20‏/05‏/2012

هوسيرل، فريجة والنزعة النفسية



إ. هوسيرل
 لقد انصب نقد فريجه على الطريقة التي تصور به هوسيرل أسس الأريثمطيقا. فقد دافع هوسيرل في كتابه  أسس الأريثمطيقا (1891)، الذي أهداه إلى أستاذه برينطانو، عن أن الفهم الفلسفي للأريثمطيقا يتطلب إيضاح طبيعة التفكير الأريثمطيقي، أي طبيعة العمليات الذهنية التي تجعل الأفكار المتصلة بالأعداد وتعالقاتها ممكنة بالنسبة إلينا. وانتقد التفسيرات التي اقترحها فريجه للمفاهيم لأنها تفسيرات تفشل في "جعلنا قادرين على الإمساك من جهة الباطن بهذه العمليات الذهنية التي تعد ضرورية لبناء المفهوم". فهوسيرل ذاته كان يروم وصف المفاهيم القاعدية التي يتطلبها التفكير الرياضي البدائي، كما يتجلى ذلك في حساب أعداد صغرى تتصل بالموضوعات المحسوسة، ليبين بعد ذلك أن مفهوم العدد نفسه مشتق من التفكر في أفعال العد البدائية تلك. لذلك خصص كل هذه المفاهيم، بما في ذلكم مفهوم العدد، بوصفها "محتويات" أفعال الفرد الذي يمارس العد، وجعل من مشروع بحثه مشروعا منصبا على الإمساك بـ"الأصل النفسي" الذي يشد إليه مفهوم العدد. أطروحة هوسيرل باختصار تقضي بأن المنطق بوجه عام، بما في ذلكم المنطق الاستنباطي، يعثر على تفسيره الفلسفي في إطار علم النفس. وكان جواب فريجه في هذا الشأن هو أن مشروع هوسيرل يخلط بين المفاهيم التي تعد موضوعية، والأفعال النفسية التي تعد أمورا ذاتية، وهو ما جعله ينقاد، في نظر فريجه، إلى الحكم على الأعداد ذاتها بأنها أمور ذاتية وخصوصية تتصل بالأفراد المفكرين.

ج. فريجة

إن النقد الفريجي زعزع اقتناع هوسيرل بأن هدف الفلسفة الأسمى قائم في تحليل التجربة الباطنية. فاتباع هذا السمت في التفكير من شأنه أن يصرف الفلسفة عن البحث في الوجه الموضوعي غير النسبي للمعرفة والأشياء المعروفة ويجعلها بحثا منصبا على الأوجه الذاتية. وإذا كان هوسيرل قد تأثر بهذا النقد، فإنه لم ينحز مع ذلك انحيازا تاما إلى البرنامج الذي سطره فريجه ودافع عنه. فعلى الرغم من اتفاقه لاحقا مع فريجه بأن المفاهيم والمعاني تعد أمورا موضوعية وتذاوتية، لم يقطع مع ذلك صلته برؤيته التي انتقدها فريجه والقائلة إن المفاهيم والمعاني محتوياتُ أفعال نفسية. فتحليل المفاهيم ظل مقرونا عند هوسيرل بتحليل التجارب. ما أصبح يراه هوسيرل، بسبب فريجه أو بسبب غيره، هو الحاجة الملحة إلى صوغ تصور غير نفسي للمحتوى يكون أكثر ملاءمة لأغراضه الفلسفية. ونستطيع القول على جهة التعميم إن أعمال هوسيرل اللاحقة كان هاجسها الزيادة في إيضاح مشروع هوسيرل الأصلي وفصله عن علم النفس وإدراجه ضمن المبحث الجديد الذي سماه بـ"الفينومنولوجيا"، وتوسيعه لكي يتمكن من دراسة تجارب الموضوعات كلها بغض النظر عن نوعها.

ليست هناك تعليقات: