهديد. جزء من المسؤولية في هذا يقع على قانون الانتخابات المعقد؛ لكن عزوف واحد من كل خمسة مواطنين عن التصويت أو التصويت بورقة ملغاة يشير، حسب الطوزي، إلى أن المواطنين تملكتهم الحيرة وعجزوا عن الاختيار واتخاذ القرار أمام برامج حزبية هزيلة وفضفاضة، وأمام اختلاط القضايا الوطنية بالمحلية، وفوق هذا وذاك، أمام خلو الحملة الانتخابية تقريبا من أي نقاش للقضايا الكبرى التي تقسم المجتمع المغربي...

حزب العدالة والتنمية الذي يشكل الأداة الرئيسة للتحدي الإسلامي في نظر الكثيرين "خسر" الانتخابات من زاوية التوقعات التي كانت قد تكهنت باكتساحه، لكنه من جانب آخر أهم من هذا كثيرا، استطاع أن يكشف عن مرونة بالغة في التفاعل إيجابا مع الظروف التاريخية التي واجهته حين ضرب صفحا عن الأجندة الإسلامية الجذرية وتوصل إلى تفاهم سياسي مع الملكية. ولكي يجعل برامجه تتناغم مع توقعات القصر وتأخذ بعناقها، سارع الحزب خفافا إلى التخلي عن قسم لا يستهان به من قيادته الأصولية، وحتى من بعض الوجوه الإصلاحية والتحديثية، ليجعل في صدارته شبابا تقنوقراطيين مدربين محليا ذوي ميول إسلامية.

يشير الطوزي في الأخير إلى أننا إذا سلمنا بالتطور الذي ألمعنا إليه بشأن النخبة في المغرب فإن ما كان ينتظر من انتخابات 2007 هو أن تمضي في الدينامية إلى مداها وتَحمِل إلى البرلمان فريقا جديدا. لكن الذي حصل هو أن القيادات الحزبية استعملت مهاراتها في تشكيل لوائح مرشحيها على نحو يلتف ويحول دون الوصول إلى هذا الهدف. لم يقتصر هذا على أحزاب الأعيان القديمة المعروفة، بل أصابت عدواه حتى أحزاب اليسار التي سارعت مهرولة هي الأخرى إلى وضع الأعيان على صدر لوائح أحزابها واستعملت تكتيكات أخرى للتقليل من المخاطر والالتفاف على الضغوط التي مارستها عليها قواعدها وتجنب التهديد الذي يمكن أن يشكله لها حزب العدالة والتنمية في المدن الكبرى. فهذه المناورات الانتخابية في نظر الطوزي هي التي ألقت بظلالها وحددت ملامح البرلمان المغربي في أعقاب انتخابات 2007. وإذا كانت التشكيلة البرلمانية في الديمقراطية كافية لتحديد النحو الذي ستكون عليه الحكومة. فإننا بالمغرب سنرى أن القصر يسارع بالتدخل لكي يفرض فريقه الخاص، دافعا قادة الأحزاب إلى القبول بتقنوقراطيين من ذوي الخبرة والباع في تدبير قضايا الشأن العام والذين يكشفون عن ميول باتجاه أن يصبحوا سياسيين خُلَّصاً.

إن هذا الملف في رأيي يساهم في إعادة تأطير النقاش حول الانتقال الديمقراطي في المغرب ضمن حدود أكثر وضوحا، حتى لا أقول أكثر موضوعية. هناك دينامية سياسية يعرفها المغرب لا ينكرها أحد. لكن هناك عوائق ومشاكل أخرى شتى مازال حلها مستعصيا... يمكن للمغرب أن يمكث طويلا يترنح في هذا الوضع، كما يمكنه إذا أجاد التصرف أن يتخطاه في ظرف معقول نحو الديمقراطية.. عبقرية المغاربة الآن على المحك.....

البرلمان المغربي

*- “Morocco's Elections”. Journal of Democracy. Volume 19, Number 1, January 2008.

El Messaoudi. A “The Road to Transparency” in Journal of Democracy. Volume 19, Number 1, January 2008. pp. 36-37.

Mcfaul, M. & Witts, T.C “The Limits of Limited Reforms” in Journal of Democracy. Volume 19, Number 1, January 2008. pp.19-33.

Tozy, M “Islamists, Technocrats, and the Palace” in Journal of Democracy. Volume 19, Number 1, January 2008. pp. 34- 41.





٢١‏/١٢‏/٢٠٠٨

غاستون باشلار وثوماس كُونْ


*_ هذا النص جزء من بحث طويل
ثوماس كُونْ


إن من يقرأ كتاب ثوماس كُونْ بنية الثورات العلمية يفاجأ بتأثر كون الكبير بالفكر الفرنسي. ففي مقدمة الكتاب أعلن كونْ صراحة تأثره الشديد بألكسندر كويري، وبإميل مايرسون، وبهلين ميتزجير (ص:-v vi، والهامش 1 بالصفحة vi). لكن بعض القراء يستغربون أيضا كيف حصل أن ظل كون بعيدا عن التأثر بغاستون باشلار الذي يبدو في نظر كثير منهم أقرب إلى كون من غيره. فهل كان كون في أثناء الإعداد لكتابه بنية الثورات العلمية قد اطلع على أفكار باشلار وأعرض عن ذكرها في الهامش إياه؟ أم أن تلك الأفكار لم تصله إلا في مرحلة لاحقة على نشر كتاب البنية؟ أم أن الصلة بين فكريهما واهية على الرغم مما بينهما من تشابه؟
الواقع أن الفحص عن الصلة القائمة بين باشلار وكون تُدخل المرء في باب من الكلفة شاق، ليس في قراءة النصوص وفهمها فحسب، بل في الكشف عن التصنيفات التي تحيل عليها تلك النصوص أيضا. وهذه التصنيفات كما يعرف الدارسون تقترن بتقليديْن في فهم فلسفة العلم وتاريخه مختلفين أشد ما يكون الاختلاف هما التقليد القاري (نسبة إلى قارة أوروبا، والمقصود هنا فرنسا وألمانيا) والتقليد التحليلي (الأنجلو أميريكي). فالتقليدان ظلا طويلا منغلقين على بعضهما، وتحديدا منذ كانط. التقليد التحليلي مثلا لم يعط هيغل الذي أعقب كانط الأهميةَ الكبرى التي أعطاه إياها التقليد القاري. بل إن هناك من يربط الفرق بين التقليدين بهذه النقطة تحديدا (رورتي على سبيل المثال): التقليد القاري قرأ هيغل وحمله على محل الجد، في حين أن التقليد التحليلي أعرض عنه ونسيه (حالة برتراند راسل الذي أمضى فترة من شبابه هيغيليا)... وعلى الرغم من أن الميل الوضعي الذي سيطر على التقليد التحليلي كان في الأصل قاريا (فرنسا تحديدا: أوغيست كونت)، سنلاحظ أن هذا الميل سيتعمق في اتجاهات غير مسبوقة وغير متوقعة بسبب ما عُرف بالتحول أو الانعطاف اللغوي الذي أضفى على النزعة الوضعية التي مال إليها التقليد التحليلي طابعا خاصا يصعب ربطه أو رده آليا إلى وضعية أوغيست كونت القارية.
يمكن للمرء إذاً أن يعتمد الفروق القائمة بين التقليدين ويمنحها تأويلا قويا، ويعفي نفسه من الخوض فيما إذا كان كون قد تأثر بباشلار أم لم يتأثر؛ لأن التقليدين كما ألمعنا مكتفيان، كل بذاته، ولا حاجة إلى الخوض في مشروع يروم ربط صلات واهية بين السرديات التي أُنتجت في كل واحد منهما: سواء أكانت هذه السرديات قد تناولت العلم أم تناولت باقي أصناف المعارف الأخرى. وإذا كان هناك من أشياء يشترك فيها التقليدان، فإن هذه الأشياء ترتد إلى الحقبة التي سبقت بروز التقليدين واستواءهما (كانط ومن قبله، إذا سلمنا بالتوصيف الذي عرضه رورتي وقبلناه)... لكن، قبل النظر فيما إذا كان هذا التأويل القوي للفروق مُنتِجا ومُطمْئِنا لا مناص من التعريج على ما تشير إليه المرويات التي تعرضت للقاء الشخصي بين كون وباشلار.

غاستون باشلار

تذكر هذه المرويات أن كون حين جمع الخواطر، وعقد العزم على كتابة بنية الثورات العلمية في نهاية الأربعينات من القرن العشرين، أرسله المفكر الفرنسي، مؤرخُ عِلميْ الفيزياء والفلك، ألكسندر كويري الذي كان يُدرِّس في الولايات المتحدة إلى فرنسا للقاء باشلار قصد الاطلاع على الأصول الفلسفية للإشكالات في سياق الفكر القاري، وحَمَّله رسالةَ تزكية إلى باشلار تُسهل اللقاء المرتقب، وترفع من طريقه العقبات... لكن شاءت الأقدار ألا يكون اللقاء مثمرا. وكان للغة الحديث دور في رفع السلاسة عن اللقاء. فبينما كان كُون الذي لا يتقن الفرنسية يفضل الحديث إلى باشلار باللغة الإنجليزية، أَصرَّ باشلار بنوع من العجرفة، كما لمّح إلى ذلك كُونْ، على الحديث بالفرنسية... كان اللقاء خاطفا في مستقر باشلار بزنقة سانت جينوفييف بباريس، ولم يترتب عليه ما يتبعه. لم يكن كُونْ يعرف عن فكر باشلار سوى مِزَقٍ وتفاريق، (كان قد قرأ كتاب فلسفة النفي الذي صدر سنة 1940)، بدا له منها أن الرجل يصدر عن مقولات منهحية (methodological categories) صارمة لم يفهم كون مغازيَها، لنقص فيه أو فيها كما قال، ولا تتلاءم مع المشروع الذي كان قد عقد العزم على إنجازه (ورد وصف هذا اللقاء في حوار مع كون (Kuhn,1997,p.169)).
في الواقع، كان كُونْ يجهل تماما التحولات التي طرأت على فكر باشلار في الوقت الذي زاره فيه... فباشلار، كما ذهبت إلى ذلك كاستلاو لوليس (2004: 874)، أصبح منذ سنة 1942، أي السنة التي نشر فيها كتابه الماء والأحلام، يولي اهتماما كبيرا لقضايا الخيال والإبداع، وللدور التحريري الذي تلعبه الصور والخيالات... وحين عاد إلى الكتابة في قضايا إبستيمولوجيا العلم في كتب مثل: العقلانية المطبَّقَة (1949)، ونشاط الفيزياء المعاصرة العقلاني (1951)، والمادية العقلانية (1953) )، كان قد عاد متأثرا بأعماله التخييلية تلك؛ بل إننا نستطيع أن نقول إن منهجيته بدورها عرفت بعد هذه العودة تحولا كبيرا... إنها أخذت تبتعد عن التأويل التاريخي وعن التأويل المعتمد في التحليل النفسي، وأصبحت تميل ميلا شديدا إلى المقاربة الفينومنولوجية والسريالية للموضوعات وللممارسات العلمية عموما... بعد عودته هذه إلى دراسات العلم نلفيه يرجع مرة أخرى وأخيرة إلى أعمال تتصل بالخيال والشعرية والأحلام كما هو واضح في: شعرية الفضاء (1957)، وشعرية الحلم (1960)، وشعلة القنديل (1961). فالإبستيمولوجيا التي أنتجها باشلار بين المرحلتين، أي في الفترة التي زاره فيها ثوماس كُونْ تحديدا، لم تكن تتضمن، حسب لوليس، المقولات الصارمة التي أبدى كُون تحفظه الشديد إزاءها... ففي هذه الفترة كان باشلار قد شرع في النظر إلى الدعاوى العلمية من منظور اجتماعي... وبدأ يلتفت إلى أهمية البلاغة في الاستدلالات العلمية. فهذه هي الأمور التي كان من المفروض أن يَتعرَّفها كون من نقاشه مع باشلار...
يستفاد مما سبق أن كون على الرغم من كونه نحا في كتابه نحوا يقترب في بعض وجوهه من طريقة باشلار في رصد علاقة السابق باللاحق في العلم، لم يكن ذلك ناتجا عن تأثر مباشر بأفكار باشلار. ربما تأثر كون بالمزاج العام الذي كان سائدا في أوساط الأجيال الجديدة التي تربت على تعاليم الوضعية المنطقية في نطاق التقليد التحليلي، وضاقت ذرعا بتلك التعاليم، وسعت إلى الإفلات منها في اتجاه ما سيعرف بما بعد الوضعية. ونستطيع هنا، إذا أحببنا، أن نستعين بالتأويل الذي عرضه فولر في كتابه الشهير عن كون المعنون بـ ثوماس كون: التاريخ الفلسفي لأزمنتنا (2000)، وفي مقالاته الأخرى أيضا التي شبه فيها كون بالسيد تشانس، البريء والموغل في السذاجة، في الفيلم الشهير (Being there) الذي أخرجه هال آشبي سنة 1979. السيد تشانس (أدى دوره: الممثل بيتر سيليرس) لا يعرف عن العالم إلا ما يراه على شاشة التلفزيون، ولا صلة له بالأشياء إلا من خلال البستنة التي كان يمارسها بمهارة فائقة في حديقة بيته الذي لم يغادره إلا في سن متقدمة. وحين غادر البيت، بمظلته وحقيبته، وجد نفسه في أجواء الحملة الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة يصرح للإعلاميين بآراء حول البستنة وهم يفهمونها على جهة الاستعارة ويعطونها معاني سياسية عميقة جدا لم يقصدها البتة السيد تشانس ولم يسبق لها أن جالت بخاطره... تشبيه فولر لكُونْ بالسيد تشانس مبالغ فيه على الأرجح؛ لأن كون لا يقول أشياء بسيطة ساذجة أو بريئة؛ لكن علاقة كون بدارسيه تشبه من بعض الوجوه علاقة السيد تشانس البريء بمستجوبيه: إفراط في التأويل (over-interpretation) في الحالتين معا. فقسم لا يستهان به من الأفكار التي وردت في كتاب كون سبقه إليها آخرون في التقليد التحليلي نفسه، كستيفن تولمين مثلا، لكن كتاباتهم لم تبلغ في الشهرة مبلغ كتاب كون لأسباب يطول ذكرها تعرض لها فولر بإسهاب في أبحاثه التي أومأنا إليها ترتبط بعوامل سوسيولوجيا انتشار المعارف والأفكار.
إن ميول كُونْ للإفلات من القيود الوضعية في اتجاه ما أصبح يعرف بما بعد الوضعية يمكن الاستدلال عليه بالتأثير الكبير الذي مارسه عليه كواين. فليس من باب المصادفة البتة أن يشدد كُون في متن مقدمة البنية (ص.vi ) على أنه تأثر تأثرا بالغا بالنقد الذي وجهه كواين لإحدى العقيدتين الراسختين اللتين قامت عليهما الوضعية في مقاله ذائع الصيت "عقيدتا المذهب التجريبي" (1951): أقصد العقيدة التي تقضي بالتمييز بين الأقوال التحليلية والأقوال التركيبية والألغاز الفلسفية المحيطة بها التي كشف عنها كواين في نقده لها. هذه العقيدة وشقيقتها القائلة إن أقوالنا تواجه اختبار التجربة قولاً قولاً شكلتا أساس الفكر الوضعي. والنقد الذي صوبه كواين نحو العقيدتين في المقال المشار إليه فتح الباب واسعا أمام جيل بأكمله، وعلى رأسه كون، للخروج من الضيق الذي مارسه الفكر الوضعي في البلدان الناطقة بالإنجليزية.

أعتقد أن قراءة كون في سياق تقليده التحليلي، وفي ضوء تصريحاته بمرجعياته التي ذكرها هو نفسه، تعفينا من التكلف والبحث عبثا فيما كان بإمكان باشلار أن يضيفه إليه لو أن اللقاء الشخصي الذي جرى بينهما كان سلسا. فالإطار التحليلي، بما تضمنه من إشكالات، يكفي بمفرده في نظري لتفسير نجاحات كون وإخفاقاته على حد سواء... وأزعُم أن البحث في العلاقة القائمة بين التقليديْن القاري والتحليلي لم يصبح أكثر وضوحا وخصوبة إلا في السنوات اللاحقة على نشر كون لـ بنية الثورات العلمية، أي حين بدأنا نشهد حوارا صريحا ومباشرا بين الفلاسفة التحليليين وزملائهم القاريين (باتنم وهابرماس، سورل وديريدا، هابرماس و رولز...الخ)، بل حين بدأنا نشهد اهتماما لافتا غير معهود لدى الفلاسفة التحليليين بوجه قاري بارز كهيغل بعد نسيانه أو تناسيه، كما هو واضح في أعمال روبير براندوم (R.Brandom) الأخيرة مثلا، أو في أعمال أستاذه رورتي قبله الذي يجاور في تحليلاته بين مفكرين من التقليديْن بطريقة غير معهودة (ديفدسن هايدغر كواين ديريدا ديوي..الخ)، أو بالعودة من باب الذكاء الاصطناعي إلى النهل من أفكار هايدغر، لنقد الأطروحات الرائجة في هذا المبحث كما هو الشأن عند هيوبير دريفوس مثلا، أو من أجل استلهام تلك الأفكار لصقل تلك الأطروحات وتحصين النماذج المترتبة عليها وتهذيبها كما هو الشأن لدى آخرين مثل وينوغراد (T.Winograd) وغيره.
مراجع
Bachelard, G (1972) l’engagement rationaliste. Presses Universitaires de France (PUF).
Castelao-Lawless, T (2004) “Kuhn’s missed opportunity and the multifaceted lives of Bachelard: mythical, institutional, historical, philosophical, literary, scientific”. Studies in History and Philosophy of Sciences. 35. 873-881.
Fuller, S (1992) “Being There with Thomas Kuhn: A parable for Postmodern Times”. History and Theory, Vol. 31, No.3, 242-275.
Kuhn, S. T (1962) The Structure Of Scientific Revolutions. (Second Edition, Enlarged 1970). The University of Chicago.
Kuhn, T (1997). “A discussion with Thomas S. Kuhn, a physicist who became a historian for philosophical purposes: A discussion between Thomas S. Kuhn and Aristides Baltas, Kostas Gavroglu, Vasso Kindi”. Neusis, 6, 145–200
Quine, W. V (1951) “Main Trends in Recent Philosophy: Tow Dogmas of Empiricism”. The Philosophical Review, Vol. 60, No.1, 20-43.

٠٣‏/٠٩‏/٢٠٠٨

دولوز والبراءة

جيل دولوز




قال فوكو عن دولوز: "ربما سَيُنظَر، في يوم من الأيام، إلى هذا القرن على أنه قرن موسوم بميسم دولوز".

وحين طُلب من دولوز أن يدلي برأيه في ما قاله عنه فوكو أجاب: "ربما قصد فوكو بكلامه أنني الفيلسوف الأكثر سذاجة من بين أبناء جيلي. فأنت تجد عندنا جميعا كلاما عن قضايا مثل التعدد والاختلاف والتكرار... غير أنني في أعمالي غالبا ما أقدم عن هذه القضايا تصورات غضة طرية، على عكس ما قد تجده في أعمال الآخرين التي تتناول القضايا نفسها بأساليب أكثر توسيطا. ما قصده فوكو ربما هو أنني لست أفضل من الآخرين، بل أكثرهم سذاجة، أي أنني أنتج نوعا من الفن الخام إذا شئتَ، أو أنني لست الأكثر عمقا بل الأكثر براءة (أي أنني أقلهم إحساسا بالذنب وأنا أمارس الفلسفة)" (88_ 89 : 1995).

وكان ديريدا نفسه قد أومأ في كلمته التأبينية إلى "براءة" دولوز الفلسفية حين كتب يقول: "أجل، لقد أحببنا معا الفلسفة، من يستطيع أن ينكر علينا هذا؟ غير أن دولوز ـ تماما كما قال هو نفسه ـ كان الوحيد من بين أبناء جيله كلهم الذي مارس الفلسفة بمرح أكثر وببراءة أقوى". (2001: 193).



Deleuze, Gilles. (1995). Negotiations. Trans. Martin Joughin. New York: Columbia University Press.
Derrida, Jacques. (200l). “ I'm Going to Have to Wander All Alone”. Trans. Leonard Lawlor. In The Work of Mourning. Trans, and eds. Pascale-Anne Brault and Michael Naas. Chicago: University of Chicago Press. 192-5.